رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: جماليات أسس (التمثيل العربي).. (عنترة) والسيرة الهلالية (28)

كمال زغلول يكتب: جماليات أسس (التمثيل العربي).. (عنترة) والسيرة الهلالية (28)
دخل بنا (عنترة) إلي المكان الصامت، وأظهر ما يحدث به الإنسان نفسه في وسط هذا المكان الصامت

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِن مُتَرَدِّمِ .. أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

 (عنترة بن شداد)

الجمالية التمثيلية العربية لا تتوقف فقط عند فن المسرح، بل فن التمثيل العربي متشعب في فنون العربية عامة، وكما سبق القول يتعامل الفنان العربي مع الجهاز الحسي للإنسان المكون من الحواس والذهن والشعور، وإذا ما نظرنا إلي البيت الشعري من معلقة (عنترة)، وهذا البيت هو ما يستهل به عنترة القصيدة ( الافتتاحية)، نجد في هذا البيت عند سامعه شعور بالرهبة المكانية التي أصبحت أطلال.

لقد نقل (عنترة) في هذا البيت صورة تمثيلية بديعة، قائمة على عنصرين، الأول المكان الذي أصبح أطلالا، والثاني التساؤلات التي تدور بفكر الشخص الذي دخل هذا المكان، ومن التعبير الشعري يقف المستمع بحواسه وذهنه، وسط كلمات بيت (عنترة)، ليستعيد الصور الحسية المخزنة في ذهنه، ويستشعر الرهبة المكانية لحالة الأطلال التي في الصحراء.

وهذه الرهبة تتمثل في الصمت المطبق المحيط بهذه الأطلال، لقد دخل بنا (عنترة) إلي المكان الصامت، وأظهر ما يحدث به الإنسان نفسه في وسط هذا المكان الصامت، ويتساءل كشاعر عن الشعر، ويقف متحيرا في التعرف في وسط هذه الأطلال على بيت عبلة.

إن بداية القصيدة رائع، جعلت وقع كلمات البيت على أذن المستمع تصوير تمثيلي بليغ لحالة الصمت المكاني، واستشعار رهبة المكان الموحشة بعد مغادرة سكانه، وتركه إلى أن أصبح أطلالا، لا يستطيع السائر فيه التعرف بسهولة على بيوته وطرقه.

وهذا التصوير للمكان الصامت والشعور به من قبل السامع، وظهور شخصية تبحث في هذه الأطلال، وتتساءل، جعل المستمع في مسرح الأحداث يستشعر الصمت المكاني وجدانيا ويتأهب للدخول إلى عمق القصيد الشعري.

وهذه الافتتاحية، يندر وجودها إلا في الشعر العربي بجمالياته التأثيرية التمثيلية لأنه يتعامل مع الجهاز الحسي للإنسان، وكما هو حال مع الشعر الغنائي في تعامله مع الجهاز الحسي ينعكس نفس الشعور على الشعر التمثيلي بمكانه وزمانه وشخصياته، وهذا ما يظهره لنا مسرح السيرة الهلالية ، ونستشعر المكان وبهجته في بداية السيرة (الافتتاحية) ديوان المواليد.

كمال زغلول يكتب: جماليات أسس (التمثيل العربي).. (عنترة) والسيرة الهلالية (28)
شاعر السيرة نقل المكان العامر الحي بالسكان من خلال فرحة قبيلة الهلايل بحمل خضرة الشريفة

فرحة قبيلة الهلايل

فإذا كان (عنترة) نقل المشاعر إلي الأطلال، فإن شاعر السيرة نقل المكان العامر الحي بالسكان من خلال فرحة قبيلة الهلايل بحمل خضرة الشريفة:

فرحوا الجبايل يا مستمعين

والأمر لنشاني

ولما عدوا التلات شهور

جمع العرب هنوا ابن نايل

بجي الامر باين ومشهور

وفرحت جميع الجبايل

يا عين

رابع شهر والكل فرحان

والخامس عدي في راحة

ولما جه السادس يا أخوان

قوم الخضرة عملوا فراحة

جوم السابع والتامن عدي

لما التاسع جربها يجي

ومولاي ما يخلف معادته

فبجي رزق فارح سعيدة

يا..

تاسع شهر ظهر وبان

تاسع شهر ظهر وبان

به علمت جميع الهلايل

جعد رزق في ديوان سرحان

لقد صور لنا شاعر السيرة المكان المسرحي للأحداث، والمكان صحراوي يسكنه أفرادا، وصور الشاعر حال الناس في هذا المكان، صحيح ليس بقوة وبلاغة شعر (عنترة)، ولكن المقصود تبيانه أن أسس فن التمثيل العربي التمثيلية قائمة على الجهاز الحسي، ولم يختلف التعامل مع الجهاز الحسي، من خلال الشعر الغنائي، والشعر التمثيلي.

كمال زغلول يكتب: جماليات أسس (التمثيل العربي).. (عنترة) والسيرة الهلالية (28)
الشاعر جعله يدرك حسيا وشعوريا جماليات البهجة في المكان

جماليات البهجة في المكان

وهذا من روعة وجماليات التمثيل العربي، وإذا عدنا إلي حواس ومشاعر المشاهد ، فإن الشاعر جعله يدرك حسيا وشعوريا جماليات البهجة في المكان، وحالة الصخب الاحتفالي من خلال مدركاته الحسية الشعورية، وينهي الشاعر المشهد بتركيز على مكان آخر، وهو مجلس الملك سرحان الذي سوف تدور به الأحداث.

فصور المكان الخارجي ودخل بنا إلي الخيمة وهى واحدة من الأبنية في المكان، لكي تنحصر حواس المشاهد وتركز على ما سوف يحدث من مكيدة مدبرة لابن نايل، وتتنظر الفرصة للخروج من النفوس الضعيفة، لتنهي حياة بطل القبيلة نفسيا، ووجدوا ضالتهم في لون الطفل، ونرى ما حدث في المكان العامر بالأشخاص:

صغوا لجولي يا مستمعين (بداية الحدث)

لما يشوفوا خلفت بن نايل

الا وبلغ الخبر يا اخوان

من رجال عروضها نظيفة

لما تسمع العربان

وضعت خضرة الشريفة

جام ناجح عبد رزق

(اسمه نجاح الخادم بتاع رزق، اسمه اية اسمه نجاح)

فبلغه الخبر جوم جاي يجري

داخل علي جمع الهلاليل

نجاح :جال طول الليل سهران لفجري

مرباي ويه الجبايل

طالع يجري علشان يجول لرزق

كلام جد لم فيه خلوفة

وجال ربي اتاك بالرزق

اهي جت لسيدي الخلوفه

دخل علي شوف رزق كربان

علشان ياخد البشارة

هناه بين العربان

كمال زغلول يكتب: جماليات أسس (التمثيل العربي).. (عنترة) والسيرة الهلالية (28)
صور الشاعر الفرحة العامرة في المكان من الأشخاص والجمهور يدرك ويستشعر هذه الحالة

فرحة عامرة لجميع الإمارة

لقد صور الشاعر الفرحة العامرة في المكان من الأشخاص والجمهور يدرك ويستشعر هذه الحالة كأنه مشارك بجهازه الحسي، ويستحضر هذه الحالة ذهنيا ، ومن حالة الفرح تحدث حالة من الصمت المطبق (الصمت المكاني):

وجه جدام القاضي يا رجال

وموجود بجنبه غانم

جالسة العرب يمين وشمال

مولاي بالخلق عالم

جدام غانم العبد دلي

والقاضي ينظر بعينه

والعرب الكل سامعه

كلام للرجال سامعينه

فا جرب القاضي وكشف الثام

(أول ما دليه العبد جدام القاضي اللي هو قاضي العرب فايد لسه ما كانش بجي بدير

القاضي فايد فعندما دلوا الغلام جدام القاضي)

بص القاضي وشال اليثام

جاري وعارف الكتايب

لما شاف شكل الغلام

لجيه اسمر جال دي اخر عجايب

لجي الولد صغير اسمر اللون

جال سبحان رب الخلايج

يعني ده فعل غير موزون

ده ما فيش في مثله خلايج

جوم مال علي غانم القاضي

هما الاتنين

الشاعر (ماله علي بعض القاضي وغانم)

جال القاضي سبحان الله

جال القاضي سبحان الله

أهي حاضره رجال الهلايل

مثل الوجه ده فينا ما راناه

لا لون خضرة ولا لون ابن نايل

يعني جايبة الواد أسمر اللون

باين من عبيد الجلايب

سبحان من عمر الكون

عشنا وراينا العجايب

جوم غانم جاله

يا قاضي ما تلومش عليها

الشاعر: (شوف غانم يعمل الفتنة الفتنة وعرة جوي)

جاله غانم ما تلومش عليّ

ما جعدتها بلا عيال طالت

واصل يا قاضي الرازق جاعد حي

يمكن أنها خضرة العبد مالت

كمال زغلول يكتب: جماليات أسس (التمثيل العربي).. (عنترة) والسيرة الهلالية (28)
الجمهور يدرك ويشعر بالمكان والشخصيات من خلال جهازه الحسي

الشعور النفسي المشترك

وبالطبع سمع الجميع هذا القول وتحول الجمع إلى حالة الصمت والذهول، وكأن المكان خلى من الناس، وسوف يتحول قريبا إلى أطلال، وهذا ما حدث بالفعل، فبعد المؤامرة على بن نايل، تتحول حياته إلى أطلال ،لأنه فقد  كل شيء، زوجته أبنه ماله، وترك بيته وانزوى في الجبال.

والجمهور يدرك ويشعر بالمكان والشخصيات من خلال جهازه الحسي الذي يمده الشاعر الممثل بالصور الوصفية  وكلام الشخصيات الشعوري ليستشعر حالة المكان والشخصية، وهذا ما يطلق عليه الشعور الجمعي، وهو ببساطة الشعور النفسي المشترك بين أفراد المجتمع والذي يمثله جمهور المشاهدين للسيرة، ليكونوا أثناء العرض المسرحي في ما يمسى بوحدة الشعور الجمعي.

الذي هو اشتراك أفراد المشاهدين في إدراكات معينة تربطهم ببعض، وبالفعل فإن جميع المدركات الحسية الذهنية الشعورية للجمهور والشاعر الممثل مرتبطة ومشتركة ليحي ذكرى البطل رزق بن نايل، شعوريا ووجدانيا ليس مشاهدة بل مشاركة بحسهم وذهنهم وشعورهم.

وهذا الإبداع الجمالي التمثيلي العربي المؤسس على الجهاز الحسي لن تراه في مسرح المشاهدة المتأورب، فمهما تقدمت التكنولوجيا المسرحية (إضاءة، صوت، ديكور.. سينوغرافيا.. ممثلين.. يبقى مسرح المشاركة بطريقته البسيطة في العرض والمعقدة في طرق التمثيل هو ما يحقق المتعة الجمالية ، وإن شاء الله هذا ما سوف نوضحه بأمثلة في مقالتنا القادمة.

ولكن سوف نعطي مثال بسيط، على المتعة الجمالية للمشاركة، وأنها لا تنتهى أبدا برغم التقدم التكنولوجي المبهر في مسرح المشاهدة المتأورب، من معلقة (عنترة) عندما يقول:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل منى .. وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبل السيوف لأنها .. لمعت كبارق ثغرك المتبسم

وهكذا تظل المشاعر حية بمشاركتها الحسية والذهنية والشعورية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.