رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(حوار مع البحر).. حين تفتش السينما الفلسطينية عن ابن غاب في أعماق الذاكرة

(حوار مع البحر).. حين تفتش السينما الفلسطينية عن ابن غاب في أعماق الذاكرة
فيلم (حوار مع البحر)، يشهد عرضه العالمي الأول ضمن قسم Spotlight  في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا

كتب: محمد حبوشة

من قلب القدس، ومن حكاية فلسطينية تبدو في ظاهرها شخصية، لكنها تحمل في داخلها أسئلة أكبر عن الذاكرة والغياب والهوية، يستعد المخرج الفلسطيني مؤيد عليان لفتح نافذة جديدة على السينما الفلسطينية من خلال فيلمه الروائي الجديد (حوار مع البحر) الذي اختار له مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي محطته العالمية الأولى، قبل أن ينتقل إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في عرضه الأول بأمريكا الشمالية.

فيلم (حوار مع البحر)، الذي يشهد عرضه العالمي الأول ضمن قسم Spotlight  في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا، المقرر إقامتها خلال الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر، يواصل رحلته إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، حيث يعرض ضمن قسم Centerpiece  في دورته الحادية والخمسين، خلال الفترة من 10 إلى 20 سبتمبر.

ولا تأتي أهمية هذه المشاركة من كونها محطة مهرجانية جديدة في مسيرة عليان فقط، وإنما لأنها تضيف فصلًا جديدًا إلى حضور السينما الفلسطينية في أهم المحافل السينمائية العالمية، تلك السينما التي استطاعت على مدار عقود أن تجعل من الحكاية الشخصية مدخلًا لطرح أسئلة تتجاوز حدود المكان، لتصبح الذاكرة والمنفى والهوية والفقدان والبحث عن الحقيقة موضوعات إنسانية قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي.

يأخذنا (حوار مع البحر) إلى القدس، حيث يعيش كمال، رجل فلسطيني يبلغ من العمر 60 عامًا، قبل أن تنقلب حياته بسبب أمر صادر عن محكمة إسرائيلية يلزمه بسداد مبلغ مالي كبير للتأمين الوطني، باعتبار أن ابنه وائل مدين بهذا المبلغ، لكن المفاجأة أن كمال يعرف أن ابنه مات غرقًا في البحر الأحمر قبل عقود.

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.. فحين يحاول كمال إثبات وفاة ابنه، يكتشف أن السلطات لا تمتلك أي سجل رسمي يثبت أن وائل قد مات أصلًا.. ومن هذه الثغرة البيروقراطية الصغيرة تنفتح أمام الرجل أبواب رحلة أكبر بكثير من مجرد البحث عن وثيقة.

(حوار مع البحر).. حين تفتش السينما الفلسطينية عن ابن غاب في أعماق الذاكرة
الفيلم لا يبدو معنيًا فقط بالبحث عن شخص مفقود، وإنما بالبحث عن الحقيقة نفسها

نقطة درامية شديدة الذكاء

يبدأ كمال في تتبع الخيط الوحيد المتبقي أمامه، محاولًا معرفة الحقيقة: ماذا حدث لوائل؟ وكيف يمكن لشخص أن يموت في ذاكرة أسرته، بينما تظل الدولة عاجزة عن الاعتراف بموته؟

إنها نقطة درامية شديدة الذكاء، لأن الفيلم لا يبدو معنيًا فقط بالبحث عن شخص مفقود، وإنما بالبحث عن الحقيقة نفسها، وعن معنى أن تظل حياة إنسان معلقة بين الذاكرة والوثيقة، وبين ما يعرفه أهله وما تعترف به المؤسسات.

يحمل (حوار مع البحر) أهمية خاصة في مسيرة مؤيد عليان، كما يمثل التعاون الرابع بينه وبين شركة MAD، بعد تجارب سينمائية سابقة هي (الحب والسرقة ومشاكل أخرى) و(التقارير حول سارة وسليم، وبيت في القدس).

وحصلت شركة MAD World  التابعة لـ MAD Solutions  على حقوق توزيع الفيلم عالميًا، بينما تتولى MAD Distribution  توزيعه في العالم العربي، وتتكفل MAD World  بالمبيعات في بقية أنحاء العالم، باستثناء بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.

ويضم فيلم (حوار مع البحر) في بطولته مجموعة من أبرز الأسماء، في مقدمتهم كامل الباشا، عامر حليحل، بهيرة العباسي، ماريا زريق، ربى بلال، وهيثم العمري، أما خلف الكاميرا، فيتولى مؤيد عليان الإخراج والتأليف والإنتاج إلى جانب شقيقه رامي عليان، بينما تولى لورينزو كاساديو فانوتشي مدير التصوير، والمونتاج لـ ماتيو فاسيندا، والصوت لـ محمد شالودي، والموسيقى لـ فابيان فان إيك.

فيلم (حوار مع البحر) إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا والمملكة العربية السعودية وقطر، من إنتاج PalCine Productions، بمشاركة KeyFilm  وصندوق البحر الأحمر وMetafora Production، وحصل على دعم من صندوق هوبرت بالس، وصندوق هولندا للأفلام، وصندوق البحر الأحمر، ومؤسسة الدوحة للأفلام.

ليس (حوار مع البحر) التجربة الأولى لمؤيد عليان مع المهرجانات الكبرى، فالمخرج والكاتب والمنتج الفلسطيني استطاع خلال السنوات الماضية أن يبني لنفسه مسارًا سينمائيًا خاصًا، ينطلق من البيئة الفلسطينية لكنه لا يغلق حكاياته داخل حدودها.

فيلمه الروائي الطويل الأول (الحب والسرقة ومشاكل أخرى) عام 2015، شهد عرضه العالمي الأول في قسم بانوراما بمهرجان برلين السينمائي الدولي.

(حوار مع البحر).. حين تفتش السينما الفلسطينية عن ابن غاب في أعماق الذاكرة

(حوار مع البحر).. حين تفتش السينما الفلسطينية عن ابن غاب في أعماق الذاكرة
فيلم (التقارير حول سارة وسليم) عام 2018، حقق حضورًا لافتًا في مهرجان روتردام السينمائي الدولي

التقارير حول سارة وسليم

ثم جاء فيلم (التقارير حول سارة وسليم) عام 2018، ليحقق حضورًا لافتًا في مهرجان روتردام السينمائي الدولي، حيث حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة جمهور (هوبرت بالس)، إلى جانب حصوله على جوائز أخرى في مهرجانات سياتل وديربان، ووصوله إلى أكثر من خمسين منطقة حول العالم.

أما فيلمه (بيت في القدس) عام 2023، فقد شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان روتردام، وحصل على اهتمام دولي واسع، كما استحوذت منصة نتفليكس على حقوق عرضه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبذلك يبدو (حوار مع البحر) امتدادًا لمسار واضح في تجربة عليان: سينما فلسطينية تحمل خصوصية المكان، لكنها تبحث دائمًا عن سؤال إنساني يستطيع العبور إلى ما وراء الجغرافيا.

يبدو أن السينما الفلسطينية.. من الحكاية المحلية إلى المنصة العالمية، فخلال العقود الأخيرة، أثبتت السينما الفلسطينية أن الفيلم يمكن أن يكون أكثر من مجرد وسيلة للترفيه أو تسجيل الأحداث.

ففي ظل تعقيدات الواقع الفلسطيني، تحولت السينما إلى مساحة لحفظ الذاكرة، وإعادة صياغة الحكاية، وتقديم الشخصيات الفلسطينية بعيدًا عن الصورة النمطية التي كثيرًا ما فرضتها التغطيات السياسية والإخبارية.

ومن هنا جاءت أهمية أفلام فلسطينية عديدة استطاعت الوصول إلى برلين وكان وروتردام والبندقية وتورنتو وغيرها من المهرجانات العالمية، لتؤكد أن السينما الفلسطينية لا تعيش فقط على موضوع القضية، وإنما تمتلك أيضًا مخرجين وكتابًا وممثلين وفنيين قادرين على بناء أفلام ذات قيمة فنية وجمالية.

وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة مؤيد عليان لافتة؛ فهو لا يتعامل مع فلسطين باعتبارها عنوانًا سياسيًا جاهزًا، وإنما باعتبارها فضاءً بشريًا يعيش فيه أشخاص لديهم الحب والخوف والفقدان والسخرية والأمل والأسئلة اليومية.

وفي (حوار مع البحر) يبدو السؤال أكثر إنسانية من أي خطاب مباشر: ماذا يحدث عندما يصبح إثبات موت شخص أصعب من البحث عن حياته؟

البحر.. الشاهد الغائب.. يحمل عنوان الفيلم نفسه دلالة شديدة الخصوصية، فـ (حوار مع البحر) ليس مجرد عنوان شاعري، فالدراما تبدأ أصلًا من غرق وائل في البحر الأحمر، ومن محاولة الأب فهم ما حدث لابنه.

(حوار مع البحر).. حين تفتش السينما الفلسطينية عن ابن غاب في أعماق الذاكرة
هنا يمكن أن يتحول إلى شخصية غير مرئية في الحكاية؛ شاهد على غياب الابن

شخصية غير مرئية في الحكاية

البحر هنا يمكن أن يتحول إلى شخصية غير مرئية في الحكاية؛ شاهد على غياب الابن، وحارس لسر لا يستطيع الأب الوصول إليه، ومساحة فاصلة بين الحقيقة والشك.

وكلما تقدم كمال في رحلته، يبدو أنه لا يبحث فقط عن وائل، بل عن حقه في معرفة الحقيقة، وعن حق ابنه في أن تكون له نهاية واضحة في سجلات العالم، لا أن يبقى عالقًا بين حياة لا تعترف بها المؤسسات وموت لا تملك وثيقته.

وهنا يمكن للسينما أن تفعل ما تجيده أكثر من أي وسيلة أخرى: أن تحول القضية الكبيرة إلى وجه إنسان واحد، وأن تجعل المشاهد يرى القضية من خلال أب يبحث عن ابنه.

اختيار فينيسيا ليكون محطة العرض العالمي الأول للفيلم يمنحه بداية قوية في رحلته الدولية، قبل أن ينتقل إلى تورنتو، أحد أهم المهرجانات السينمائية في أمريكا الشمالية.

وبين البحر الأحمر والقدس وفينيسيا وتورنتو، يبدو أن رحلة (حوار مع البحر) الحقيقية لا تتعلق فقط بمصير وائل، وإنما برحلة الحكاية الفلسطينية نفسها؛ حكاية تبحث عن طريقها إلى العالم من خلال لغة السينما.

وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما في الفيلم أن سؤال كمال لا يبدو فلسطينيًا فقط.. إنه سؤال كل أب فقد ابنًا، وكل عائلة تبحث عن حقيقة غائبة، وكل إنسان يريد أن يعرف أين تنتهي الحكاية عندما يرفض الواقع أن يمنحه إجابة.. وهنا تكمن قوة السينما الفلسطينية: أن تبدأ من جرح محلي، ثم تكتشف أن العالم كله يعرف الألم نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.