في دورة تحمل اسم والده.. (أحمد خالد صالح) نجم افتتاح (بردية) السينمائي

كتب: محمد حبوشة
في الفن، هناك أسماء لا تنتهي حكايتها برحيل أصحابها، بل تبدأ مرحلة جديدة من الحضور كلما تذكّر الجمهور أدوارهم ومواقفهم وشخصياتهم التي تركت ندوبًا جميلة في الذاكرة، ومن بين هؤلاء يأتي (خالد صالح)، الفنان الذي لم يكن مجرد ممثل يجيد تقمص الشخصيات، وإنما صاحب مدرسة خاصة في صناعة الشخصية الدرامية، تركت بصمتها في السينما والدراما المصرية.
ومن هنا يبدو اختيار مهرجان (بردية السينمائي) اسم (خالد صالح) عنوانًا لدورته الثالثة، المقرر إقامتها في الفترة من 10 إلى 16 أكتوبر المقبل بدار الأوبرا المصرية، أكثر من مجرد تكريم لفنان راحل؛ فهو استدعاء لذاكرة فنية كاملة، خصوصًا مع إعلان إدارة المهرجان برئاسة عزة أبو اليزيد اختيار نجله الفنان (أحمد خالد صالح) ضيف شرف حفل الافتتاح.
المشهد يحمل دلالة خاصة؛ فالابن يقف على خشبة احتفال تحمل اسم الأب (خالد صالح)، في لحظة تلتقي فيها ذاكرة جيلين، ويصبح التكريم مناسبة لاستعادة سيرة فنان لم يمنحه الزمن الطويل، لكنه منحه ما هو أهم: أدوارًا بقيت أطول من العمر.
ويقام المهرجان تحت رعاية الدكتور عبدالعزيز قنصوه وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة، والدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن، وتنظمه مؤسسة (بردية للثقافة والفنون) التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي.
لم يكن طريق (خالد صالح) إلى النجومية تقليديًا، ولم يكن من أبناء الطريق السهل إلى البطولة. بدأ مشواره الفني من المسرح، واحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن يعرفه الجمهور على نطاق واسع، لكنه عندما وصل إلى الشاشة لم يكن مجرد وجه جديد يبحث عن فرصة، وإنما ممثل يمتلك أدواته ويعرف جيدًا كيف يصنع حضورًا لا يعتمد على مساحة الدور.

قدرة على تقديم الشخصيات المركبة
امتلك (خالد صالح) قدرة نادرة على تقديم الشخصيات المركبة؛ الشرير الذي لا يبدو شريرًا طوال الوقت، والرجل القوي الذي يخفي انكساره، والشخصية الشعبية التي تحمل خلف ابتسامتها مأساة، والمسؤول الذي تتداخل في ملامحه السلطة مع الضعف الإنساني.
وفي أفلام مثل (تيتو، عمارة يعقوبيان، هى فوضى) وفي أعمال درامية متعددة، استطاع أن يثبت أن قيمة الفنان لا تقاس بعدد مشاهد البطولة فقط، وإنما بقدرته على ترك أثر في كل مشهد يظهر فيه.. ولعل هذا هو السبب في أن رحيله المبكر لم يطفئ حضوره؛ فبعض الفنانين يتركون أفلامًا، بينما يترك آخرون «شخصيات» يعيش الجمهور معها سنوات طويلة.
اختيار أحمد خالد صالح ضيف شرف للافتتاح يضيف طبقة إنسانية إلى الدورة الثالثة، فالمسألة ليست مجرد ظهور فنان شاب في مهرجان سينمائي، وإنما لحظة يواجه فيها الابن إرثًا فنيًا ثقيلًا يحمل اسم والده.
لكن أحمد لم يعد اليوم مجرد ابن (خالد صالح)، فقد شق طريقه في السينما والدراما، وقدم خلال السنوات الماضية مجموعة من الأدوار التي ساعدته على بناء هويته الخاصة، بعيدًا عن محاولة تقليد والده أو إعادة إنتاج تجربته.
وهنا تكمن قيمة التكريم: أن يلتقي اسم الأب بتاريخ المهرجان، بينما يقف الابن باعتباره فنانًا له تجربته ومساره، فيتحول الإرث من عبء إلى دافع.
خصوصية مهرجان (بردية) لا تتوقف عند أسماء المكرمين، وإنما تمتد إلى فلسفته في التعامل مع الفيلم القصير، فالمهرجان الذي بدأ أساسًا باعتباره مهرجانًا متخصصًا في أفلام الخمس دقائق، يواصل تطوير مسابقاته، إذ تشهد دورته الثالثة ثلاث مسابقات رئيسية.
الأولى هي مسابقة (سينما الومضة) التي تشترط ألا تتجاوز مدة الفيلم خمس دقائق، والثانية المسابقة العامة، التي تسمح بأفلام لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، متضمنة تتر البداية والنهاية، وتقدم جوائز في الفيلم والسيناريو والإخراج والتمثيل.
أما المسابقة الثالثة فتخصص لأفلام الذكاء الاصطناعي، في إشارة واضحة إلى أن المهرجان لا يريد أن يظل أسير الشكل التقليدي لصناعة الفيلم، وإنما يسعى إلى فتح الباب أمام التحولات التكنولوجية التي تعيد تشكيل مستقبل السينما.
ويضع المهرجان ضمن شروطه العامة ألا يكون الفيلم قد عُرض من قبل على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مجموعة أخرى من الشروط المنظمة للمشاركة.

المخرج الكبير عاطف الطيب
إذا كانت الدورة الأولى حملت اسم المخرج الكبير عاطف الطيب، وجاءت برئاسة الكاتب عبدالرحيم كمال، وشهدت حضور سوسن بدر ولبلبة، فإن الدورة الثانية حملت اسم الكاتب الكبير وحيد حامد، وكان ضيفا شرف الافتتاح المخرج مروان حامد والنجمة إلهام شاهين.
وشهدت الدورة الثانية تكريم أسماء بارزة من أجيال ومجالات مختلفة، من بينهم (هالة صدقي، ومحمد بغدادي، وسيمون، وبوسي شلبي، ومحمد فهيم، وشريف إدريس، والمنتج السعودي خالد الراجح)، إلى جانب حضور عدد من كبار صناع السينما.
كما صدر بالتوازي مع الفعاليات كتاب عن وحيد حامد بعنوان (وحيد حامد أوان الورد) من تقديم الناقد الفني طارق الشناوي، وهو ما يكشف عن رغبة المهرجان في ألا يكتفي بالتكريم الاحتفالي، وإنما يحاول أن يترك وثيقة معرفية حول الشخصية التي تحمل الدورة اسمها.
وفي دورة تحمل اسم (خالد صالح)، يصبح السؤال: هل يستطيع المهرجان أن يقدم أيضًا قراءة نقدية حقيقية في تجربة الفنان الراحل، بعيدًا عن عبارات الرثاء التقليدية؟

هذا هو التحدي الحقيقي
لكن لماذا خالد صالح الآن؟: لأن السينما لا تحتاج فقط إلى الاحتفاء بمن رحلوا، وإنما تحتاج إلى إعادة قراءة تجاربهم.
(خالد صالح) واحد من الفنانين الذين يمكن من خلال أعمالهم دراسة تحولات الشخصية المصرية والعربية في السينما خلال السنوات التي سبقت رحيله، فقد لعب شخصيات تنتمي إلى مناطق اجتماعية ونفسية شديدة التنوع، وكان يمتلك قدرة على منح الشخصيات الشريرة أو القاسية قدرًا من الإنسانية، وهو أمر جعلها أكثر خطورة وأقرب إلى الواقع.
ومن هنا فإن دورة تحمل اسمه يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة مشاهدة أفلامه، ومناقشة أسلوبه في الأداء، واستضافة من عملوا معه، والبحث في أدواته التمثيلية، بدلًا من اختزال تكريمه في صورة على شاشة أو درع في حفل افتتاح.
اللافت أيضًا أن (بردية) يحاول أن يضع نفسه في منطقة مختلفة من خريطة المهرجانات المصرية.. فبينما تتنافس مهرجانات عديدة على الأفلام الطويلة والأسماء الكبيرة، يراهن (بردية) على الفيلم القصير، وعلى سرعة الإيقاع، وعلى المواهب الجديدة، بل ويفتح الباب أمام أفلام الذكاء الاصطناعي.

فن (خالد صالح) بأحلام جيل جديد
وهذه المساحة تبدو شديدة الأهمية في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على تغيير قواعد صناعة الصورة، وأصبح بإمكان صانع الفيلم الشاب إنتاج عمل بتكاليف محدودة، ثم الوصول به إلى جمهور واسع، لكن نجاح هذه التجربة لن يقاس فقط بعدد الأفلام المشاركة، وإنما بقدرة المهرجان على اكتشاف أسماء حقيقية تستطيع الاستمرار بعد انتهاء الدورة.
في النهاية، يبدو مشهد أحمد خالد صالح وهو يقف ضيف شرف في افتتاح دورة تحمل اسم والده مشهدًا سينمائيًا في حد ذاته.. الأب الذي رحل، والابن الذي يواصل الطريق، ومهرجان اختار أن يفتح نافذة على تجربة خالد صالح، وشباب يقدمون أفلامًا قصيرة يبحثون فيها عن طريقهم الخاص.
وربما تكون هذه هي أجمل طريقة لتكريم فنان راحل: ألا يتحول اسمه إلى صورة معلقة على جدار، بل إلى مناسبة تدفع الأجيال الجديدة إلى البحث عن الفن الذي تركه وراءه، فخالد صالح لم يكن مجرد اسم في قائمة النجوم، وإنما تجربة تستحق أن تُقرأ من جديد.
أما أحمد خالد صالح، فسيجد نفسه في العاشر من أكتوبر أمام جمهور لا يرى فيه فقط الفنان الشاب، وإنما يرى أيضًا شيئًا من أبيه، وهنا تصبح دورة (بردية) الثالثة أكثر من مهرجان سينمائي؛ إنها لحظة يلتقي فيها الماضي بالمستقبل، وذاكرة الأب بطموح الابن، وفن (خالد صالح) بأحلام جيل جديد من صناع السينما.