(مصطفى النجار) يحرك المياه الراكدة.. لماذا اكتفينا بمشاهدة السقوط البطيء!


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
لم تعد أزمة الصحافة المصرية مجرد أزمة توزيع، أو تراجع إعلانات، أو منافسة شرسة من وسائل التواصل الاجتماعي، كما يحلو للبعض أن يختزلها، هذه مجرد أعراض لمرض أعمق بكثير، مرض اسمه الإدارة التقليدية التي ترفض الاعتراف بأن الزمن تغير، على حد قول الكاتب الصحفي الكبير (مصطفى النجار)، صاحب الخبرة العريضة، والأفكار الإدارية والمهنية من خارج الصندوق.
الحقيقة المرة أن الصحافة المصرية لم تخسر معركتها مع التكنولوجيا، بل خسرتها مع نفسها.. خسرتها يوم تحولت مؤسساتها الكبرى من مصانع للعقول إلى مؤسسات تدار بمنطق البقاء لا بمنطق المنافسة، ومنطق الحفاظ على الكراسي لا الحفاظ على المهنة، ومنطق إدارة الأزمة لا صناعة المستقبل.
في هذا المناخ، يبرز الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي (مصطفى النجار) كواحد من الأصوات القليلة التي لم تكتفِ بإطلاق صيحات التحذير، بل قدمت مشروعًا متكاملًا للإصلاح قبل 13 شهرا من الآن، لكنه، كما يحدث كثيرًا في مصر، اصطدم بحائط صلب من التجاهل، وكأن الأفكار الجادة أصبحت عبئًا على من اعتادوا إدارة الواقع لا تغييره.
كلما استمعت إلى (مصطفى النجار)، تذكرت أسطورة سيزيف.. الرجل يحمل صخرة الإصلاح بكل ما يملك من خبرة ورؤية، يصعد بها إلى القمة، وما إن يقترب حتى تتدحرج مرة أخرى، لا لأن أفكاره ساذجة أو مستحيلة، وإنما لأن البيئة التي تستقبلها أصبحت أكثر مقاومة للتغيير من أي وقت مضى.
قبل أكثر من عام، قدم عشرين مقترحًا لإنقاذ المؤسسات الصحفية القومية، ولم يكتفِ بوصف المرض، بل كتب روشتة العلاج بندًا بندًا.. لكن أحدًا لم يناقشها بجدية.. لم تُرفض.. ولم تُقبل.. بل جرى التعامل معها بالطريقة الأكثر قسوة مع أي فكرة إصلاحية (التجاهل)، والتجاهل أحيانًا أشد خطرًا من الرفض.

نزيف الصحافة القومية
السؤال الذي يخشاه الجميع: من المسؤول عن استمرار نزيف الصحافة القومية؟.. هل هي التكنولوجيا؟.. أم القارئ؟.. أم مواقع السوشيال ميديا؟.. أم أن المسؤول الحقيقي هو عقل إداري ما زال يعتقد أن إدارة مؤسسة صحفية في عام 2026 يمكن أن تتم بالأدوات نفسها التي كانت تُدار بها قبل ثلاثين عامًا؟
الأمر المؤكد أن العالم تغير.. القارئ تغير.. الإعلان تغير.. طرق القراءة تغيرت، لكن بعض المؤسسات لم تتغير.. والمشكلة أن من يرفض التغيير لا يدفع الثمن وحده، بل يدفعه وطن بأكمله، لأن الصحافة ليست مشروعًا تجاريًا فقط، وإنما أحد أهم أدوات القوة الناعمة وصناعة الوعي.
حين دعا (مصطفى النجار) إلى إعادة الهيكلة الشاملة، والاستعانة ببيوت خبرة مستقلة، وتحقيق الفصل بين الإدارة والرقابة، وتطوير نظم الحوكمة، لم يكن يطرح أفكارًا خيالية، بل مبادئ معمولًا بها في المؤسسات الإعلامية الكبرى حول العالم.
وحين اقترح طرح 49% من أسهم المؤسسات القومية للقطاع الخاص مع احتفاظ الدولة بالنسبة الحاكمة، لم يكن يدعو إلى بيع المؤسسات، وإنما إلى إنقاذها عبر شراكة تفرض الانضباط والكفاءة والمحاسبة.
وبمقتضى الـ 20 مقترحا، التي قدمها الكاتب الصحفي الكبير (مصطفى النجار) يكون قد قدم روشتة إنقاذ المؤسسات الصحفية القومية من الخسائر التي تواجهها سنويا، قائلا إنه رغم كل الجهود التى تبذلها الهيئة الوطنية للصحافة، إلا أن الذى لاشك فيه أن استمرار إدارة المؤسسات الصحفية القومية بنفس الأفكار التقليدية هو إهدار لأحد مقومات الدولة وضرب بعرض الحائط بمستقبل هذه المؤسسات.
خاصة أن الدولة تدفع ثمنه في نهاية كل عام، حينما يجيىء موعد صرف ما يسمى الأرباح أو حتى صرف المرتبات كل شهر عندما لا تستطيع الصحف توفير المرتبات كاملة لموظفيها، نعم موظفيها – ليس صحفييها – الذين يفتقرون إلى أبسط قواعد الاحتراف والخيال المهني.

الأزمة في العقل.. لا في الورق
قد تختلف مع الفكرة.. لكن هل يملك الرافضون بديلًا؟.. هذا هو السؤال الذي لم يجب عنه أحد، فالخسائر ليست مالية فقط.. حين تخسر الصحيفة أموالًا، يمكن تعويضها.. لكن ماذا نفعل عندما تخسر ثقة القارئ؟.. هذه هي الخسارة الحقيقية.. فالصحافة لا تعيش بالإعلانات وحدها، بل تعيش بالمصداقية.. ولا تستعيد جمهورها بالشعارات، بل بالمحتوى.
اليوم، لم يعد القارئ ينتظر الصحيفة ليعرف الخبر.. يعرفه قبل الجميع.. لكنه ينتظر منها أن تفسره، وتحلله، وتكشف ما وراءه.. وهنا يكمن الفارق بين الصحافة الحقيقية وأي منصة تنشر الأخبار.
البعض ما زال يظن أن أزمة الصحافة سببها الورق وأسعاره، وهذا تبسيط مخل.. الأزمة في طريقة التفكير.. في القيادات التي ما زالت تؤمن بأن النجاح يقاس بعدد الاجتماعات لا بعدد القراء.. في إدارات تخشى المخاطرة أكثر مما تخشى الفشل.. في ثقافة تعتبر كل فكرة جديدة تهديدًا، لا فرصة.. لهذا لم يكن غريبًا أن تتحول المؤسسات إلى كيانات تبحث في نهاية كل عام عن من يسد عجز الميزانية.
أصاب (مصطفى النجار)، حين ربط مستقبل الصحافة بحرية المعلومات.. فلا توجد صحافة قوية في عالم يحجب المعلومات عن صحفييه.. ولا توجد صحافة استقصائية بلا شفافية.. ولا توجد ثقة بلا حق في الوصول إلى الحقيقة.

القيادات.. عقدة الإصلاح
إن استعادة الصحافة لدورها تبدأ من تمكينها من أدواتها، لا من مطالبتها بالمنافسة وهي مقيدة.. لذا فإن القيادات.. هى عقدة الإصلاح، فلا توجد مؤسسة تنهض بقيادة ضعيفة.. ولا توجد مؤسسة تتطور بقيادة تخاف من التغيير.. لقد آن الأوان لإعادة النظر في معايير اختيار القيادات الإعلامية، بحيث تكون الكفاءة، والخبرة، والرؤية، والقدرة على الإدارة هي المعيار، لا أي اعتبارات أخرى.. فالصحافة ليست مكانًا للتجريب، بل مسؤولية وطنية.
ولأن (مصطفى النجار) لا ينظر إلى الملفات بمعزل عن بعضها، فقد امتدت رؤيته في حواره مع (محمد علي خير) إلى السياحة، وهنا أيضًا يكرر الفكرة نفسها: الإدارة قبل الإنفاق.. فالقطاع الخاص هو القاطرة الحقيقية للسياحة، بينما يقتصر دور الدولة على التنظيم، وتوفير البيئة الجاذبة، وحماية الاستثمار.
كما أثار قضية الاستدامة في الساحل الشمالي، داعيًا إلى رؤية تجعل المنطقة مقصدًا سياحيًا طوال العام، لا مجرد وجهة موسمية، مع الإشارة إلى ضرورة معالجة الإشكالات التي أثيرت في بعض المشروعات، ومنها ما ارتبط بأزمة (مراسي)، عبر وضوح الأدوار والالتزامات بما يعزز الثقة في الاستثمار.
لماذا نخاف من الإصلاح؟.. هذا هو السؤال الذي يطاردني: لماذا تتحول كل فكرة جديدة إلى معركة؟.. ولماذا يصبح كل صاحب رؤية مصدر قلق؟.. ولماذا نفضل إدارة التراجع بدلًا من صناعة النجاح؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة هو أن تعتاد الفشل.. وحين يصبح الفشل روتينًا، يصبح النجاح استثناءً.

الكلمة الأخيرة:
لا أدعي أن (مصطفى النجار) يمتلك الحقيقة المطلقة.. ولا أزعم أن مقترحاته تخلو من الحاجة إلى النقاش أو التطوير.. لكنني أزعم شيئًا واحدًا: أن الرجل قدم أفكارًا تستحق أن تُناقش على طاولة القرار، لا أن تُترك في الأدراج.
فالصحافة المصرية لا ينقصها التاريخ، ولا الكفاءات، ولا المواهب.. ما ينقصها هو القرار الشجاع.. قرار يعترف بأن ما كان يصلح بالأمس لم يعد يصلح اليوم.. قرار يؤمن بأن المؤسسات لا تُنقذ بالشعارات، بل بالإدارة الرشيدة، والشفافية، والمحاسبة، والجرأة على التغيير.
إنقاذ الصحافة لم يعد ترفًا، بل ضرورة وطنية، فإذا كانت الصحافة الحرة والقوية هى ذاكرة الدولة وعقل المجتمع، فإن استمرار تراجعها ليس خسارة لمؤسسات بعينها، بل خسارة لوطن بأكمله.
ويبقى السؤال الذي سيظل معلقًا حتى يأتي من يجيب عنه بالفعل لا بالتصريحات: هل نريد حقًا إنقاذ الصحافة المصرية.. أم أننا اكتفينا بمشاهدة سقوطها البطيء؟