رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد الطربيلي يكتب: محمد نوح.. حين غنّت مصر لنفسها (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)!

* حكاية أغنية خرجت من جرح الهزيمة وصارت ذاكرة وطن

محمد الطربيلي يكتب: محمد نوح.. حين غنّت مصر لنفسها (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)!
لكي نفهم سر بقاء (مدد مدد) حتى اليوم، علينا أن نعود إلى اللحظة التي خرجت فيها إلى النور
محمد الطربيلي يكتب: محمد نوح.. حين غنّت مصر لنفسها (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)!
د. محمد الطربيلي

بقلم الدكتور: محمد الطربيلي

بعض الأصوات لا تنتهي عندما يصمت أصحابها، وبعض الأغنيات لا تصبح قديمة مهما مرت عليها السنوات، لأنها ببساطة لم تكن مجرد موسيقى وكلمات، وإنما كانت تعبيرًا صادقًا عن لحظة عاشها الوطن بكل تفاصيلها، ومن هؤلاء الذين تركوا أصواتهم في ذاكرة المصريين الفنان الكبير (محمد نوح).

ذلك الفنان الذي لم يتعامل مع الغناء باعتباره حرفة، وإنما اعتبره رسالة، ولم يرَ المسرح مجرد مكان للوقوف أمام الجمهور، وإنما مساحة يمكن من خلالها أن يقول الإنسان ما يعجز أحيانًا عن قوله بالكلمات العادية.

وفي ذكرى رحيل (محمد نوج)، تستعيد الذاكرة واحدة من أهم الأغنيات الوطنية المصرية: (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)، التي كتب كلماتها الشاعر الكبير إبراهيم رضوان، ولحنها وأداها (محمد نوح)، فالتقت الكلمة الصادقة باللحن والصوت، وخرج من هذا اللقاء عمل فني تجاوز زمنه وأصبح جزءًا من وجدان المصريين.

لكي نفهم سر بقاء (مدد مدد) حتى اليوم، علينا أن نعود إلى اللحظة التي خرجت فيها إلى النور.. ىكانت مصر تعيش واحدة من أقسى لحظاتها بعد هزيمة يونيو 1967.. جرح عسكري وسياسي ونفسي ترك أثره على الشارع المصري، لكن المصريين لم يكونوا شعبًا يعرف الاستسلام.

كان الجيش يعيد بناء نفسه، والمجتمع يستعيد ثقته، والوطن كله يبحث عن طريق الخروج من الانكسار… وفي مثل هذه اللحظات يصبح للفن دور مختلف.. فالفنان لا يستطيع أن يعيد بناء دبابة، ولا أن يحمل السلاح في الجبهة، لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا آخر بالغ الأهمية: أن يعيد بناء الروح.. وهذا بالضبط ما فعلته (مدد مدد).

لم تكن أغنية تحتفل بانتصار تحقق بالفعل، وإنما كانت أغنية تحرض على النهوض، وتقول للمصريين إن الهزيمة ليست نهاية الحكاية.

محمد الطربيلي يكتب: محمد نوح.. حين غنّت مصر لنفسها (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)!
الشاعر الكبير إبراهيم رضوان

شاعر البسطاء والوجدان المصري

عندما نتحدث عن (مدد مدد)، يجب ألا يطغى اسم محمد نوح على اسم صاحب الكلمات.. فالشاعر الكبير إبراهيم رضوان كان شريكًا أساسيًا في صناعة هذه الحالة الفنية.

تميز رضوان بقدرته على الاقتراب من اللغة التي يتحدث بها الناس، دون أن يفقد الشعر جماله أو قيمته.. لم يكن بحاجة إلى الكلمات المعقدة حتى يصنع قصيدة مؤثرة.. كان يعرف أن أعظم الكلمات هي أحيانًا أبسطها.

وكلمة (مدد) وحدها تحمل عالمًا كاملًا من المعاني.. إنها طلب للقوة، واستدعاء للصبر، ورغبة في العبور، ونداء لمن يستطيع أن يمنح الوطن وأهله القدرة على الاستمرار.

ثم تأتي العبارة الأشهر: (شدي حيلك يا بلد).. فتتحول مصر من وطن مجرد إلى كائن حي.. بلد تتعب، لكنها تستطيع أن تقف.. بلد تنزف، لكنها لا تموت.. بلد تنكسر، لكنها لا تنحني، وهنا تكمن قوة الشعر الحقيقي؛ أن يحول المشاعر العامة إلى كلمات يستطيع الجميع أن يرددها وكأنها خرجت من داخلهم.

محمد الطربيلي يكتب: محمد نوح.. حين غنّت مصر لنفسها (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)!
كان يمتلك صوتًا لا يمكن أن تخطئه الأذن، وشخصية فنية شديدة الخصوصية

لم يكن يغني من أجل التصفيق

أما (محمد نوح) فكان حالة فنية مختلفة.. كان يمتلك صوتًا لا يمكن أن تخطئه الأذن، وشخصية فنية شديدة الخصوصية، والأهم من ذلك أنه كان يمتلك إحساسًا عميقًا بالناس.

عندما غنى (مدد مدد)، لم نشعر أننا أمام مطرب يؤدي أغنية وطنية محفوظة.. شعرنا أن هناك مصريًا يقف وسط الناس ويصرخ من قلبه: يا بلد.. قومي.

كان صوته يحمل شيئًا من الشجن وشيئًا من الغضب وشيئًا أكبر من الأمل.. ولذلك وصلت الأغنية إلى الناس.. فالفنان الحقيقي لا يغني الكلمات فقط، وإنما يمنحها من روحه.. وهذا ما فعله (محمد نوح).

(محمد نوح) لم يكن مجرد مطرب.. كان موسيقارًا وممثلًا وصاحب تجربة مسرحية وثقافية، وكان مؤمنًا بأن الفن يمكن أن يكون قريبًا من الشارع، وأن الأغنية تستطيع أن تتحول إلى رسالة عندما يكون المجتمع في حاجة إليها.

لم يكن يبحث عن أغنية تنتهي بانتهاء التصفيق.. كان يبحث عن أغنية تترك أثرًا.. ولهذا بقيت أعماله.. لأن الفن الذي يُصنع من أجل اللحظة يموت بانتهاء اللحظة، أما الفن الذي يُصنع من أجل الإنسان فيعيش مع الإنسان.

والأجمل في (مدد مدد) أنها لم تتوقف عند حدود اللحظة التي ولدت فيها.. ومع انتصار أكتوبر 1973، اكتسبت الأغنية معنى جديدًا.. فالكلمات التي كانت في البداية تحريضًا على الصمود أصبحت جزءًا من ذاكرة الانتصار.

وهنا حدثت المفارقة الجميلة: الأغنية التي خرجت من زمن الانكسار أصبحت من أصوات زمن العبور.. وهذا يؤكد أن الأغنية الوطنية العظيمة لا ترتبط فقط بحدث، وإنما ترتبط بمشاعر أمة كاملة.

لماذا بقيت (مدد مدد)؟.. لأنها لم تكن كذبة فنية.. لم تتجاهل الألم.. لم تقل إن كل شيء جميل.. بل اعترفت بأن هناك تعبًا وجرحًا وهزيمة، ثم قدمت العلاج: الإرادة.. وهذا هو سر خلودها.

فالمصري عندما يسمع (شدي حيلك يا بلد) لا يسمع كلمات شاعر فقط، وإنما يسمع شيئًا من تاريخه.. يتذكر أيامًا صعبة.. ويتذكر جنودًا حملوا أرواحهم على أكتافهم.. ويتذكر أمًا كانت تنتظر ابنها.. ويتذكر وطنًا استطاع أن يقوم بعد أن ظن البعض أنه لن يقوم.

محمد الطربيلي يكتب: محمد نوح.. حين غنّت مصر لنفسها (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد)!
(محمد نوح).. حاضر رغم الغياب.. في ذكرى (محمد نوح)، لا نحتاج إلى رثاء طويل

ثلاثة أبطال في أغنية واحدة

وربما يمكن اختصار حكاية (مدد مدد) في ثلاثة أسماء: إبراهيم رضوان.. صاحب الكلمة.. (محمد نوح).. صاحب اللحن والصوت.. ومصر.. صاحبة الحكاية.

الأول كتب.. والثاني غنى ولحن… أما الثالثة فكانت الملهمة والحاضرة في كل كلمة ونغمة.. ولهذا لم تعد الأغنية ملكًا لصانعيها فقط.. أصبحت ملكًا للذاكرة المصرية.

(محمد نوح).. حاضر رغم الغياب.. في ذكرى (محمد نوح)، لا نحتاج إلى رثاء طويل.

الفنانون الحقيقيون لا يحتاجون إلى من يرثيهم.. يكفي أن نسمع أعمالهم.. يكفي أن يعود صوتهم إلى آذاننا.. يكفي أن نكتشف، بعد كل هذه السنوات، أن هناك أغنية ما زالت قادرة على تحريك المشاعر نفسها.. وهذا هو الخلود الحقيقي.

أن يرحل الإنسان، ويبقى صوته.. أن يغيب الجسد، وتظل الروح حاضرة في لحن.

أن تتغير الأجيال، وتظل الكلمات قادرة على الوصول إليها.

رحم الله محمد نوح، صاحب الصوت المختلف والمشروع الفني الذي لم يكن مجرد غناء.. وتحية تقدير للشاعر الكبير إبراهيم رضوان، الذي منح مصر كلمات أصبحت جزءًا من ذاكرتها.

وفي النهاية، ربما لا توجد جملة تختصر الحكاية كلها مثل تلك الكلمات التي ما زالت تعبر الزمن: (مدد مدد.. شدي حيلك يا بلد).. ليست مجرد أغنية وطنية.. إنها حكاية شعب رفض أن تكون الهزيمة آخر سطر في كتابه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.