
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
فن التمثيل العربي من أرقى الفنون التمثيلية؛ وهذا راجع لأسباب عديدة من أهمها تحليل شخصيات العمل المقدم أمام الجمهور، و ظهور هذا التحليل أمام المشاهد، ومن الأمثلة التمثيلية الدالة على تحليل الشخصيات، السير العربية عموما ، والسيرة الهلالية خاصة لأنها موضوع بحثنا وخاصة شخصية (رزق بن نايل)، وأيضا لأنها السيرة العربية التي مازالت تؤدى لجماهير فن السير.
وكما سبق القول في مقالتنا السابقة في كون السيرة تركز بشكل أساسي على تحليل النفس البشرية، وإظهار ما تخفيه هذه النفوس بداخلها، وعرض ما تخفيه هذه الأنفس؛ تمثيلا أمام الجمهور، وقد رأينا سابقا ما كانت تخفيه نفوس (القاضي بدير، وغانم، و عزجل أخو رزق).
وقد عرضنا من قبل هذه النفوس الخبيثة وما فعلته في تدمير أسرة (رزق بن نايل)، نتعرض اليوم إلى شخصية (رزق بن نايل)، وخضرة الشريفة، ونرى النفسية الجمالية لهاتين الشخصيتين، وروعة العلاقة الزوجية بينهما، المحملة بكل أنواع الحب بين رجل وامرأة.
وسوف نستعرض في هذه المقال جماليات اللغة العربية في بيان درجات الحب، من خلال (رزق بن نايل) وخضرة الشريفة، فالحب هو نقيض البغض، ويعني الوداد والميل إلى الشيء وأول درجات الحب (الهوى)، وهو باختصار ميل النفس للمحبوب ، وهذا كان واضحا في ديوان المواليد .
عندما رأت خضرة الشريفة (رزق بن نايل) وهو يحج في مكة، وأشارت على أبيها استضافته هو ومن معه، بعد أداء الحج فعندما رآها رزق مال لها، وهى مالت له، وبرغم فرق السن الكبير بينهما إلا أن الهوى جمع بينهما بزواج سعيد، وآلت علاقة الزواج بينهما ، مرتبة أخرى من مراتب الحب وهى (الشغف)، والشغف هو تعلق القلب بشدة بالمحب ، ويصل الحب إلى الشغاف ، والشغاف يعني (غلاف القلب).
وهذا واضح جدا من ديوان المواليد، فقد استمر زواجهما أكثر من عشر سنوات بدون إنجاب أطفال، على الرغم من أن (رزق بن نايل) تزوج خضرة من احل أنجاب طفل ذكر ، ولكن شغف رزق بخضرة، وشغف خضرة برزق، جعل الزواج يتم، ولم يفكر رزق في الزواج بغيرها.

سعادة وفرحة رزق بن نايل
وكانت حياتهما في وفاق وسعادة، وتسير بكل مودة ويسر، وعندما علم (رزق بن نايل) بحمل خضرة، أصبح في قمة السعادة، ويصور لنا الشاعر سعادته وفرحه، في المشهد التالي:
والفرح جاله..
والفرح جاله عم سكن أنوار
لما فرح ابن نايل يا خوان
كانت حمول البلى مش خفيفة
لما سمع بالبشري دي بجي في أمان
لما شعر بحمل الشريفة
لما عدت عليها الشريفة شهرين
وماجت ليها الدورة تاني
فرحوا الجبايل يا مستمعين
والأمر للنشاني
ولما عدوا التلات شهور
جمع العرب هنوا ابن نايل
بجي الامر باين ومشهور
وفرحت جميع الجبايل
يا عين
رابع شهر والكل فرحان
والخامس عدي في راحة
ولما جه السادس يا أخوان
قوم الخضرة عملوا فراحة
جوم السابع والتامن عدي
لما التاسع جربها يجي
ومولاي ما يخلف معادته
فبجي رزق فارح سعيدة
يا ..
تاسع شهر ظهر وبان
تاسع شهر ظهر وبان
به علمت جميع الهلايل
جعد رزق في ديوان سرحان
منتظر و يا الجبايل

فرحة قبيلة بني هلال
والمشهد لا يصور فرحة (رزق بن نايل) فقط، بل يصور فرحة قبيلة بني هلال، بخبر حمل خضرة الشريفة، وهذا دال على إعجاب القبيلة بخضرة والشغف بها، خاصة من نساء الهلايل، وشغف رزق بها، ولكن كما قال المتنبي (ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن).
وهذا ما حدث بعد ما وضعت خضرة الشريفة؛ مولودها أبو زيد الهلالي سلامة، وظهور ثعابين القبيلة المتخفية وراء قناع الزيف، وهم (القاضي بدير وغانم وعزجل)، وتظهر درجة أخرى من درجات الحب وهى (النجوى) على (رزق بن نايل)، والنجوى هى (ألم داخلي عميق نابع من الحب والشوق)، ونرى ونلحظ هذه الحالة عبر مشهد يجمع رزق وأخيه في ديوان الملك سرحان:
شافه عزجل سكر بلاه كيف
فارس وغيظ نيده
وجام علي الولد ساحب سيف
وعاوز يجطع الواد بأيده
فجام رزق علي القدمين
وجال عاب فيك يا خوي غلامي
أدي العرب الكل حاضرين
رجال حافظه النظامي
كل النوازل يا حزجل ولا دي
كل النوادر
كل النوادر يا عزجل ولا دي
أدي رجال تشهد جبالك
جولي اذا كان عاب اخوي ولدي
يا أخي جولي وأنا أقطع لسانه
يا عيني اة..
وفي المشهد نرى أن عزجل يريد قتل (ابن رزق)، وهذا ما حدث بعد ما قاله القاضي فايد وغانم في التشكيك من ان الولد من صلب رزق، وفي المشهد نرى حالة النجوى تظهر على رزق، فعندما هم عزجل بقتل الطفل ، ينتفض (رزق بن نايل)، ويقول له تنبه يا عزجل هذا ولدى ومن صلبي.
ويسأله (هل عاب فيك ولدي؟) لقد غاب وعى ابن نايل، وخاطب أخيه بما يحمله في نفسه من حب لخضرة والشغف بها، وحبه لابنه، ولكن يزداد عزجل ليقضي على أمل رزق في الوقوف بجانبه ويقول في قسوة وحقد وغل غير معهود بين أخوة الدم:
عزجل: جاله فين يا مجنون ولدك
عزجل جاله يا خوي فين والدك
عيشنا وراينا العجايب
ده أنت جبت ظفار لبلدك
ده جيباه من عبد جلايب

المقابلة بين رزق وخضرة
ومن هذا المشهد ، يغيب الوعى عن (رزق بن نايل)، ويتوه في عالمه الذي ينهار أمامه، ويذهب مسرعا إلى خضرة التي علمت بما فعله (القاضي فايد وغانم، وعزجل)، ويقف أمامها ليوجهها، ويصور لنا الشاعر عز الدين نصر الدين رحمه الله هذه المقابلة بين رزق وخضرة، ليظهر لنا درجة أخرى من درجات الحب، وهو الوجد وهذا ما يظهر في المشهد
يا خضرة ارحلي
يا خضرة ارحلي ثم ارحلي من منزلي
مع عبدك الاسود ولا تتمهلي
والمرة خلفي جال يا قبيحة بالعجل
لاقص عمرك بالقضاء المنزل
جبتك شريفة
ومن قريش علي نقا
فكيف عبد غيري
فكيف عبد غيري يا خضره يعلي جعفري
إن المشهد يصور حالة الوجد عند (رزق بن نايل)، والوجد درجة من الحب، وهو الحب المصحوب بحالة من الحزن والتفكير في المحبوب، أن رزق لم يصدق ما قاله ضعاف النفوس، وكأنه يخبر خضرة بما قالوه، وطلب منها أن تجيب على ما أصابه.
وتظهر على خضرة درجة الوجد من الحب، لأنها بالفعل تمر بنفس حالات الحب الذي يكنه لها زوجها، وتجيب بحالة الوجد التي تنتابها على رزق لتبعد عنه وساوس التفكير، الذي أصابه من أخيه وأعوانه في المشهد التالي:
فردت عليه
ردت عليه خضرة الشريفة تجاوبه
أنا شريفة
أنا شريفة ومن قريش علي نقا
وايه وصله ذا العبد يعلي جعفري
وايه وصله ذا العبد يدخل كرمنه
وكرمنا عالي وضربه حنظلي
وفي المشهد يظهر الوجد على خضرة، وتذكر رزق بأنها لا يمكن أن تفعل هذا الفعل ، فهى شريفه ومن أعلى قبائل العرب ( قبيلة قريش ) وتتبع قولها بالحكمة ، وتذكره بالله وخلقه للعباد:
فعجبي علي رجل يعارض خالقه
(شوف خضره بتجول ايه)
عجبي علي رجل يعارض خالقه
إذا ما خلق بعوضه أو جمل
وتضيف: أنا شريفه يا رزق وجايه على ناقة
فكيف عبد غيرك يا رزق يعلي لجعفري
ومن المشهد برى حالة الوجد تتجادل بين الطرفين، فيالهما من حبيبين، فكلاهما لا يريد الانفصال عن الآخر ولكن حدث ما حدث، ويفترقا، وتظهر على كليهما، حالة الهيام، وهذه الحالة أرقى درجات الحب وأعلاها، وهو أن يستبد الحب بالعقل ويذهب به ، فبرغم الفراق.
إلا أنهما طوال سنين الفراق عاشا في حالة من الهيام، حتى التقيا مرة ثانية، وأبح ابنهما، فارس الهلايل، ومما سبق نرى جمالية اللغة العربية في وضع أسماء لكل درجات الحب، وتعريفها لهذه الحالات، ويكون (رزق بن نايل) وزوجته خضرة مضرب المثل لهذه الحالات.