

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
صدرت أحكام قضائية متتالية ضد عدد من مؤدي المهرجانات ومؤدي الراب. المحكمة الاقتصادية قضت بحبس مؤدي المهرجانات (إسلام كابونجا) 6 أشهر، وحكمت على مؤدي الراب مروان بابلو بالحبس سنة وتغريمه 100 ألف جنيه، فيما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على مؤدي المهرجانات شواحة لعدم حصوله على التصاريح اللازمة، وذلك في غيبة وعي من جانب (الإعلام).
التهم واحدة: التحريض على الفسق والفجور، هدم القيم، والمتاجرة بالانحدار.. وأمام وضوح الوقائع واكتمال أركانها، كان المفترض أن تتحول هذه الأحكام إلى محطة فارقة في مسار ضبط مشهد (الإعلام)، فالقضية هنا ليست خلافاً على ذائقة، بل تجاوزاً صريحاً لخط أحمر يمس أمن الشارع وسلامة الوعي الجمعي.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان صمتاً لافتاً، وتغاضياً غير مفهوم من جانب من يفترض أن يكون حارس الوعي الأول: (الإعلام).
هذا الصمت لا يمكن تفسيره على أنه حياد مهني، فـ (الإعلام) الذي يملك أدوات التضخيم والتحليل لأدنى واقعة، لا يمكن أن يغفل عن أحكام قضائية تمس سلوك جيل بأكمله. إن غياب التغطية والمناقشة هنا يتحول من إغفال إلى تواطؤ ضمني.
فالتغطية ليست ترفاً، بل جزء أصيل من العقوبة ذاتها.. الردع لا يكتمل بالحكم وحده، بل بإعلانه وتفكيكه أمام الرأي العام، حتى تصل الرسالة لكل من يفكر في المتاجرة بالانحراف.. لكن بغياب الإعلام عن المشهد، ضاعت الرسالة، وضاع معها أثر الردع، وكأننا نقول لكل من تسول له نفسه: افعل ما شئت، فلا أحد سيتحدث عنك.
وإذا كان (الإعلام) شريكاً بالصمت، فإن الخطر الأكبر يكمن عند الذين صنعوا لهذا القبح منبراً وشرعية.. إنهم أولئك الذين يطلقون على أنفسهم (نقاداً) ويتصدرون المشهد كلما حاول أحد وضع ضابط أو معيار. هؤلاء هم من منحوا البلطجة شهادة ميلاد فنية تحت اسم حرية الإبداع، وأقنعوا هؤلاء المؤدين ومن على شاكلتهم أن ما يقدمونه فن يستحق الدفاع عنه.

معركة هاني شاكر
وهنا نستدعي ذكرى الراحل (هاني شاكر)، الرجل الذي خاض معركة لم تكن سهلة، ولم تكن مع المؤدين وحدهم، بل كانت معركة ضد هؤلاء النقاد أنفسهم. هو من وقف في وجه الفوضى حين كانت في بداياتها، وحاول أن يضع حداً للانحدار قبل أن يستفحل. لكنه لم يجد من يقف بجواره.
هاجموه، وشككوا في نواياه، واتهموه بالرجعية، وزهقوه حتى ترك مقعده في النقابة مثقلاً بالخذلان. لم يوفروا له الحماية، بل تركوه وحيداً يواجه طوفاناً من القبح كانوا هم أول من شرعن له.
واليوم، وبعد هذه الأحكام المتتالية، يمكننا أن نقولها بوضوح: هذا هو رد الاعتبار المتأخر للراحل هاني شاكر في قبره.. هو إعلان بأن ما حذر منه كان حقاً، وأن ما دافع عنه كان هو الصواب بعينه.
فلو كان هؤلاء النقاد وقفوا معه يوماً، لما وصلنا إلى ما نحن فيه.. ولو أدوا واجبهم كحراس للذائقة، لما تجرأ عيل صايع على أن يجعل من كلمات مثل “سنجة، مطواة، مزة، أخصامي، هدوس على وشكم” مادة للاستهلاك اليومي.
والعدل يقتضي أن يقف هؤلاء النقاد معهم في نفس القفص، وأن يدخلوا ذات الحبس الذي دخلوه، لأنهم هم من مهدوا لهم الطريق، وهم من برروا لهم الفعل، وهم من حولوا المنبر الثقافي إلى غرفة دفاع عن الانحدار.
الفن بريء من هذا العبث، والذائقة السليمة بريئة، والشباب بريء من أن يسقى يومياً جرعات تمجد البلطجة تحت لافتة الواقعية الزائفة.. فالواقعية لا تعني نقل القبح كما هو، بل تعني معالجته والارتقاء عليه.
صدرت الأحكام، وهذه خطوة في طريق الاستقامة.. لكن الطريق لن يستقيم إلا إذا كسر الإعلام حاجز الصمت، وإلا إذا استعاد الناقد وظيفته كميزان للمجتمع.. فإما أن يعودوا حراساً للذوق، أو يعترفوا أنهم شركاء في الجريمة.. والتاريخ لن يرحم المتواطئين.