رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (4).. إن كان لا بد!

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (4).. إن كان لا بد!
انقلوا المشاهد إلى غرفة الأخبار في (الأهرام) عام 1959
أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (4).. إن كان لا بد!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

تعود رواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ لتفرض نفسها على طاولة النقاش كلما طُرحت فكرة تحويلها إلى عمل درامي.. رواية نُشرت مسلسلة في (الأهرام) عام 1959، ثم مُنعت من النشر في كتاب داخل مصر لعقود، وأثارت جدلاً دينياً وسياسياً وفكرياً ما زال صداه مستمراً حتى بعد محاولة اغتيال صاحبها في أكتوبر عام 1994.

أكتب هذه الكلمات وقلبي مفتوح على حرية الإبداع، وعيني يقظة على أمن هذا الوطن الذي نعيش فيه.. ولست هنا لأصادر على خيال أحد، ولا لأضع قفلاً على باب الفن، فالمصادرة ليست مهمتي ولا تليق بي.

إنما أكتب لأضع ملاحظات يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند كتابة السيناريو، طريقاً يحفظ للإبداع هيبته، ويحفظ للوطن سكينته، ويحفظ لنجيب محفوظ مكانته كاملة غير منقوصة.

أي عمل فني كبير مثل (أولاد حارتنا) يمس المعتقدات والوجدان الديني، لا بد أن يمر أولاً على بوابة الرقابة على المصنفات الفنية، ثم على بوابتي المؤسسة الدينية في هذا البلد: الأزهر الشريف والكنيسة المصرية.. وقبل أن نبذل جهداً في كتابة سيناريو محكوم عليه بالرفض سلفاً، وننفق أموالاً على إنتاج لن يرى النور، من الحكمة أن نسأل: هل يمكن لهذه الجهات مجتمعة أن توافق على تنفيذه كما ورد في الرواية؟

والإجابة تحددها بنية النص وسياقه الرمزي، فقد فكّك جورج طرابيشي رموز الرواية في كتابه (الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية) الصادر عام 1978 عن دار الطليعة، وقرأ (رفاعة) باعتباره إسقاطاً على شخصية السيد المسيح.

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (4).. إن كان لا بد!
نجيب موجهاً الكلام إلى طرابيشي: (بصراحة، أعترف لك بصدق بصيرتك

صدق بصيرة جورج طرابيشي

وقد كان طرابيشي موفقاً إلى حدٍ بعيد في تحليله، بل كان الأقرب إلى الصواب بشهادة نجيب محفوظ نفسه، التي نشرها طرابيشي على ظهر كتابه، وقال فيها نجيب موجهاً الكلام إلى طرابيشي: (بصراحة، أعترف لك بصدق بصيرتك، وقوة استدلالك، ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة إلى مؤلفها).

والمشكلة هنا أن النص في (أولاد حارتنا) يصوّر (رفاعة) رجلاً عاجزاً جنسياً يقبل الزواج من امرأة ساقطة، ثم يسكت على ما تفعله بعد ذلك.. وهنا تحديداً يصبح الأمر متعلقاً برمز مقدس في المسيحية والإسلام معاً، وتصبح موافقة الكنيسة والأزهر معاً ضرورة لا ترفاً.. فكيف نبدأ طريقاً نعلم أن بابه موصد؟

إنني لا أدعو إلى التراجع، بل إلى القفز خطوتين إلى الأمام.. لا تصنعوا (أولاد حارتنا) مسلسلاً مباشراً، اصنعوا مسلسلاً عن (أولاد حارتنا).. ابدؤوا من حيث انتهت الحكاية في الواقع: من ليلة الرابع عشر من أكتوبر عام 1994، حين لمعت سكين في شارع هادئ بالعجوزة.

ابدؤوا من الألم ثم ارجعوا إلى السبب.. انقلوا المشاهد إلى غرفة الأخبار في (الأهرام) عام 1959، إلى قرار النشر في رمضان، إلى صمت العقاد، وتحفظ طه حسين، وغضب الأزهر، وإلى دفاع نجيب المستميت عن حق السؤال.

واجعلوا الرواية ضيفة داخل العمل، تطل في ومضات مختارة.. خذوا منها ما هو إنساني خالص: الخبز، والكرامة، والبحث عن العدل، بعيداً تماماً عن مناطق الالتهاب العقدي.. ضعوا هذه المشاهد في إطار محاكمة نجيب لنفسه وقلمه، وفي إطار دفاعه عن فكرته.

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (4).. إن كان لا بد!
اختموها في التسعينيات بنجيب الذي نجا

اختموها بنجيب الذي نجا

ثم اختموا الحكاية حيث ختمها صاحبها بحكمته.. اختموها في التسعينيات بنجيب الذي نجا، وهو يغضب من نشر الرواية كاملة، ويعلنها صريحة: (لا نشر في مصر إلا بموافقة الأزهر).. في هذه اللقطة الأخيرة يتطهر نجيب من تهمة معاداة الدين، وتتبرأ الدولة من تهمة مصادرة الإبداع، لأننا نثبت للعالم أن الدولة التي انتقدها هي التي احتضنته.

ومزية هذا الطريق أننا نربح به كل شيء ولا نخسر شيئاً.. نقدم نجيب المفكر لا نجيب المثير للصدام، ونقدم دولة تحمي الإبداع لا تخنقه، ونتجنب أكبر فخ في النص.. فلن نكون مضطرين إلى تجسيد مشهد قتل (الجبلاوي) على الشاشة.

ذلك المشهد الذي يقوم فيه (عرفة) – رمز العلم – بقتل (الجبلاوي) – رمز الذات الإلهية – وهذه المعالجة تمنحنا أن نستلهم من الرواية أحسن ما فيها دون المساس بالمقدس، ودون أن ننزلق إلى منطق التكفير القطبي.

الإبداع ليس عناداً، والإيمان ليس تزمّتاً.. والحكمة أن نحول مادة الصدام إلى مادة فهم، وأن نكرم نجيب محفوظ لا بإعادته إلى مسرح الأزمة، بل بإخراجه منها منتصراً، حكيماً، محترماً لعقل القارئ ولوجدان الوطن.

وذلك بالابتعاد عن كل ما يثير الفتنة، ويستفز الوجدان الديني، ويفتح أبواب التكفير، وبالالتزام بوصيته بعرض العمل على الأزهر الشريف، وبمطالبتنا اليوم بأخذ موافقة الكنيسة المصرية أيضاً، باعتبار أن التحويل إلى عمل درامي يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة تجاه رموز دينية تمس وجدان عموم المصريين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.