رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (23).. عطوان وسلمان، و(خضرة الشريفة)

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (23).. عطوان وسلمان، و(خضرة الشريفة)
خروج (خضرة الشريفة) وسعيدة من النجع، في رحلتهم إلى أرض العلامات، لم يكن الأمر سهلا

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

البشرية إذا لم تهذبها، تصاب بأمراض النفوس، وتنقل لنا السيرة الهلالية عبر (خضرة الشريفة)، هذه الأمراض النفسية، وتظهرها ممثلة للحواس لكي يدركها المشاهد ذهنيا وشعوريا، وهذا من جماليات فن التمثيل العربي.

فقد ذكرنا من قبل أن هذا الفن العربي التمثيلي، يحلل النفس البشرية، ويظهر للعيان سلوك النفس البشرية في تعاملها مع الآخر، ورأينا في المقالات السابقة ما حدث مع  فارس العرب رزق بن نايل وزوجته (خضرة الشريفة)، من قبل أخيه والقاضي فايد وغانم.

وتعرفنا على أمراض النفوس الخاصة بهذه الشخصيات، وكانت نتيجة هذه الأمراض، خروج (خضرة الشريفة) من نجع الهلايل هى والخادمة سعيدة، بعد التشكيك في نسب الطفل أبو زيد؛ ابن رزق بن نايل.

ولم ينتهى الأمر عند هذا الحد، فبعد خروج (خضرة الشريفة) وسعيدة من النجع، وأثناء رحلتهم إلى أرض العلامات، لم يكن الأمر سهلا، خاصة أنهما بلا حراسة من رجال بني هلال، فعندما خيم عليهما الليل، أمرت (خضرة الشريفة) سعيدة بالتوقف، والتخييم في مكان في الصحراء حتى يطلع النهار ويكملا المسير، وهذا ما نراه في هذا المشهد:

 فنادت خضره فيها تجول

يا سعيدة هنا دلي بينا

سيرنا باليل ده غير معقول

رب العرش ينظر علينا

وفي جبال دلوا رحيلهم

خضرة دي عاقلة وفهيمة

مع دول شرد ورحيلهم

بين الجبل نصبولي خيمة

نصبت خيمة بعمدان

من الخيش او صوف حاضر

سوق الجول والمعني يا خوان

خضرة باكية بدمع ساير

في الخيمة وجعدوا لاتنين

وسابوا المال في وسع الجبالي

والنار في الجلب والعين

لطيفنا يا مولي الموالي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (23).. عطوان وسلمان، و(خضرة الشريفة)
جلست (خضرة الشريفة) وسعيدة داخل الخيمة، ومعهما الطفلين، وكانتا في حالة يرثى لها

(خضرة) وسعيدة داخل الخيمة

وكما نرى من المشهد ، فقد جلست (خضرة الشريفة) وسعيدة داخل الخيمة، ومعهما الطفلين، وكانتا في حالة يرثى لها، وفجأة يظهر لخضره وسعيدة فارسان من فرسان بني عقيل، وهما: عطوان وابن عمه سلمان، وهذان الفرسان مطرودان من القبيلة نتيجة أفعالهما السيئة.

وهذا الطرد والإبعاد عرف وقانون يطبق على أصحاب الجرائم داخل القبيلة، وعطوان وسلمان كونا عصابة للإغارة على القبائل المجاورة، واثناء سيرهما ليلا، نظر عطوان ووجد مال كثير جدا وخيمة، ويصور شاعر السيرة هذا الموقف بالمشهد التالي:

يجي عطوان ينظر بعيناه

يلجي المال وسع الجبالي

مال كتير ولا حدش امعاه

وساير يمنه وشماله

جوم نده عطوا ن ده وجال يا رجال

ادي الكريم يا رجال عطاني

من البعد اني شايف المال

جريب وعاطوا معانا

هاتولي المال يا رجال جوام

هاتوه ما تخلوا حاجه

ومن أصوات الخيول والرجال سمعت (خضرة الشريفة) أصوات غريبة، وينتقل الشاعر بنا إلى داخل الخيمة:

سمعتها يومها الصياح الشريفة

(سمعت صوت الغنم)

جالت يا سعيدة شوفي ايه

ليكون وحش نازل علينا

بالعين وانظري للعالية

الجلب خافيه لينا

طلعت سعيده دي تطل بالعين

حاجة نادرة من الغرايب

باكيه والنار والعين

لجيت رجال علي الركايب

لجيت اللي جايه فرسان

مش وحش ده من جبالي

موزونين والعقل فردان

لطيفنا يا مولي الموالي

رجعت وجالت يا ندمي

رجعت سعيدة وجالت يا ندمي

ده اللي خدوا المال دول أعادي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (23).. عطوان وسلمان، و(خضرة الشريفة)
تقابل خضرة عطوان، وتحدث المفاجأة غير المتوقعة

خضرة تقابل عطوان

وتخرج (خضرة الشريفة) من الخيمة لتشاهد ما يحدث، وكما قال الشاعر (حمول البلى مش خفيفة)، تقابل خضرة عطوان، وتحدث المفاجأة غير المتوقعة في المشهد التالي:

فجرب عطوان ليها شوف يجول

مدام خايفة من أذاكي

مهما جولتي ده الجول معجول

طب ايه رائيك انا ليه طلب معاكي

اني لا عاوز أغنام ولا مال

لا عاوز منك أغنام ولا مال

واللي اتبلي ما تلوما شي

لو عوزتي زيادة تاني من المال

بس أنا وأنت ندجلعوا على الفراشي

(شوف طلب الراجل ده).

وفي هذا المشهد تواجه (خضرة الشريفة) نفس عطوان المريضة وهى من أخس النفوس، وتحاول أن تثنيه عن هذا الفعل، جالتله الولية:

يا شيخ دي عيبة عليك

ونار جايدة في ضلوعي

أنا اللي طالعة اترجي ليك

دي واضعة ما تمت سبوعي

عطته الغلام

جدمت الغلام يشوفه بالعين

علشان الجلب يرج وراضي

مسك الغلام يا مستمعين

من إيدها رماه عطوان عل الأراضي.

ولكن لم ينفع معه الكلام والنصح، ويحاول اغتصابها، ويمثل الشاعر محاولة الاغتصاب هذه ببشاعة، ليظهر نفس عطوان وأتباعه، وما تحويه نفوسهم من قسوة مريضة:

جال يا رجال هتوها قوام

اخدها دي ملك ليميني

وذقتني من المر علقم

صغوا لجولي يا مستمعيني

عطوان أمر الرجال

وجال عنتي (عندي) دي جوام هاتوها

قاموا عليها يمين وشمال

الرجال لما اترؤها

ولما جابوها من شعر رسها

شوف جابوها من شعر رأسها

وكروا الشريفة علي الأراضي.

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (23).. عطوان وسلمان، و(خضرة الشريفة)
التعدي على امرأة من نساء العرب بهذه القسوة يستوجب القتل الفوري

امرأة من نساء العرب

وفي هذا المشهد يظهر مدى خسه عطوان ورجاله، وانعدام الرحمة في قلوبهم، فالتعدي على امرأة من نساء العرب بهذه القسوة يستوجب القتل الفوري، وتحدث المفاجأة في المشهد:

لما جروها من شعر راسها

حيرفعوا عنها الخلايج

جت هايجة عليها فرسها

جدامها ما خلت خلايج

يا ليل

جت الفرس دي حايمه حوم

( الفرس اللي مع الشريفة الصغيرة دي )

جت الفرس حايمه حوم

حاجة نادرة من العجايب

علي الناس تصرخ وتغوم

فجالت الرجال يا العجايب

تضرب الفرس حافر في الأرض

تنطر حصي مـ الأراضي

وتحادي  علي نظيفة العرض

قلبي تحمل مراضي

أراد سلمان  قتل عطوان

وفي هذا المشهد نرى خروج ما بنفس عطوان من خسة وواضعة، ولكن عندما رأى سلمان ابن عمه ما فعله الحيوان انتفض وثار، ونرى ما فعله في عطوان في المشهد التالي:

 واجف البطل لسمة سلمان

لما نظر وشاف الركوبة

جال احنا مش مسلمان

عيشنا وراينا العجوبة

نادي سلمان يا عطوان

نادي سلمان يا عطوان

الولية اللي حدي عليها

يا بطل حادي الحوان

واحنا  من حادوا عليها

يا عطوان عيب عليك

يا عطوان عيبه عليك

عشنا وراءينا العجايب

تبجي راجل ورجالك حواليك

يا اخي انظر لفعل الركايب

جاله والله ما تمس الولية

جال سلمان والله ما تمس الولية

يا عطوان لافجد حياتك

انظر علي الحكاية دية

مني لتلجي جزاتك

ثار ها يومها سلمان

وجر السلاح علي الأيادي

وهيا و جاي لعطوان

عمره ما يخلف معافي

سكر يومها سلمان بلا كيف

سكر يومها سلمان بلي كيف

لما شاف شاف الركايب

علي ابن عمه جاب السيف

وفين مجاري حزايب

عطوان سابها وولي هربان

وفي هذا المشهد يبدو أن سلمان كان يساير عطوان بلا عقل واتبع طريقه، ولكن عندما رأى فعل الحيوان عاد له رشده/ وتذكر وقال لعطوان: هو احنا مش مسلمان لكى يذكره؟ ولكن لم ينفع الحديث مع عطوان، وهنا أراد سلمان  قتل عطوان، وكأن سلمان يعود إلى صوابه، ونرى أن نفسه برئت من الأفعال المريضة، وقال للشريفة:

رجع عطوان هارب يا إخوان

ونزل سلمان وعدل الشريفة

وجال سلامة عرضك ما يتهان

يا أم  العروض النظيفة

سلامة عرضك ما يتهان

وأنا ديني ملك ليداكي

وأنا وأنت إن متنا الموت وهان

وإن راح عمري فداكي

عدلها سلمان بيده

وجبلها الغلام يا حبايب

عطهولها علي يد شوف معناه

مسكت الغلام والجلب دايب

ومن المشاهد السابقة نلحظ أن السيرة تعرضت لنفوس الشخصيات، وفي هذه المشاهد التي عرضنها، تظهر المقابلة بين شخصية عطوان وسلمان، فالأول مجرم رعديد، ليس بقلبه رحمة، والثاني  يعد من المجرمين، ولكن عندما رأى ما يحدث تأثر وندم ، وكأنه يعلن توبته، ويقول لخضرة الشريفة (إن راح عمرى فداكي).

وفر من أمامه عطوان ولم ينتهى الأمر بهذا ، بل قام سلمان ورجاله بحراسة (خضرة الشريفة) وسعيدة، وصان مالها في رحلتها حتى وصلت أرض العلامات، وكان هذا الموقف هو ما وفر لخضره الحماية والحراسة.

ومما سبق نرى جماليات فن السيرة في إخراج ما في النفس البشرية، ورأينا ما بنفس عطوان، وما بنفس سلمان هذا الفارس الذي يحمل نفس طيبة لوثتها بعد الأفعال، ولكنه عاد إلى رشده وعالج المرض، وصحب خضرة إلى أرض العلامات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.