رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (1) .. نجيب محفوظ.. العبقري الذي لا نقدسه!

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (1) .. نجيب محفوظ.. العبقري الذي لا نقدسه!
العبقرية لا تعني العصمة، والاختلاف مع الفكرة ليس إنكاراً للصنعة
أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (1) .. نجيب محفوظ.. العبقري الذي لا نقدسه!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

مع كل عودة للحديث عن تحويل (أولاد حارتنا) إلى مسلسل، تعود معه معركة قديمة متجددة: هل يجوز أن نحب المبدع ونختلف معه؟.. أم أن الإعجاب بالأدب يستلزم التسليم بكل ما قاله صاحبه؟.. لقد أعاد الحوار الذي أجراه الكاتب الصحفي الكبير أحمد السماحي مع المخرج (محمد ياسين) طرح هذا السؤال من جديد، لكنه طرحه هذه المرة بحِدّة أكبر: كيف نقرأ عملاً أدبياً عظيماً دون أن نحوله إلى صنم؟

بمجرد أن تقول رأياً مخالفاً لرواية من روايات نجيب محفوظ، وخصوصاً (أولاد حارتنا)، يقفز إليك الرد الجاهز: (أنت ضد الأدب والإبداع)، وكأننا أمام معادلة صفرية لا تحتمل الوسط: إما أن تسلّم بكل ما كتبه، أو أنك عدو للتنوير والعقل.

وهذه هى الطريقة الأسهل لإنهاء أي نقاش قبل أن يبدأ، وهى في الوقت نفسه أخطر طريقة للتعامل مع الإبداع، لأنها تغلق الباب أمام سؤال بسيط: ماذا لو كان النص نفسه يدعونا للاختلاف؟

دعونا نبدأ من المسلمات التي لا نقاش فيها: نجيب محفوظ هو أهم روائي عربي في التاريخ، ومن أهم الروائيين في القرن العشرين على مستوى العالم، من ينكر قيمة نجيب محفوظ الفنية كمن ينكر الشمس في رابعة النهار.

لكن هذا الاعتراف الأدبي لا يمنعنا من النقد الفكري والسياسي.. العبقرية لا تعني العصمة، والاختلاف مع الفكرة ليس إنكاراً للصنعة.. في عالم الفكر والأدب والفلسفة لا يوجد إنسان معصوم ولا يوجد صاحب حقيقة مطلقة.. شكسبير ظل لقرون تاج المسرح العالمي.

ومع ذلك نناقش اليوم بعض مواقفه وآرائه ولا نأخذ كل ما قاله كمسلمات.. هل قلل هذا من قدره؟ بالطبع لا.. لأننا تعلمنا أن نفصل بين قيمة العمل الفني وبين مضمون الأفكار التي يطرحها.. نحترم الصنعة ونناقش الفكرة.

والمفارقة أن نجيب محفوظ نفسه كان يؤمن بهذا المبدأ تماماً.. طوال حياته كان يرفض فكرة الوصاية على العقل، وكان يحذر من تقديس الأشخاص والآراء.. كان يرى أن الكاتب ليس نبياً، وأن القارئ شريك في النص، وأن الاختلاف هو الذي يحيي الفكر.

فأي خيانة لروحه أكبر من أن نحوله بعد رحيله إلى صنم لا يجوز المساس به؟.. وأي تناقض أكبر من أن نستخدم اسمه كعصا لإسكات أي صوت مختلف، وهو الذي كرس عمره للدفاع عن حرية السؤال؟

أولاد حارتنا.. إعادة محاكمة (1) .. نجيب محفوظ.. العبقري الذي لا نقدسه!
رواية (أولاد حارتنا) الرواية قدمت رؤية معينة عن السلطة والإنسان والتاريخ والمعرفة والدين

ليس هجوماً على الكاتب

خذ على سبيل المثال رواية (أولاد حارتنا) الرواية قدمت رؤية معينة عن السلطة والإنسان والتاريخ والمعرفة والدين، وهذه الرؤية هى اجتهاد الكاتب، هى قراءته هو للعالم، وهى واحدة من بين قراءات كثيرة كُتبت في نفس العقد.. من حقك أن تنبهر بالحبكة وتتأثر بشخصياتها، وفي الوقت نفسه تختلف مع الدلالة التي أرادها الكاتب من ورائها.. من حقك أن ترى الرواية تحفة أدبية، ولا تتفق مع بعض إسقاطاتها الدينية والسياسية.

الاختلاف مع فكرة داخل النص ليس هجوماً على الكاتب.. والإعجاب بالكاتب ليس شيكاً على بياض لكل ما كتب.. الفصل بين الاثنين هو قمة الاحترام للأدب وللعقل معاً.. وإلا تحولنا من قراء إلى أتباع، ومن نص إلى عقيدة.

في النهاية، نحن لا نختلف حول موهبة نجيب محفوظ.. نختلف أحياناً مع بعض آرائه كما نختلف مع آراء أي مفكر كبير قرأ عصره بحدة، وهذا الاختلاف لا ينتقص منه، بل يضيف إليه، لأنه دليل على أن أدبه حي وقادر على إثارة النقاش.

ولو كان نجيب محفوظ بيننا اليوم، لكان أول من جلس معنا على المائدة ليناقشنا ويختلف معنا.. لأنه ببساطة لم يرد أن يكون له أتباع، بل أراد أن يكون له قراء يفكرون، فالسؤال ليس: هل أنت مع نجيب أم ضده؟.. السؤال الصحيح هو: هل يمكننا أن نحب الأديب ونحتفظ في الوقت نفسه بحقنا في النقد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.