رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

علاء القيسي يكتب: سياسة صنع الحدث الفني: حين يتوقف (الفن) عن الاعتذار

علاء القيسي يكتب: سياسة صنع الحدث الفني: حين يتوقف (الفن) عن الاعتذار
السؤال الذي يجب أن يسأله كل فنان اليوم ليس (كيف أعرض عملي بشكل أفضل؟)،

بقلم: الباحث السياسي العراقي: علاء القيسي

نحن لا نعاني من أزمة فن.. في بغداد، وفي كل عاصمة عربية، هناك رسامون عظماء، وموسيقيون عباقرة، وممثلون يبكون بصدق.. أزمتنا ليست في الموهبة في (الفن).. أزمتنا في أننا ما زلنا ننظم (فعاليات) بينما العالم يحكمه من يصنع (الأحداث).

الفعالية تطلب إذناً، تحجز قاعة، تطبع دعوات، يأتي الأصدقاء، نلتقط الصور، ونعود إلى بيوتنا وكأن شيئاً لم يكن. تموت في نفس ليلة ميلادها، أما الحدث، فلا يطلب إذناً… يقتحم. يربك.. يجبر حتى من لم يحضر أن يتحدث عنه.. الحدث لا يُقام، الحدث يُرتكب.

والسؤال الذي يجب أن يسأله كل فنان اليوم ليس (كيف أعرض عملي بشكل أفضل؟)، بل (كيف أجعل عملي حدثاً لا يمكن تجاوزه؟.. هذا هو جوهر سياسة صنع الحدث.

ما هي السياسة؟: السياسة هنا ليست مكراً ولا علاقات عامة.. السياسة هي الوعي بأن (الف)ن في 2026 لم يعد صراع جمال ضد قبح، بل صراع انتباه ضد نسيان.

قال (جاي ديبور) قبل خمسين عاماً: نحن نعيش في مجتمع الفرجة.. اليوم نحن نعيش في مجتمع التمرير السريع. الجمهور لا يملك وقتاً، لكنه يملك تعطشاً للحظة حقيقية تهزه.

صنع الحدث هو أن تتحول من فنان ينتظر الانتباه، إلى فنان يختطف الانتباه ويستحقه.. ولهذا خمسة قوانين، من لا يفهمها سيبقى فناناً جيداً في قاعة فارغة.

علاء القيسي يكتب: سياسة صنع الحدث الفني: حين يتوقف (الفن) عن الاعتذار
المكان هو شريكك في الجريمة، وليس خلفية.. القاعة البيضاء محايدة، والمحايد لا يُتذكر

القاعة البيضاء محايدة

القانون الأول: لا تعرض الفكرة، اصنع لها جريمة.. لا تقل للناس (أريد أن أتحدث القاعة البيضاء محايدة عن العزلة).. اجعلهم يعيشونها.. (بانكسي) لم يعلق لوحة عن استهلاك (الفن)، بل مزق لوحته في لحظة بيعها في المزاد. هذه ليست حركة تسويقية، هذه حدث فني اكتملت فيه الفكرة بالفعل.. الفكرة القوية لا تُشرح، تُمارس.

القانون الثاني: المكان هو شريكك في الجريمة، وليس خلفية.. القاعة البيضاء محايدة، والمحايد لا يُتذكر.. لو عرضت عن الحرب في قاعة مكيفة، أنت تقدم محاضرة.. لو عرضت عنها في ملجأ قديم، أو في بيت مهجور، أو جعلت الجمهور يمشي في طابور طويل قبل الدخول، أنت تصنع حدثاً.

في مدينة مثل بغداد، كل زقاق هو ذاكرة، وكل جدار هو شاهد.. الفنان الذي ما زال يحبس فنه بين أربعة جدران بيضاء، يهين مدينته وموهبته معاً.

القانون الثالث: لا تدعُ الجمهور، ورّطه.. الجمهور ذكي، وملّ من دور المتفرج الذي يصفق في النهاية.. في الحدث الحقيقي، لا يوجد جمهور، يوجد شهود ومتورطون.. اجعله يختار.. اجعله يخلع حذاءه.. اجعله يكتب اعترافاً قبل أن يدخل. اجعله يقف في الظلام لدقيقة كاملة. اللحظة التي يبذل فيها جسده جهداً، ستبقى الفكرة في جسده إلى الأبد.

علاء القيسي يكتب: سياسة صنع الحدث الفني: حين يتوقف (الفن) عن الاعتذار
الحدث الحقيقي يبدأ بعد نهايته.. 90% من الفنانين يفكرون في يوم الحدث

الشرح هو سر الأسطورة

القانون الرابع: قل القليل، وارمز للكثير.. الفعاليات تثرثر. الأحداث تصمت.. حدث فني قوي يمكن تلخيصه في صورة واحدة، في جملة واحدة تتناقلها الناس.. إذا احتجت إلى عشر صفحات لتشرح ما فعلت، فأنت لم تصنع حدثاً، بل صنعت ورشة عمل.. الاقتصاد في الشرح هو سر الأسطورة.

القانون الخامس: الحدث الحقيقي يبدأ بعد نهايته.. 90% من الفنانين يفكرون في يوم الحدث.. و10% فقط، العظماء، يفكرون في صباح اليوم التالي.. ماذا سيبقى؟ ما هي الصورة التي ستنتشر؟ ما هى القصة التي سيرويها من حضر لمن لم يحضر؟ كيف ستوثقه؟.. التوثيق ليس مصوراً يلتقط الحضور وهم يبتسمون. التوثيق هو صناعة الدليل على أن شيئاً خطيراً قد حدث هنا.

لماذا هذا المقال ضروري الآن في بغداد؟: لأن بغداد مدينة أرهقتها أحداث السياسة، وهي اليوم بأمس الحاجة لأحداث (الفن).. نحن لا نحتاج مهرجاناً آخر بميزانية ضخمة وابتسامات رسمية. نحن نحتاج حدثاً واحداً، صغيراً، ذكياً، منحازاً، يجعل سائق التكسي والمثقف والطالب يتحدثون عنه في اليوم التالي.

الفن لم يعد ترفاً نلجأ إليه بعد أن تنتهي السياسة.. الفن هو سياسة أخرى، أكثر صدقاً وعمقاً، لاستعادة معنى أن نكون معاً.. توقف عن تنظيم فعالية جديدة.. ابدأ بالتخطيط لجريمتك الفنية القادمة.. هذه هي سياسة صنع الحدث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.