من (الجونة) إلى زيوريخ.. شراكة سينمائية مصرية سويسرية ترسم طريقًا جديدًا للسينما العربية

كتب: مروان محمد
في خطوة جديدة تعكس اتساع حضور السينما المصرية والعربية على خريطة المهرجانات الدولية، أعلن مهرجان (الجونة) السينمائي ومهرجان زيوريخ السينمائي إطلاق شراكة استراتيجية تفتح الباب أمام تعاون واسع بين المهرجانين، لا يقتصر على الجوانب الفنية والتنظيمية، وإنما يمتد إلى تبادل الأفلام والمواهب والخبرات، وتعزيز حضور كل منهما داخل المجتمع السينمائي الدولي.
الشراكة الجديدة ستأخذ شكلًا عمليًا سريعًا، من خلال الفيلم الوثائقي الطويل (الدلافين: لقاءات قريبة DOLPHINS – MY CLOSE ENCOUNTERS الذي يشهد عرضه العالمي الأول ضمن الدورة الثانية والعشرين من مهرجان زيوريخ السينمائي، المقرر إقامتها خلال الفترة من 24 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2026.
ثم ينتقل الفيلم إلى مصر ليحصل على عرضه الأول في منطقة الشرق الأوسط ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي، في دورته المقبلة التي تقام من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، وذلك على مسافة قريبة من السواحل التي شهدت بداية رحلة بطلته العلمية.
مهرجانان.. وقارة كاملة بينهما.. القصة هنا أكبر من مجرد تعاون بين مهرجاني، فـ (الجونة) تمثل واحدة من أبرز منصات السينما في مصر والمنطقة، بينما نجح زيوريخ خلال السنوات الماضية في ترسيخ مكانته كواحد من المهرجانات الأوروبية سريعة النمو.

الأفلام تمتلك قدرة استثنائية
ويقول كريستيان يونجن، المدير التنفيذي لمهرجان زيوريخ السينمائي، إن العلاقة مع المهندس سميح ساويرس تعود إلى سنوات، وشهدت خلال الفترة الماضية نقاشات عديدة حول الاستراتيجيات والرؤى، قبل أن تنتقل الآن إلى مستوى جديد من التعاون بين المهرجانين.
ويرى يونجن أن الشراكة يمكن أن تمنح مهرجان (الجونة) إمكانية الوصول إلى المزيد من الأفلام والمواهب، في الوقت الذي يقدم فيه الجونة خبراته ودعمه اللوجستي، إلى جانب إتاحة فهم أعمق للمشهد السينمائي في أفريقيا والشرق الأوسط.
من جانبه، يؤكد المهندس سميح ساويرس، مؤسس مدينة (الجونة) ورئيس مجلس إدارة مهرجان الجونة السينمائي، أن الأفلام تمتلك قدرة استثنائية على تبادل الأفكار وتعزيز التفاهم الثقافي بين الشعوب.
ويرى ساويرس أن المهرجانات السينمائية لا تقتصر وظيفتها على عرض الأفلام، وإنما توفر مساحة يلتقي فيها صناع السينما والجمهور لتبادل الأفكار والتعرف إلى ثقافات وتجارب مختلفة.
ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة بين (الجونة) وزيوريخ يمكن أن تصنع مساحة سينمائية ممتدة بين أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، وتمنح صناع الأفلام فرصة لبناء روابط حقيقية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وخلال السنوات الماضية، نجح مهرجان زيوريخ السينمائي في بناء شبكة قوية من الشراكات الدولية، جعلته واحدًا من أسرع المهرجانات الأوروبية نموًا.
كما اختارته صحيفة (الجارديان) ضمن قائمة أفضل عشرة مهرجانات سينمائية في أوروبا، وأصبح يوصف في كثير من الأحيان بأنه (تورونتو أوروبا) نظرًا لدوره كمنصة للعروض الأوروبية الأولى لعدد من الإنتاجات السينمائية العالمية المهمة.. كما يحتل اليوم موقع ثاني أكبر مهرجان سينمائي في الدول الناطقة بالألمانية.
ومن هنا تأتي أهمية الشراكة بالنسبة لـ (الجونة)، التي تحصل عبر هذا التعاون على نافذة جديدة تجاه شبكة واسعة من الأفلام والمواهب الأوروبية والدولية.
و(الجونة).. ماذا تكسب؟.. في المقابل، تمنح الشراكة مهرجان زيوريخ فرصة أكبر للتواصل مع المشهد السينمائي في الشرق الأوسط وأفريقيا، والوصول إلى مواهب وصناع أفلام يحملون قصصًا وتجارب مختلفة.
ويعلق أندرو محسن، المدير الفني لمهرجان (الجونة) السينمائي، بأن المهرجان عمل طوال عشر سنوات على توفير منصة لصناع الأفلام في المنطقة، ومساعدتهم على التعاون وإنتاج أعمال قادرة على نقل قصصهم إلى العالم.
كما يشير إلى أن المهرجان حرص على توفير فرص للمواهب الصاعدة للتطوير والتواصل مع كبار العاملين في صناعة السينما عالميًا، مؤكدًا أن الشراكة الجديدة مع زيوريخ ستفتح مزيدًا من فرص التعاون والتكامل مع شركاء دوليين.

استخدام الأفلام كسفراء مؤثرين
أما ريتا جويتج، مديرة مهرجان زيوريخ السينمائي، فتضع عنوانًا واضحًا للشراكة: بناء الجسور الثقافية، وترى أن المهرجانات السينمائية تمتلك وظيفة أساسية تتمثل في ربط الأشخاص الذين يؤمنون بقوة السينما، واستخدام الأفلام كسفراء مؤثرين للتبادل الثقافي.
وهو ما يجعل الشراكة الجديدة أكثر من مجرد اتفاق بروتوكولي؛ إذ سيتيح المهرجانان لكل منهما الوصول إلى شبكة الأفلام والمواهب التي يعمل معها الطرف الآخر.
(الدلافين).. أول ثمرة للشراكة.
لكن أجمل ما في الحكاية أن الشراكة لم تبدأ بالكلام.. بل بدأت بفيلم.. ويأتي الفيلم الوثائقي الطويل (الدلافين: لقاءات قريبة)، كأول إنتاج سينمائي يجمع المهرجانين في إطار الشراكة الجديدة.
الفيلم يأخذ المشاهد من زيوريخ إلى البحر الأحمر، عبر قصة إنسانية وعلمية تتمحور حول عالمة الأحياء البحرية السويسرية أنجيلا زيلتنر، التي أمضت سنوات طويلة في دراسة مجموعات الدلافين البرية في مياه البحر الأحمر بمدينة الجونة.
ومن المقرر أن يشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في زيوريخ، قبل أن ينتقل إلى الجونة ليكون عرضه الأول في منطقة الشرق الأوسط.. وهكذا تصبح الرحلة السينمائية للفيلم امتدادًا طبيعيًا لفكرة الشراكة نفسها:
الفيلم من إخراج (بارني ريفيل)، وإنتاج شركة سيلفرباك فيلمز المتخصصة عالميًا في إنتاج أفلام التاريخ الطبيعي، بمشاركة كيث شولي كمنتج تنفيذي، وعلى مدار أكثر من 15 عامًا، رافقت أنجيلا زيلتنر الدلافين البرية في رحلات غوص متواصلة، لتبني تدريجيًا علاقة نادرة مع عالمها.
ما بدأ كبحث علمي تحول مع مرور الوقت إلى رحلة شخصية عميقة، دفعتها إلى الاقتراب أكثر من هذه الكائنات، وطرح سؤال شديد الغرابة: من كان يراقب الآخر حقًا؟.. وهذا السؤال يبدو أنه يمثل قلب الفيلم.. فهو لا يكتفي بمراقبة الدلافين، وإنما يحاول أن يتأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الباحث والكائن الذي يدرسه.

رحلة بين العلم والحدس
(أنجيلا زيلتنر) عالمة أحياء وحياة برية سويسرية وناشطة في مجال الحفاظ على البيئة، وهى مؤسسة ورئيسة تحالف مراقبة الدلافين Dolphin Watch Alliance، وتحظى باعتراف دولي بفضل أبحاثها طويلة الأمد حول الدلافين البرية في شمال البحر الأحمر بمصر.
ويقدم الفيلم رحلتها بين العلم والحدس، وبين الشعاب المرجانية للبحر الأحمر والاكتشافات المتعلقة بسلوك الدلافين، وصولًا إلى العلاقة الاستثنائية التي نشأت بينها وبين أحد أكثر الكائنات ذكاءً وغموضًا على كوكب الأرض.
(شهريار النجوم) يقول:، أحيانًا تبدأ الشراكات الكبرى من فكرة بسيطة: دعنا نفتح الباب للآخر، وهذا بالضبط ما يحدث بين (الجونة) وزيوريخ.. مهرجان مصري يريد أن يأخذ السينما العربية إلى العالم، ومهرجان أوروبي يريد أن يقترب أكثر من سينما الشرق الأوسط وأفريقيا.. والأجمل أن أول من يعبر هذا الجسر ليس مسؤولًا أو بروتوكولًا.. بل فيلم عن الدلافين.
فيلم بدأ حكايته من البحر الأحمر، ثم سيسافر إلى زيوريخ ليعرض عالميًا، قبل أن يعود إلى الجونة في عرضه الأول بالشرق الأوسط.. وكأن البحر نفسه أصبح هذه المرة هو قاعة العرض.
من زيوريخ إلى الجونة.. ومن أوروبا إلى البحر الأحمر.. تبدأ شراكة جديدة، لكن السؤال الحقيقي: كم فيلمًا وكم موهبة ستعبر هذا الجسر بعد (الدلافين؟