في مئوية (رشدي أباظة)، (شهريار النجوم) يطالب بتكريمه في المهرجانات السينمائية



بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
هل تصدق أن (دنجوان) السينما المصرية (رشدي أباظة)، الذي نحتفي هذه الأيام بمرور مئة عام على ميلاده، والذي عاش في وجدان الجمهور أكثر من نصف قرن حيًا وميتًا، لم يحظَ حتى الآن بالتكريم الذي يليق بقيمته الفنية، ولا بمكانته الاستثنائية في تاريخ السينما المصرية والعربية؟!
السؤال يبدو صادمًا، خصوصًا عندما نتحدث عن نجم بحجم (رشدي أباظة)، ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد ممثل وسيم أو (فتى أول) لمع اسمه في زمن الأبيض والأسود، وإنما كان حالة جماهيرية وفنية كاملة، استطاعت أن تعبر الزمن، وأن تبقى حاضرة في ذاكرة أجيال لم تعاصره أصلًا.
فمنذ ظهوره الأول، امتلك (رشدي أباظة) ذلك السحر النادر الذي لا يمكن صناعته أو افتعاله، كان صاحب كاريزما استثنائية، وحضور طاغٍ، وابتسامة قادرة على اختصار كثير من الكلمات، وصوت مميز يملك إيقاعًا خاصًا، خصوصًا عندما يتحدث بسرعة أو يهمس، وكأنه يعرف جيدًا كيف يستخدم صوته وحضوره في صناعة شخصية لا تنسى.
لكن وسامة (رشدي أباظة) لم تكن وحدها سر بقائه، فلو كانت الوسامة كافية لصناعة النجوم، لامتلأت السينما بمئات الدنجوانات الذين اختفوا بمجرد أن تغيرت الموضة وتبدلت ملامح الزمن، أما (رشدي أباظة)، فقد امتلك شيئًا أبعد من جمال الوجه والجسد؛ امتلك (كاريزما) صنعت له عالمًا خاصًا، وجعلت الجمهور يتعامل معه باعتباره رمزًا لصورة معينة من الرجولة.
صورة ارتبطت بالثقة بالنفس، والأناقة، وخفة الظل، والجرأة، والقدرة على المغامرة، لقد كان (رشدي أباظة) ابن زمنه، لكنه في الوقت نفسه تجاوز زمنه.


سؤال للمسئولين عن المهرجانات
مئة عام مرت على ميلاد (رشدي أباطة) 3 أغسطس 1926، و46 عامًا على رحيله في 27 يوليو 1980، ولا يزال اسمه حاضرًا في ذاكرة الجمهور، أفلامه تعرض باستمرار، وصوره تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاهده يعاد تداولها، وشخصياته ما زالت قادرة على جذب المشاهد، رغم تغير الذائقة الفنية وتبدل شكل النجم العربي.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في مئويته هو: أين التكريم الذي يليق بـ (رشدي أباظة)؟.. أين الاحتفاء الحقيقي بفنان قدم للسينما المصرية واحدًا من أطول وأغنى مشاوير النجومية؟!، وأين الدراسات والندوات والبرامج الاستعادية التي تعيد قراءة تجربته بعيدًا عن الصورة النمطية التي اختزلته في لقب (الدنجوان)؟
فالمهرجانات السينمائية المصرية والعربية، لا ينبغي أن تكون مجرد منصات لاستضافة النجوم الحاليين، أو الاحتفاء بالأفلام الجديدة، وإنما يجب أن تكون أيضًا مساحة لإعادة اكتشاف تاريخ السينما.
وتقديم رموزها للأجيال الجديدة، خصوصًا أولئك الذين تحولوا إلى علامات فارقة في وجدان الناس، و(رشدي أباظة) واحد من أهم هؤلاء، وليس مجرد اسم في قائمة النجوم، بل هو جزء من الذاكرة البصرية والوجدانية للمصريين والعرب.
لقد عاش في القلوب أكثر مما عاش على منصات التكريم، لكن هذا لا يعفي المهرجانات من مسؤوليتها، فالجمهور هو الذي صنع نجومية (رشدي أباظة)، لكنه يستحق من المؤسسات الثقافية أن تعيد تقديم هذا النجم بصورة أكثر عمقًا، بعيدًا عن اختزاله في لقب (الدنجوان).


الدنجوان الذي أصبح أسطورة
(رشدي أباظة) ممثل قدم عشرات الشخصيات المختلفة، واستطاع أن يتحرك بين الكوميديا، والرومانسية، والأكشن، والدراما الاجتماعية والسياسية والتاريخية، فلم يكن أسير شخصية واحدة كما قد يتصور البعض، وإنما كان قادرًا على ارتداء أقنعة متعددة، وإن ظلت شخصيته الحقيقية تطل من خلف كل دور.
وهنا تكمن إحدى مفارقات تجربته، فالممثل الذي كان قادرًا على لعب أدوار متعددة ظل الجمهور يراه دائمًا في صورة (رشدي أباظة)، لأن حضوره كان أقوى من الشخصية التي يؤديها أحيانًا، وهذه ليست بالضرورة نقطة ضعف، كما يراها البعض، وإنما هي إحدى خصائص النجومية التي لا يمتلكها سوى عدد محدود من الفنانين.



بين التمثيل والكاريزما
ربما يرى بعض النقاد أن (رشدي أباظة) لم يكن ممثلًا من أصحاب المدارس الأدائية الثقيلة، وأنه لم يمتلك التنوع النفسي الذي امتلكه بعض أبناء جيله، لكنه في المقابل كان صاحب موهبة من نوع آخر.
كان يكفي أن يدخل (رشدي أباطة) الكادر حتى تتغير طاقة المشهد، وكان قادرًا على أن يجعل ابتسامته جزءًا من الحوار، ونظرته جزءًا من الحدث، وطريقة وقوفه وحركته امتدادًا للشخصية التي يؤديها، لهذا السبب، ربما لم يكن (رشدي أباظة) بحاجة إلى بذل مجهود كبير لإثبات نجوميته، كان حضوره وحده كافيًا.
لم تكن مقومات (رشدي أباظة) محصورة في السينما المصرية، فقد امتلك مجموعة من الإمكانات التي كانت تؤهله لأن يصبح نجمًا عالميًا، كان رياضيًا، مارس المصارعة، والملاكمة، والسباحة، والفروسية.
كما عرف عنه إجادته لعدة لغات أجنبية، وهو ما كان يمنحه قدرة أكبر على التواصل مع صناعة السينما العالمية، وكانت أمامه بالفعل فرص للانطلاق خارج حدود السينما المصرية، لكن كبريائه منعها عنه.
الأسطورة التي هزمت الزمن
رغم رحيل (رشدي أباطة) منذ 46 عاما، لكن المفارقة أن الزمن الذي كان من المفترض أن يطوي صورته، ساهم في تثبيتها، فبعد 46 عامًا من رحيله، ما زال اسمه حاضرًا، وما زالت أفلامه تعرض، وما زالت شخصياته تتداول، وما زال جمهوره يتسع بدلًا من أن ينحسر.
وهنا تظهر قيمة الأسطورة، فالأسطورة الحقيقية لا تحتاج إلى وجود صاحبها كي تستمر، و(رشدي أباظة) تحول من إنسان إلى صورة، ومن صورة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى رمز.. رمز لزمن كانت فيه النجومية تعني شيئًا مختلفًا، زمن كان النجم فيه يمتلك حضورًا حقيقيًا، وكان الجمهور يعرف تفاصيل حياته، ويتابع أعماله، ويصنع معه علاقة عاطفية طويلة.
وربما لهذا السبب لم يمت (رشدي أباظة) في 27 يوليو 1980.. رحل الإنسان، لكن بقي النجم، ورحل الجسد، لكن بقيت الصورة، وانتهت الحياة، لكن لم تنتهِ الحكاية.


تربعً على منصة القلوب
في مئويته، لا نحتاج فقط إلى أن نقول إن (رشدي أباظة) كان وسيمًا أو (دنجوانًا) أو فتى أول، نحتاج إلى أن نتذكر أنه كان واحدًا من أهم الوجوه التي صنعت تاريخ السينما المصرية، وأن نعيد تقييم تجربته بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.
ولهذا فإن مئوية (رشدي أباظة) يجب ألا تمر باعتبارها مجرد ذكرى عابرة، بل ينبغي أن تكون مناسبة حقيقية لإعادة الاعتبار إلى فنان صنع جزءًا أصيلًا من وجدان السينما المصرية.. فإذا كانت المهرجانات قد تناسته، فإن الجمهور لم ينسه، وإذا غاب عن منصات التكريم، فقد ظل متربعًا على منصة أكبر وأهم؛ منصة القلوب، وربما يكون هذا هو التكريم الأبقى.
لكن ذلك لا يمنع أن يكون من حق رشدي أباظة (أسطورة الأبيض والأسود) أن يستعيد مكانه على منصات السينما، وأن تتذكره المهرجانات كما تذكره الجماهير.
