

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
بعد سنوات من الغياب عن المشهد الغنائي الصيفي، عادت المطربة الكبيرة (عفاف راضي) لتفرض حضورها الراقي من جديد من خلال عمل فني جديد متميز بعنوان (الذكريات) كلمات محمد حارس، ألحان وتوزيع أيمن مصطفى، وتوزيع وتريات إيهاب عبدالسلام.
وتأتي هذه العودة لتؤكد أن الفن لا يتوقف عند الزمن، بل قد يرجع في لحظة مختلفة وبروح أكثر نضجًا، في محاولة لشدّ الجمهور نحو عالم من الاسترجاع العاطفي، والصورالتي تعيد بناء الماضي.
تُقدّم (عفاف راضي) في أغنية (الذكريات) فكرة واضحة، وهى العودة إلى ما كان، ليس كحنين يكتفي بالألم، بل كذاكرة حيّة تضيء اللحظات الجميلة.
ومن خلال كلمات الأغنية ولحنها، تبدو الرسالة أن الإنسان لا ينسى بسهولة، بل يعيد ترتيب سنواته كلما ظهرت صورة، أو سمع نغمة، أو عاد طيف من الماضي.
الكلمات تؤكد أن الذكريات ليست مجرد تذكّر، بل حكايات تعيش داخلنا، يظهر ذلك من خلال:(ذكرة صاحية وعايشه فينا، ذكرة عشرة بتنادينا، صور بتحكيلنا حكايات) فالذاكرة هنا حاضرة حيّة وليست شيئًا ماضيًا راكدًا.
وركز الشاعر (محمد حارس) على مفردة الزمن، بمعني أن (العمر لا يعود، لكنه يتحوّل إلى (اسم)، والأغنية تُكرر فكرة أن الزمن يمرّ ولا يُسترجع: (والي فات من العمر فات، بنقول عليه الذكريات، ماعرفنا فين العمر عدى، قطر الحياة مر وعدى، أيام خدتنا وروحنا بعيد).
لكن بدل أن يكون الزمن (خسارة) فقط، يتحول إلى تعريف، وهوية، ما فات من العمر نُسميه (ذكريات)، ومن أقوى الصور في الكلمات: (قطر الحياة مر، وعدى، وبين محطاته ما هدى، الغربة دي كانت عنوانا).

الحب كبداية صادمة وجميلة
فالقطار هنا رمز تقليدي للحركة المستمرة ومسار القدر، كل محطة تساوي محطة زمنية، أومرحلة في العمر، ولا يوجد (هدوء) بين المحطات، وهذا يجعل الغربة شعورًا بنيويًا، ليست فقط مكانًا، بل طريقة مرور الزمن.
تتكرر في الأغنية تيمات الضياع والشرود مثل (الغربة دي كانت عنوانا، توهنا مابين أرقام مواعيد، وإما وقفنا في رحلتنا، رسمت سنينا التجاعيد).
و(أرقام المواعيد) تعطي دلالة اجتماعية عصرية على الحياة التي تُدار بالالتزام والجدول بدل دفء اللحظة، ثم تأتي (التجاعيد) لتترجم أثر العمر إلى علامة جسدية حين يتوقف القطار (الرحلة)، تبقى آثارها.
الأغنية تركز بعض كلماتها على لحظة تأسيس في الذاكرة: (ذكرة اول حب ليلة دق في قلوبنا ومر وفات) جملة (مر وفات) تتكرر مع الأحداث (الحب، قطر الحياة)، لتعطي نفس القانون، كل شيء يجري بسرعة، ثم يتحول لذكرى.
وتظهر (المرارة) في الإيقاع المعنوي عبر (مرّ) و(اهات)، كأن الحب ليس فقط فرحًا بل يمرّ ويترك أثرًا.
من أجمل التراكيب في أغنية (عفاف راضي) توازن الكلمات بين المتعة والوجع مثل (بفرحة عيشناها، واهات، والسنين تنده سنين، الحنين يملى السكات)، الأغنية هنا، لا تجعل الحنين شعورًا رومانسيًا خالصًا، بل تراه صوتًا يخترق الصمت (يملى السكات)، هذا يعطي معنى نفسيًا، والذكريات تعود كأنها موسيقى داخل الفراغ.
في النهاية رسم الشاعر المتميز (محمد حارس) لوحة فنية تشكيلية، تؤكد أن الزمن يمضي بلا انتباه، بالحب والفرح والوجع، كل هذه الذكريات تمرّ مثل القطار، والغربة والالتزامات (الأرقام) تجعل المرور أسرع وأكثر قسوة، وعندما تتوقف الرحلة تبقى آثارها التجاعيد، لكن الذكريات تظل حية وتملأ الصمت بالحنين.

نهاوند على درجة صول
كان الملحن والموزع (أيمن مصطفى) موفقا في إختياره لمقام (النهاوند على درجة صول) لكلمات أغنية (الذكريات)، فهو مقام عاطفي يعبر عن الحنان والرقة والشاعرية في الموسيقى الشرقية، كما يمكن عزفه في الموسيقى الحزينة أحيانًا، وهو من المقامات الشرقية الأساسية في تلاوة القرآن الكريم والإنشاد والموسيقى.
ومن أشهر الأغاني على مقام النهاوند (ألف ليلة وليلة) لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، و(البنت الشلبية، وحبيتك بالصيف، ولا انت حبيبي) لجارة القمر فيروز، وغيرها من الأغنيات الكثيرة جدا التى لحنت من هذا المقام بدرجاته، والذي أصبح موضة هذه الفترة، بعد أن ابتعد كثير من الملحنيين عن مقام (الكرد) الذي سيطر على حياتنا الغنائية خلال السنوات الماضية، ومازال لكن على استحياء.
والحقيقة أن (أيمن مصطفى) من خلال هذا اللحن، وظف صوت مطربتنا الكبيرة (عفاف راضي) أفضل توظيف، وساعده على ذلك كونه موزع الأغنية حيث جاء التوزيع متميزا ومناسب للكلمات واللحن.

روعة أداء عفاف راضي
جاء المطربة (عفاف راضي) رائعا، وأضافت الكثير من خبرتها السابقة، وتكنيكها فى الغناء للأغنية، لهذا أصبحت عودتها لافتة من خلال أداء يوازن بين الدفء العاطفي والقدرة على نقل المعنى.
وظهر صوتها متحكمًا في المسار اللحني، مع اهتمام واضح بالتلوين التعبيري في المقاطع التي تحمل حنينًا وألمًا، بما يجعل المستمع يعيش أجواء الاسترجاع التي تتحدث عنها الكلمات.
ومن أبرز ما يميز العمل هو استيعابها لمقام النهاوند، إذ جاءت الجمل اللحنية وكأنها منسجمة تمامًا مع طبيعة المقام، مع مراعاة طبيعة (الحزن الدافئ) التي يرمز لها النهاوند.
وقد تجلّى ذلك في طريقة صعودها وهبوطها داخل النغمات، وفي حسن التعامل مع (التونك التحولات المقامية) دون مبالغة أو قطع مفاجئ، مما أضفى سلاسة موسيقية على الأغنية.
باختصار، تعكس أغنية (الذكريات) نضجًا في الأداء، وتأكيدًا على قدرة (عفاف راضي) على توظيف إحساسها الصوتي لخدمة مقام النهاوند، ليخرج العمل مؤثرًا ومناسبًا تمامًا لجو الحنين الذي تثيره الكلمات.