

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
حين يُطرح اليوم اقتراح تحويل (أولاد حارتنا) إلى عمل درامي تحت شعار (محاربة الإرهاب)، فإننا لا نواجه اقتراحاً فنياً بريئاً.. نحن أمام محاولة لإعادة تدوير أزمة، ولإحياء قانون فكري كان نجيب محفوظ نفسه أول من تراجع عنه.. فقبل أن نحتفي بالنص، علينا أن نسأل: ما الذي فعله هذا النص بنا؟.. ومن الذي صنع المناخ الذي انتهى إلى السكين في رقبة محفوظ؟
رواية (أولاد حارتنا) تقوم على معادلة واضحة: المعارضة – الأنبياء – المؤمنون، والسلطة – الفتوات – أعداء الدين، وحين يتحول التاريخ كله إلى (حارة) واحدة، وحين تجعل كل الحكام هم الفتوات الطواغيت الذين يجب إسقاطهم، فأنت لا تكتب أدباً.
أنت تكتب مانيفستو سياسي يبيح تكفير الحاكم والخروج عليه، أي جماعة متطرفة تقرأ هذا النص ستخرج بنتيجة واحدة: (نحن أتباع رسل الجبلاوي، وهذا العصر هو عصر الفتوات الظلمة، ولا بد من إسقاطهم)، فأي حديث عن (محاربة الإرهاب) بتحويلها إلى مسلسل هو خداع.. أنت لا تحارب الإرهاب، أنت تعيد بث المادة الخام التي يتغذى عليها.
ولنبدأ بحقيقة بسيطة: أدب نجيب محفوظ أكبر من أن يُحبس في رواية واحدة.. حصره في (أولاد حارتنا) ظلم له ولمشروعه كله، والسؤال الأهم: من المسؤول عن المناخ الذي أدى إلى السكين التي طعنت رقبة نجيب محفوظ في 14 أكتوبر 1994؟

شيطنة عبد الناصر ليل نهار
القراءة الهادئة تقول: الدولة التي انتقدها نجيب بقسوة في (أولاد حارتنا) وفي غيرها، دولة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر، هى نفسها الدولة التي احتضنته.. هى التي جعلته موظفاً كبيراً في وزارة الثقافة، وهى التي حولت رواياته لأفلام، وهى التي لم يجرؤ أحد مواطنيها أن يرفع في وجهه سكيناً رغم قسوة ما كتب.
أما السكين فجاءت في عصر آخر تماماً.. جاءت في عصر كامب ديفيد التي أيدها محفوظ بشدة وهلل لها.. عصر تم فيه شيطنة عبد الناصر ليل نهار، وتم فيه الإفراج عن إرهابيين، وصعدت أصوات تكفيرية إلى المنابر كانت في مواجهة مباشرة مع إرث يوليو. في هذا العصر ظهر من كفّر نجيب وأهدر دمه.
وهنا نصل لنقطة المسؤولية.. نجيب محفوظ شارك في هذا المناخ، حين شنّع على نظام عبد الناصر وظلمه ظلما بيناً، كان يهاجم عبد الناصر بحجة أنه قمع جماعة الإخوان التي كان يراها محفوظ فصيلاً وطنياً، وأثبتت الأيام صحة موقف عبد الناصر منها بعد ثبوت تورطها في العنف ومحاولات الاغتيال.
بهذا التشويه قدّم نجيب، بدون قصد، غطاءً فكرياً للموجة الجديدة.. أعطى شرعية لفكرة أن (الدولة هي العدو الحقيقي)، وأن (المعارضة هي الحق المطلق).
وهذه هي الحقيقة التي يتهرب منها كل مدعي التنوير.. انظر إلى الخريطة: من الذي اتفق على كراهية عبد الناصر وثورة يوليو؟.. المتطرفون الليبراليون الذين رأوا في يوليو قمعاً للحريات، والمتطرفون الإسلاميون الذين رأوا في يوليو محاربة للدين. الاثنان التقيا على هدف واحد: هدم إرث يوليو، والاثنان أنتجا النتيجة ذاتها: مناخ يرى الدولة عدواً، ويرى الكراهية أداة للتغيير.

نجيب محفوظ ليبرالياً متطرفاً
إذن العداء لثورة يوليو ليس مجرد خلاف سياسي.. هو الأصل الفكري للإرهاب في مصر والعالم العربي.. هو البذرة التي نبتت منها كل الجماعات التي مزقتنا.
وما هى التهمة إذن؟.. التهمة هي التعصب الحزبي المتطرف.. كان نجيب محفوظ ليبرالياً متطرفاً إلى أقصى درجة يكره يوليو لأنها حلت حزبه: حزب الوفد الإقطاعي الفاسد، وكان قطب إخوانياً متطرفاً يكرهها لأنها حادت عن الشريعة.. اتفقا على الخصم واختلفا في البديل.. ولأن نجيب يملك أداة الأدب، فقد حوّل قانون قطب التكفيري إلى قانون أدبي عالمي، يحظى بتقدير الغرب المعادي لجمال عبد الناصر.
والقانون إذا خرج من يد صاحبه فهمه البعض حرفاً، فصار فيلم (الكرنك) الذي كتب قصته نجيب مرجعاً للطعن في يوليو.. وصار الإرهابي الذي طعن نجيب في رقبته مقتنعاً بأن الدولة التي أسسها ناصر كافرة يجب ضربها.. وصار من قتلوا السادات يرددون نفس المنطق الذي استخدم للإساءة لعبد الناصر.
لذلك فإن الإصرار اليوم على تحويل (أولاد حارتنا) إلى مسلسل هو اغتيال ثان لنجيب محفوظ.. اغتيال لأنه يختزله من صاحب مشروع روائي ضخم إلى (كاتب الصدام الديني)، ويستخدم اسمه من أجل مشاهدات وإعلانات، بينما يتجاهل وصيته الأخيرة برفض نشر الرواية في مصر إلا بموافقة الأزهر.. ويعيد إنتاج السم نفسه.
تكريم نجيب الحقيقي ليس بإعادته إلى مسرح الجريمة.. تكريمه هو أن نقرأه كاملاً، وأن نتعلم الدرس: حرية الإبداع تحتاج دولة تحميها، ومواجهة التطرف لا تكون بإعادة إنتاج خطابه، ولكن بدفن الجذر الذي صنعه: كراهية يوليو.. من يريد أن يدافع عن نجيب محفوظ حقاً، فليدافع عنه كاملاً.. لا أن يستخدمه مرتين: مرة ليصنع ضجة، ومرة ليدعي البطولة على حساب أمن هذا البلد واستقراره.