رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (30).. شاعر السيرة الهلالية.. يمارس (فن التمثيل)

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (30).. شاعر السيرة الهلالية.. يمارس (فن التمثيل)
ماهية (فن التمثيل) هي إخراج الخفي إلى الجلي

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

جمالية فن التمثيل العربي ترتكز على نظرية تفسيرية لماهية (فن التمثيل)، وأُسسه وقواعده. ولقد أوضحنا من قبل أن (فن التمثيل) العربي يركز في تقديم هذا الفن على الجهاز الحسي (الحس.. الذهن.. الشعور)، ولهذا وضع نظرية عن (فن التمثيل)، وهي بمثابة قاعدة نقدية للحكم على العمل المقدم في كونه تمثيلًا أم هو غير تمثيلي.

والسؤال المطروح: هل شاعر السيرة يمثل السيرة، ويمكن أن نطلق عليه الممثل الفرد؟، وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من الرجوع إلى ماهية (فن التمثيل) التي يوضحها عبد القاهر الجرجاني:

(فأول ذلك وأظهره أن أُنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها مما يدرك بالعقل إلى الإحساس، ومما يعلم بالفكر، إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع).

ومن هذا القول نستنبط أن ماهية (فن التمثيل) هي إخراج الخفي إلى الجلي، بمعنى ظهور الفكرة العقلية إلى الحواس الإنسانية لتدركها حسيًا ونفسيًا وشعوريًا. وبهذا تعرفنا على ماهية فن التمثيل، وعن كيفية ظهور الفكرة في عمل تمثيلي مقدم.

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (30).. شاعر السيرة الهلالية.. يمارس (فن التمثيل)
النظرية التمثيلية مكوّنة من عدة عناصر مستنبطة من مفهوم كلمة (التمثيل) في المعجم العربي

مفهوم كلمة (التمثيل)

ونتعرض إلى نظرية الفن التمثيلي في العربية، ونقدم التطبيقات عليها، حتى نعرف القاعدة النقدية للحكم على هذا العمل في كونه تمثيلًا أو غير تمثيلي، وننوه بأن النظرية التمثيلية مكوّنة من عدة عناصر مستنبطة من مفهوم كلمة (التمثيل) في المعجم العربي، وهذه العناصر هى الدلالات الخاصة بتطبيقات فن التمثيل، وهى مقياس الحكم على العمل التمثيلي.

ونبدأ بهذه الدلالات وتطبيقها:

أولًا: الدلالة المثالية

وهي اتخاذ أحد الأشخاص قدوة ومثلًا في طريقة حياته.

لقد قدمت العربية مجموعة من السير لأبطال اتخذوهم قدوة ومثلًا في الحياة (عنترة.. بيبرس.. ذات الهمة.. أبو زيد الهلالي)، وبالفعل في السيرة الهلالية يعد أبو زيد قدوة ومثلًا في طريقة حياته، وتمت ترجمة حياته في صورة السيرة الهلالية.

ثانيًا: الدلالة الوصفية

وهى القدرة على وصف الأشخاص والأماكن وكل ما يخص الناس بطريقة تمثيلية، أي ظهورها للحواس.

وبالفعل يطبق هذا العنصر شاعر السيرة، فنرى الأبعاد المادية والاجتماعية والنفسية والجمالية للشخصية. فمثلًا شخصية رزق فارس، والجمهور يعرف الفارس بأربعة عشر مقاتلًا، وهو من أمراء بني هلال، وهنا تحققت صفة الشخصية المادية والاجتماعية، وأما النفسية فتبرز، ولا يعتمد فيها شاعر السيرة على خيال المشاهد:

(رزق قال يا نجاح

نجاح قال لبيك

رزق قال آتيني بالغلام

نجاح جاله يا سيدي لم يتم الأسبوع

رزق جاله لن أحمل الانتظار لغاية الأسبوع

هات لي غلامي أسميه بين العرب)

ومن هذا الشعر نلحظ الحالة النفسية لرزق وصف الحركة والإيماءة والإشارة:

(وجام علي الولد ساحب سيف

وعاوز يقطع الواد بإيده

جام رزق علي القدمين)

حركة الحيوان:

(تضرب الفرس حافر في الأرض

تنطر حصى مالأراضي

وتحادي علي نظيفة العرض

قلبي تحمل مراضي

خدت للناس دي علي طول

بغبار يا رجال وافر)

ثالثًا: الدلالة التصورية

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (30).. شاعر السيرة الهلالية.. يمارس (فن التمثيل)
تكوين الصورة التمثيلية للمماثلة وضرب الأمثال، أي تصوير الشخصية وما تحتويه من حالات الفرح والغضب

حالات الفرح والغضب

وهى القدرة على التصوير، وتكوين الصورة التمثيلية للمماثلة وضرب الأمثال، أي تصوير الشخصية وما تحتويه من حالات الفرح والغضب.. إلخ، وجميعها تظهر وتنطبع على جسد الشخصية.

حالة الفرح والأمان:

(لما فرح ابن نايل يا خوان

كانت حمول البلى مش خفيفة

لما سمع بالبشري دي بجي في أمان

لما شعر بحمل الشريفة)

حالة الغضب:

(وغضب الزعيم الهلالي

وروح شوف رزق غضبان

عالبيت راح للشريفة

دخل بيها يا خوان غضبان

ينادي يجول يا شريفة)

رابعًا: الدلالة النقلية

وهي نقل الأقوال عن الأشخاص بنفس الطريقة التي قالوا بها أقوالهم، وهي خاصة بكلام الشخصيات (الحوار).

يا خضره ارحلي ثم ارحلي من منزلي

مع عبدك الأسود ولا تتمهلي

والمرة خلفي جال يا قبيحة بالعجل

لأقص عمرك بالقضاء المنزل

جبتك شريفة

ومن قريش علي نقا

فكيف عبد غيري

فكيف عبد غيري يا خضره يعلي جعفري

فكيف عبد غيري يا خضره يعلي لجعفري)

فردت عليه:

(ردت عليه خضره الشريفة تجاوبه

أنا شريفة

أنا شريفة ومن قريش علي نقا

وأيه وصله ذا العبد يعلي جعفري

وأيه وصله ذا العبد يدخل كرمنه

وكرمنا عالي وضربه حنظلي

فعجبي علي رجل يعارض خالقه

شوف خضره بتجول إيه

عجبي علي رجل يعارض خالقه

إذا ما خلق بعوضة أو جمل

أنا شريفة يا رزق وجابه علي ناقه

فكيف عبد غيرك يا رزق يعلي لجعفريمستعجلي)

فقال:

(ارحلي ثم ارحلي من منزلي

مع عبدك الأسمر ولا تتمهلي)

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (30).. شاعر السيرة الهلالية.. يمارس (فن التمثيل)
حوار تمثيلي من تأليف الشاعر، وليس حوارًا حقيقيًا؛ لأن من معاني التمثيل نقل الأقوال كما هي

حوار تمثيلي من تأليف الشاعر

وبالطبع هذا حوار تمثيلي من تأليف الشاعر، وليس حوارًا حقيقيًا؛ لأن من معاني التمثيل نقل الأقوال كما هي عن شخصية معروفة، مثل: قال الزعيم سعد زغلول كذا.

خامسًا: الدلالة الأدبية

وهى تعني التصوير التمثيلي بالكتابة، وهنا إذا جمعت السيرة أصبحت نصًا يُقرأ، محتويًا على الدلالات السابقة.

ونجد أن شاعر السيرة يقوم بمجموعة من المراحل لكي يطبق نظرية فن التمثيل العربي، وهي:

أولًا: الخيال

وهنا يتخيل الشاعر كل أحداث الواقع، ثم ينتقل إلى الطريقة التي سوف يقدم بها هذا الخيال.

ثانيًا: التصور

وهنا يعمد الشاعر إلى تصور تنفيذ العمل وكيفية إخراج هذا العمل الأدبي التمثيلي، فيصنع الحبكة التي تجسد هذا العمل، ومن خلال تلك الحبكة يظهر لنا العمل في الصورة التمثيلية، ونحددها في الآتي:

أ – الشخصية:

وهي تصوير الشاعر لتلك الشخصيات والفروق بينها من حيث أبعادها الثلاثة (المادية – النفسية – الاجتماعية).

ب – الحوار:

أن تتكلم كل شخصية بما يناسبها من حديث، من واقع الأبعاد المكونة للشخصية.

ج – الأحداث:

وهي الأحداث التي تمر بالشخصية وتبرز الأفعال التي تقوم بها تلك الشخصية.

د – الصراع:

وهو الحالة التي تصور أفعال الشخصيات وهي في حالة من الصراع مع بعضها البعض.

هـ – الزمان والمكان:

وهنا يصف الشاعر الزمان والمكان بشكل تمثيلي، فإذا تعرض لزمان معين حدده بوقته، وإذا ما تعرض إلى وصف مكاني مثّله كأن المتلقي يراه، ويستمر في تمثيل الأشخاص داخل الزمان والمكان، وهكذا يكون البناء النصي للأدب التمثيلي، سواء أكان شعرًا أم نثرًا.

سادسًا: الدلالة الأدائية التمثيلية

وهو الأداء الخاص بشاعر السيرة لكي يظهر ويبين جميع الدلالات السابقة، وفي هذه الحالة يكون الاتصال بين شاعر السيرة والجماهير عن طريق الجهاز الحسي لكليهما، ليتحقق الأثر الجمالي.

وبهذا تكون العربية رائدة في وضع نظرية لفن التمثيل، ولها تطبيقات تمثيلية في صورة عرض مسرحي يحتوي على دلالات (فن التمثيل)، كما أنها رائدة في تعاملها مع الجهاز الحسي الإنساني، فالعرض المقدم يتعامل مع هذا الجهاز.

وبناءً على هذا يكون شاعر السيرة ممثلًا فردًا، لأننا نحتكم إلى نظرية ومقياس يحكم على نوعية الفن، وهذا ما يجعل (فن التمثيل) العربي هو أول من وضع التعريف بفن التمثيل، وأول من وضع أسسًا متمثلة في الدلالات المستنبطة من كلمة (مثل)، كما وضع قواعد بنائية مرتكزة على الجهاز الحسي (الحس.. الذهن.. الشعور).

فبناء الحبكة في (فن التمثيل العربي) حسي، ذهني، شاعري، يقدم في صورة تمثيلية بلاغية جمالية.

وننوه في النهاية إلى أن (فن التمثيل العربي) متشعب، ليس مقتصرًا على المسرح فقط، بل يشمل فنونًا عديدة، منها الشعر.

ونختم بهذا البيت الشعري العربي، لتوضيح مدى تشعب هذا الفن حتى في الشعر الفصيح:

(إذا رأيت نيوب الليث بارزةً

فلا تظنن أن الليث يبتسم).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.