
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
يبهرنا فن التمثيل العربي ببحثه الدقيق في النفس البشرية، للوقوف على أمراض النفوس وإظهار بواطنها الخفية، وعرضها في صورة تمثيلية بليغة، للتبيان والتعرف على ما تفعله النفس البشرية في تعاملاتها الحياتية، ونجد هذا في عروض (السيرة الهلالية)، وخاصة ديوان المواليد؟
وهذا الديوان هو المؤسس لجميع أحداث السيرة فيما بعد، وأهم ما يتعرض له هذا الديوان (الكذب)، وآثاره التدميرية النفسية والاجتماعية في الحياة البشرية، ويعرف الكذب بأنه إخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه وبشكل يزيف الواقع، أنه الخداع للآخرين، والتأثير عليهم حسيا وذهنيا وشعوريا.
ويأخذنا فن التمثيل العربي، لتمثيل الكذب أمام الجماهير، وتبيان ما يترتب على الكذب من تدمير للحياة الإنسانية ، معتمدا على الجهاز الحسي الإنساني لإيصال المعنى عن طريق الحواس ثم الانتقال إلى الذهن ليقوم بتحليله، ثم ينفر منها الشعور، وينعكس أثره على الجماهير في علاقة تنبيه وتحذير من الكذب.
وننتقل إلي ديوان المواليد في (السيرة الهلالية) لنرى كيف تم تمثيل الكذب ، من خلال شخصيات السيرة الهلالية، ونتعرض إلي شخصية القاضي فايد، وهو شخصية ليست عادية في مجتمع بني هلال إنه القاضي من يقيم العدل ويرفع الظلم ، ولكن ماذا يحدث إذا أتى الكذب من القاضي؟

ديار بني هلال
والإجابة على هذا السؤال نعرفها من خضرة الشريفة، عندما خرجت من النجع هي وسعيدة، ووقفت تنظر إلي ديار بني هلال من أعلي الجبل وقالت عن القاضي فايد:
خضرة الشريفة:
وروح للقاضي وجوله
جوله يا شيخ روح يجل جهدك
روح يا شيخ يجل جهدك
واللي في علمه ربك يتامه ( يتمه )
بين العرب تفضل لوحدك
وتصبح عيالك يتامى
لقد دعت خضرة الشريفة على القاضي فايد، نتيجة الكذب الذي افتراه، ونعود إلي مشاهد السيرة لنرى كيف بدأ القاضي فايد الكذب:
بص القاضي وشال اليثام
جاري وعارف الكتايب
لما شاف شكل الغلام
لجيه اسمر جال دي اخر عجايب
لجي الولد صغير اسمر اللون
جال سبحان رب الخلايج
يعني ده فعل غير موزون
ده ما فيش في مثله خلايج
جوم مال علي غانم القاضي
هما الاتنين
جال القاضي سبحان الله
جال القاضي سبحان الله
أهي حاضره رجال الهلايل
مثل الوجه ده فينا ما رأناه
لا لون خضره ولا لون ابن نايل
يعني جايبه الواد أسمر اللون
باين من عبيد الجلايب
سبحان من عمر الكون
عشنا ورأينا العجايب

من أين أتت خضرة بالطفل
ومن هذا المشهد نرى القاضي يتهم خضرة بأنها أتت بالطفل من عبد جلايب (أي عبد جلب إلي القبيلة عن طريق الشراء)، ولكن كيف يصدر هذا الكلام من القاضي دون بينه أو دليل، فمن الأولى أن يشك زوجها رزق بن نايل، والقاضي يحكم بينمها إذا تم اللجوء إليه.
ولكن نطق القاضي بالأكاذيب ، وراح يتهم العرض بدون دليل أو بينه، لنرى كيف أن نفسه تجاه رزق بن نايل محملة بالحقد والغل، وأنتهز الفرصة وكذب، لقد أطلق القاضي الكذبة وأتهم خضرة بأنها أتت بالطفل من عبد، ويلتقط غانم الكذبة، وهو واحد من أكابر قبيلة بني هلال.
ولكن هل قام بتكذيب القاضي؟ وتجيب خضرة أيضا على هذا السؤال عن خروجها من النجع وفي أعلى الجبل تناجي نفسها وتذكر غانم وتقول:
وروح لغانم وجوله
ده عين الغضب وعيالك
ياللي فعلت للشر كله
رب العرش يتم عيالك
فماذا فعل غانم ، لقد أكد على الكذبة وبررها كما نرى :
جوم غانم جاله
يا قاضي ما تلومش عليها
الشاعر: (شوف غانم يعمل الفتنة ، الفتنة وعرة جوي)
جاله غانم ما تلومش علي
ما جعدتها بلا عيال طالت
وأصل يا قاضي الرازق جاعد حي
يمكن أنها خضرة للعبد مالت
فجال القاضي
جال القاضي يا سلام علي فعل النسا ده يغير الحي
الشاعر (يغير اللحي يعني قال يعني
جال فعل النسا يغير الحي
أمع البعيد والجرايب
يجدر يتحزموا بالحنش حي
ويتعصبوا بالعجارب)
ونرى في هذا المشهد كيف أن الكذبة تتصاعد وتنمو، بلا دليل أو بينه ، ويتصاعد الكذب أكثر وأكثر مع فارس من فرسان بني هلال وهو عزجل أخو رزق، فقد أخذ الكذبة وأراد أن يؤكدها، ويقول:
عزجل جاله يا خوي فين والدك
عيشنا ورأينا العجايب
ده أنت جبت ظفار لبلدك
ده جيباه من عبد جلايب
أة يا عين..
دي جايبه الولد اسمر اللون
لا لونك ولا لون الشريفه
يبجي فين ولدك يا مجنون
ولكن لماذا كذب عزجل وأراد قتل الطفل أبو زيد؟ وهذه المرة نجد الإجابة تاتي من ملك الهلايل، الملك سرحان:
سرحان كان مالك العرايب
سرحان: حلف يمين يا عزجل لتمشي
وتاني ما تبجي في ديواني
جولك عندي ما نفعشي
مدام تعيب فيه في مكاني
جاله امشي يا أبن الردي
أب يمين ما تجعد معانا
مدام تعيب في الوليه
شريفه وعرضها مانه
طرد عزجل الملك سرحان
وجاله يا رزق ما تخلي بالك
عزجل يا رزق كان فيك طمعان
كان طمعا نده في ورث مالك

سادة مجتمع الهلايل كذبه
إن الملك سرحان رأى ما رأى من القاضي فايد، وغانم، وعزجل، وأراد أن يمحو الكذبة، التي بلا دليل فوصف عرض خضرة بالأمانة (شريفه وعرضها مانه)، وهذا توبيخ للقاضي، وغانم، وعزجل، وأراد أن يخبر رزق بأن هذا كله كذب، وأن ما يقال مكيدة، وما فعله أخوك هو لطمعه في مالك.
لقد رأى الملك سرحان ما هو أخطر من ذلك، رأى بعض سادة مجتمع الهلايل كذبة، وهذا تهديد لمجتمع القبيلة ، لقد أتى الكذب من القاضي واتباعه، فانتفض ونحى القاضي جانبا وأصبح هو الذي يحكم في قضية خضرة، وهذا حدث بعد أن تأثر زوجها رزق بالكذب، وأراد أن يفارقها.
وكان حكمه بأن تأخذ نصيبها هي وابنها من مال رزق وأعتبرها منفصلة أو مطلقة، وهنا صان عرض خضرة، ووأد الكذب، وشرفها، وحافظ على مجتمع الهلايل من الكذب الذي فعله القاضي، ولكن لم يستطيع أن يمحو آثار الكذب من نفس رزق أو من نفس خضرة، وأدى هذا إلى انفصالهما مؤقتا، حتى عادت خضرة إلى رزق بعد ذلك إلى القبيلة مع ابنها الفارس أبو زيد.
وبهذا تكون قدمت لنا (السيرة الهلالية) الكذب تمثيلا، وحذرتنا من الكذب وما يجره من خراب داخل المجتمعات، فكثيرا ما نسمع عن مجتمعات دمرها الكذب، وعلاقات انقطعت بسبب الكذب، وبهذا قدم لنا فن التمثيل العربي عبر (السيرة الهلالية) الكذب ليكون تحذيرنا للجماهير ومضرب للأمثال، بصورة تمثيلية بليغة.