رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود حسونة يكتب: (الإعلام).. من البحث عن الحقيقة إلى السمسرة في آلام الناس!

محمود حسونة يكتب: (الإعلام).. من البحث عن الحقيقة إلى السمسرة في آلام الناس!
محمد الغيطي

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة

لم يعد الخلل الذي أصاب بعض (الإعلام) المصري مجرد انزلاق عابر إلى الإثارة أو تراجع في الذوق، بل صار انقلابًا في جوهر المهنة نفسها.. فـ (الإعلام) الذي يفترض أن يبحث عن الحقيقة، ويدقق في الوقائع، ويحترم عقول الناس وكرامتهم، تحوّل عند بعض مقدميه إلى سباق وقح على اصطياد الترند وركوبه على حساب قيمنا وكرامة وسمعة البعض منا وبشكل خاص المستضعفين في الوطن.

لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ ما المعلومة؟ ما الذي يستحق أن يعرفه الناس؟.. بل صار السؤال: ما الجملة التي تشعل السوشيال ميديا؟.. ما العبارة التي تثير الغضب والاستفزاز؟ ما الفقرة التي تجعل اسم المذيع متداولًا ولو على حساب أسرة مكلومة أو ضحية مسحوقة أو ميت لم يكد يُدفن؟

 المأساة الحقيقية هي أن يتحول الإعلامي من باحث عن الحقيقة إلى صياد انتباه ومثير جدل وباعث نميمة، أن تصبح الكاميرا أداة للضجيج لا للمعرفة.. أن تتحول المأساة إلى مادة خام، والدموع إلى ديكور، والخصوصية إلى سلعة، والموت إلى فرصة.

هنا لا يعود الإعلام سلطة رقابية على المجتمع، بل يتحول إلى سلطة اعتداء على أهله وناسه وأمانه واستقراره؛ يجرح باسم الجرأة، ويقتحم باسم الصراحة، ويشوّه باسم (الأسئلة الصعبة)، بينما هو في الحقيقة لا يفعل أكثر من ركوب الترند فوق أكتاف الناس.

من أوضح النماذج على هذا الانحدار ما قاله محمد الغيطي عن الفنان الراحل عبدالعزيز مخيون.. فبدل أن يقف الحديث عند رحيل إنسان له تاريخه، وعند حق عائلته ومحبيه في الحزن بعيدًا عن العبث.

نبش الغيطي في تاريخ الرجل وعاد عقوداً إلى الوراء وحكى ما لاينبغي حكيه  من أمور شخصية وخاصة تتعلق بزوجته السابقة، وبحياته وبحكايات لا تفيد ولكنها تضر وتؤذي وتفضح وتحرح، اقتحام فظ لحرمة الفقد وإيذاء مجاني لأسرة.

محمود حسونة يكتب: (الإعلام).. من البحث عن الحقيقة إلى السمسرة في آلام الناس!
واقعة أثارت غضبًا واسعًا، حين جاء تعليق (شريف عامر) على حادث هدير (بائعة الشاي)

غضب جماهيري وفني واسع

لم تكن تحتاج بعد الموت إلى من يفتش في حياتها على الهواء ليركب التريند ويثير غضباً جماهيريا وفنياً واسعاً، مما دفع نقابة المهن التمثيلية للتدخل والتقدم بشكوى ضده للمجلس الأعلى لـ (الإعلام) الذي اتخذ اجراءات ضد القناة والإعلامي.. المشكلة ليست فقط في صحة الكلام أو خطئه، بل في منطق الكلام نفسه.. فليس كل ما يعرف يقال. ما الذي يدفع إعلاميًا إلى تحويل وفاة فنان إلى مناسبة لنبش أمور عائلية وشخصية؟

ما القيمة المهنية من جرّ زوجة سابقة لفنان رحل عن دنيانا إلى دائرة من القيل والقال لا تضيف شيئًا إلى وعي الجمهور، لكنها تضيف الكثير إلى وجع الأسرة والكثير إلى صورة الإعلام المهزوزة فعلياً؟ الحقيقة أن ما جرى لم يكن بحثًا عن حقيقة، بل بحثًا عن ضجة.

وفي واقعة أخرى أثارت غضبًا واسعًا، جاء تعليق (شريف عامر) على حادث هدير (بائعة الشاي) ليكشف وجهًا آخر من الأزمة. ففي ذروة التعاطف الشعبي مع فتاة بسيطة دهستها سيارة يقودها مراهقيْن مستهتريْن، قال عامر أن مكان عربة الشاي (يعرضها ويعرض مستخدميها للخطر)، بالتوازي مع تحميل  الفتاة السائقة مسؤولية السرعة ومخالفة قواعد السلامة.

قد يبدو ذلك للبعض تحليلًا مروريًا، لكن الأزمة أن بعض الخطاب الإعلامي ينسى الفارق بين التحليل وبين تجريد المأساة من بعدها الإنساني.. حين تكون أمام ضحية من الفقراء، فإن أول ما ينتظره الناس من الإعلامي ليس أن يفتش فورًا عن نصيبها من الخطأ، بل أن يدرك حساسية اللحظة.

لأن الحديث عن (المكان الغلط) في ذروة الغضب على دهس فتاة فقيرة لا يبدو مجرد ملاحظة بريئة، بل يبدو كأنه توزيع بارد للمسؤولية فوق جسد الضحية نفسها، ولو تقبلنا منطق شريف عامر سيتم دهس كل من يسترزقون في أماكن غلط في شوارع وميادين المدن المصرية وما أكثرهم بذلاً من توعيتهم أو منعهم وتطبيق القانون عليهم لا دهسهم .

( ريهام سعيد) تكاد تكون عنوانًا لمدرسة كاملة في الإعلام القائم على استثمار المأساة. في هذا النوع من البرامج لا تكون القضية هي القضية، بل تكون المعاناة خامة درامية: دموع، اقتحام للخصوصية، خطاب مشحون بالاستعراض، ثم حلقة جديدة. والمشكلة في هذا النموذج أنه لا يكتفي بإيذاء الأشخاص الذين يمرون أمامه.

بل يرسّخ فكرة خطيرة: أن وجع الناس يمكن أن يتحول إلى فرجة، وأن المذيع يستطيع أن يدّعي التعاطف وهو في الوقت نفسه يعرض الضحية كأنها مادة استهلاكية.

محمود حسونة يكتب: (الإعلام).. من البحث عن الحقيقة إلى السمسرة في آلام الناس!
عمرو أديب

ليست المشكلة في الموهبة أو الحضور

وفي قلب مناخ (الإعلام) يقف نموذج (المذيع النجم) الذي يبتلع فيه حضور المقدم الحدث نفسه، وهنا يبرز اسم (عمرو أديب) ليست المشكلة في الموهبة أو الحضور، بل في اللحظة التي يتحول فيها البرنامج إلى مسرح للأنا، وتغدو القضية مجرد خلفية لأداء المذيع، لا العكس.. ومع الوقت تصبح الجملة الصادمة جزءًا من هوية البرنامج، ويغدو (الترند) غاية قائمة بذاتها.

ولا تكتمل الصورة من دون التوقف عند تامر أمين، بوصفه مثالًا واضحًا على كيف يمكن للإعلام المنفلت أن يتحول إلى إهانة جماعية لفئات اجتماعية كاملة.. تصريحاته عن أهل الصعيد والريف لم تكن مجرد زلة لسان، بل نموذجًا على خطاب يلهث خلف الإثارة ولو على حساب كرامة الناس.

ويطلق أحكامًا فجة على جماعات كاملة ثم يتوقع أن تمر المسألة عابرة. هنا يصبح الإعلام لا وسيلة لرفع وعي المجتمع، بل أداة لإهانته من أجل المشاهدة.

لكن الأزمة ليست في الأسماء وحدها، بل في منظومة كاملة من (الإعلام) تكافئ الضجيج وتعاقب الرصانة.. القناة تعرف ما يقال، وفريق الإعداد يعرف ما يُحضَّر، وغرفة التحرير تعرف متى تنزلق الفقرة من النقاش إلى التشهير، ومع ذلك يُفتح الهواء، لأن السوق الإعلامية اكتشفت منذ سنوات أن الوقاحة مربحة، وأن اقتحام الحياة الخاصة يجلب تفاعلًا أكثر من أي تحقيق مهني محترم.

إذا كانت الشاشات تُستباح عليها حياة الأسر، ويُجرّ متوفون إلى حفلات نبش، وتُلقى على ضحايا فقراء بعض تبعات ما جرى لهم، فإن السؤال لا يجب أن يوجَّه فقط إلى المذيع، بل إلى الجهة المنظمة للعمل الإعلامي أيضا، هل تقوم بدورها فعلًا أم أن الصلاحيات موجودة على الورق فقط؟

المجتمع لا يحتاج إلى مذيع يصرخ أكثر، بل إلى من يعرف وزن الكلمة.. لا يحتاج إلى من يركب فوق جنازة ليحصد الترند، ولا إلى من يفتش في حياة زوجة سابقة على الهواء، ولا إلى من يوزع اللوم على ضحية فقيرة قبل أن يجف دمها، ولا إلى من يهين بيئات اجتماعية كاملة ليصنع جملة متداولة.

لقد صار ضروريًا أن تُقال الحقيقة بلا مواربة: بعض ما يُقدَّم اليوم باسم الإعلام ليس إعلامًا أصلًا، بل تجارة في السمعة، وابتزازًا عاطفيًا، وتشهيرًا مغلفًا ببدلة وربطة عنق، وسمسرة في الألم الإنساني تحت لافتات الجرأة والصراحة. وما لم يُكسر هذا المنطق، وما لم تُحاسَب الشاشات التي تسمح به، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: ضحية جديدة، وفقرة جديدة، وغضب جديد، ثم لا شيء يتغير.

وعندها لن يكون السؤال: لماذا فقد الناس ثقتهم في بعض الإعلاميين؟ بل سيكون السؤال الأشد قسوة: كيف سمحنا أصلًا بأن تتحول بعض الشاشات المصرية من منابر للمعرفة إلى مقاصل علنية للكرامة، ومن مهنة للبحث عن الحقيقة إلى مهنة لبيع الجرح على الهواء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.