

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
يثير التحقيق الذي نشرته منصة (دروب سايت نيوز) الأمريكية في الخامس من أغسطس الجارى، للكاتب (مرتضى حسين)، تحت عنوان (لأعينكم فقط: جاسوس إسرائيل داخل الأمم المتحدة) تساؤلات خطيرة حول قدرة (إسرائيل) على الوصول إلى المعلومات الداخلية في مؤسسات الأمم المتحدة واستخدامها لخدمة أهدافها السياسية والدبلوماسية.
الأهم من ذلك هو أن التحقيق الأمريكي .. لم يحظ باهتمام إعلامي دولي أو إسرائيلي، نظرًا لحساسية المعلومات التي كشف عنها وطبيعة الاتهامات الواردة فيه، إذ سلط الضوء على ما وصفه بوجود قناة داخلية مكّنت دبلوماسيين إسرائيليين من الوصول إلى معلومات ووثائق سرية من داخل الأمم المتحدة.
في وقت كانت فيه المنظمة تتعامل مع ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالحرب على غزة وحقوق الإنسان والتحقيقات الدولية في السلوك الإسرائيلي.
وهو ما يعيد معه مجدداً مسألة فتح النقاش الإعلامي حول استقلال موظفي المؤسسات الدولية، وآليات حماية المعلومات السرية، ومدى قدرة الأمم المتحدة على منع توظيف شبكات العلاقات السابقة داخل أجهزتها لخدمة مصالح حكومات أو أطراف خارجية.
التحقيق المنشور قبل أيام عبر منصة (دروب سايت نيوز) (Drop Site News) وهي منصة إخبارية أمريكية مستقلة ممولة من القراء، تأسست لتقديم تحقيقات وتقارير معمقة حول القضايا السياسية والدولية، وتركز على الصحافة الاستقصائية وكشف الوثائق والمعلومات التي تتعلق بالحروب والسياسة الخارجية وحقوق الإنسان.

أرشيف مراسلات (رون بروسور)
يستند إلى رسائل بريد إلكتروني مخترقة من أرشيف مراسلات (رون بروسور) الممثل الدائم لـ (إسرائيل) لدى الأمم المتحدة بين عامي 2011 و2015، وتكشف، أن (يهاف ليخنر) الذي كان يعمل آنذاك في صندوق الأمم المتحدة للسكان، زوّد دبلوماسيين إسرائيليين بصورة متكررة بوثائق ومعلومات داخلية وسرية للأمم المتحدة.
كما تكتسب القضية أهمية إضافية لأن (ليخنر) يشغل حاليًا منصب مدير مكتب اليونيسف في واشنطن بعد مسيرة مهنية طويلة داخل منظومة الأمم المتحدة، ومن ثم يؤكد التحقيق أنه لا توجد أدلة تثبت استمرار السلوك الموثق بعد عام 2015، كما لا توجد أدلة تثبت أن اليونيسف كانت على علم بهذه المراسلات عندما عينته.
تعود إحدى أبرز الوقائع إلى 20 فبراير 2015، عندما أرسل (ليخنر) من بريده الشخصي إلى (بروسور) والدبلوماسي الإسرائيلي (روني ليشينو- يار) تقريرًا سريًا عن زيارة قام بها المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (زيد رعد الحسين) إلى واشنطن.. ووصف (ليخنر) الوثيقة بأنها (ملخص داخلي سري)، وطلب أن تكون (لأعينكم فقط) وألا يعاد توجيهها.
تضمن التقرير تفاصيل اجتماعات (الحسين) مع مسؤولين في البيت الأبيض، وأعضاء في مجلس الشيوخ والكونجرس، ومنظمات مثل إيباك و Street ومنظمات حقوقية، إضافة إلى مخاوف داخل مكتبه من أن الغضب في الكونجرس بشأن تحقيق الأمم المتحدة في حرب غزة عام 2014 قد يهدد التمويل الأمريكي لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان.
ولم يتعامل الدبلوماسي الإسرائيلي مع المعلومات باعتبارها للاطلاع فقط، بل أبلغ (ليخنر) بأنه سيستخدمها في اتصالاته مع أعضاء الكونجرس.
كما تشير المراسلات إلى أن الواقعة لم تكن استثناءً. ففي نوفمبر 2014، تلقى ليخنر تقريرًا يوميًا من مركز عمليات الأمم المتحدة والأزمات (UNOCC) يحمل تصنيف (سري للغاية – غير مخصص لإعادة التوزيع)، ويتضمن معلومات أمنية وسياسية من مناطق مختلفة حول العالم.
مع تنبيه يؤكد أن المعلومات حساسة وأن رئيس ديوان الأمين العام بان كي مون وجّه بعدم توزيعها. وفي صباح اليوم التالي، أعاد (ليخنر) توجيه التقرير إلى ستة دبلوماسيين إسرائيليين، مرفقًا به عبارة (لأعينكم فقط).

عملية (الجرف الصامد)
كما زوّد (ليخنر)، في يوليو 2014، خمسة دبلوماسيين إسرائيليين بما وصفه بأنه (التقرير الأسبوعي الداخلي/ السري للأمم المتحدة بشأن الأردن)، والذي تضمن معلومات عن مشاورات مغلقة مع وزير الداخلية الأردني، وأمن الحدود والاضطرابات الداخلية.
بعد خمسة أيام، وفي اليوم التالي لإطلاق (إسرائيل) عملية (الجرف الصامد) في غزة، أرسل إلى (بروسور) ونائب السفير (دافيد رويت) ومسؤولين آخرين في البعثة رسالة من الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) إلى (بان كي مون)، إضافة إلى مسودة غير منشورة لرد الأمين العام.
والأكثر دلالة أن (ليخنر) أشار إلى أنه يعمل من داخل المنظمة على تحسين المسودة بما يتناسب مع مخاوف (إسرائيل)، من خلال (صديقة) داخلية تشارك في المداولات، وقال إنه يعمل معها على إدخال تحسينات على رسالة الأمين العام، بما في ذلك إضافة إشارة إلى إطلاق الصواريخ من غزة.
كما أرسل إلى الدبلوماسيين الإسرائيليين روايات داخلية عن اجتماعات بان (كي مون) مع الرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) ورئيس الوزراء العراقي، ورئيس منظمة العفو الدولية (سليل شيتي) وتضمن تقرير اجتماع السيسي مناقشات بشأن غزة وليبيا والصحفيين المحتجزين وحقوق الإنسان في مصر.
وفي واقعة أخرى، نقل ليخنر جدول أعمال اجتماع مجموعة الإدارة العليا للأمين العام، التي تضم كبار مسؤولي الأمم المتحدة، وكان مقررًا أن تبحث مشروع قرار لمجلس الأمن بشأن فلسطين، متعهدًا بتقديم معلومات بعد الاجتماع.
وفي رسالة أخرى، قدم (ليخنر) قائمة بمعلومات قال إنها جاءت من (مصدر في دائرة الأمين العام)، تضمنت مداولات بشأن تعيينات داخل الأمم المتحدة، والمستقبل السياسي لبان كي مون، واحتمال خلافة الدبلوماسي البلغاري (نيكولاي ملادينوف) له. ورد (بروسور) على هذه المعلومات بوصفها (مذهلة ومن مصدر مباشر).
وتظهر إحدى الوقائع الأخرى مدى إدراك الدبلوماسيين الإسرائيليين لحساسية المعلومات التي يحصلون عليها. فقد قدم ليخنر لبعثة (إسرائيل) ملخصًا داخليًا لمناقشة في الجمعية العامة بشأن المقرر الخاص المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة (مكرم ويبيسونو).
وعندما اكتشفت الدبلوماسية الإسرائيلية (نيلي شيلو) أن التقرير يتضمن إعادة صياغة غير دقيقة لموقف (إسرائيل)، قالت إنهم لا يستطيعون طلب تصحيحها لأن التقرير (لم يكن من المفترض أن يصل إلينا).

الاستخدام المفرط للقوة
وفي مايو 2014، أرسل (ليخنر) إلى (بروسور) ودبلوماسيين آخرين تقريرًا من صحيفة (هآرتس) حول مقتل الشابين الفلسطينيين (محمود عودة سلامة) و(نديم نوارا)، ثم أبلغهم مسبقًا باجتماع أممي كان سيبحث القضية، وأفاد بأن موظفي مكتب حقوق الإنسان في رام الله ضغطوا على المفوضة السامية آنذاك (نافي بيلاي) لإصدار بيان يعرب عن القلق إزاء (الاستخدام المفرط للقوة).
وبحسب المراسلات، قدم ليخنر للدبلوماسيين الإسرائيليين حجتين لمواجهة الدعوة إلى تحقيق مستقل: أن الأمم المتحدة تتجاهل التحقيق العسكري الإسرائيلي القائم، وأنه لا ينبغي التعبير عن القلق بشأن استخدام القوة قبل انتهاء التحقيق الإسرائيلي. ووعد بتزويدهم بالتطورات بعد الاجتماع.
وفي ملف غزة، تظهر المراسلات أن ليخنر قدم معلومات مسبقة عن تحقيقات الأمم المتحدة.. ففي فبراير 2015، نقل رسالة داخلية من مكتب مفوض حقوق الإنسان تكشف موعد نشر تقرير لجنة التحقيق بشأن حرب غزة، مع التأكيد أن موعد النشر (حساس) ولم يكن من المفترض توزيعه.
وفي الشهر التالي، نقل مراسلات داخلية بين مسؤول أممي وصحفية في صحيفة (الجارديان) كانت تحقق في مزاعم عن تدخل (إسرائيل) في عملية أممية تهدف إلى إدراج الجيش الإسرائيلي ضمن الجهات المتورطة في انتهاكات حقوق الأطفال، كما حاول ليخنر تحديد مصدر التسريب داخل الأمم المتحدة، مرجحًا أن يكون من الأونروا أو مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.


من البعثة الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة
لا تقتصر أهمية القضية على المعلومات التي نقلها (ليخنر)، وإنما تمتد إلى الطريقة التي وصل بها إلى موقعه داخل الأمم المتحدة، فبحسب الأرشيف، لعب (بروسور) دورًا مباشرًا في دعم تعيينه في صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2014.
وفي يناير من ذلك العام، تواصل (بروسور) مع السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة آنذاك (سامانثا باور) بشأن طلب (ليخنر) لشغل وظيفة في العلاقات الخارجية، وأبلغها بأنه احتل المرتبة الأولى في المقابلات، طالبًا منها عدم الإشارة إلى ذلك صراحة لأن المعلومة جاءت من (مصادر داخلية).
كما طلب منها التحدث مع المدير التنفيذي للصندوق (باباتوندي أوسوتيمهين) لدعم تعيين (ليخنر).
وبعد ذلك قدم (بروسور) خطاب توصية سريًا وصف فيه ليخنر بأنه يتمتع بـ (ثقته المطلقة)، ومنحه أعلى التقييمات في الموثوقية والعمل الجماعي والنزاهة، وبحلول مايو 2014، أصبح (ليخنر) يعمل رسميًا في صندوق الأمم المتحدة للسكان.
لكن خلال أسابيع، عاد إلى تقديم المعلومات لبعثته الإسرائيلية السابقة، وفي مايو 2015، أعد نقاط حديث (لبروسور) للترويج له لمنصب داخل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصفته بأنه يتمتع بمهارات سياسية وتحليلية ممتازة.
ويعرف مواقف الدول الأعضاء بدقة، بل وورد في الوثيقة وصفه بأنه (ضابط استخبارات قيد التدريب) وأنه عمل مسؤولًا سياسيًا في السفارة الإسرائيلية في بريطانيا، ولا تقدم الرسائل المتاحة أدلة أخرى على أن ليخنر عمل أو تلقى تدريبًا كضابط استخبارات خلال تلك الفترة.
استمر (ليخنر) لاحقًا في العمل داخل منظومة الأمم المتحدة.. ففي عام 2016 شغل منصب الممثل المؤقت لصندوق الأمم المتحدة للسكان في بريطانيا، وبحلول 2019 كان يوصف بأنه مستشار أول في اليونيسف، ثم تولى أدوارًا مرتبطة بصورة مباشرة بالملف الإنساني في غزة، من بينها منصب المستشار الرئيسي للمنسق الأممي للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة.
وفي يونيو 2024، قال إنه زار واشنطن لمناقشة العمليات الإنسانية في غزة وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2720 مع مسؤولين أمريكيين. وفي مارس 2026، وصفته جامعة جورج واشنطن بأنه كان (في طليعة) المفاوضات مع الحكومة الأمريكية والتواصل مع الكونجرس وتنفيذ القرار.
ويشغل (ليخنر) حاليًا منصب مدير مكتب اليونيسف في واشنطن.،ولا يربط الأرشيف (بروسور) أو مسؤولين إسرائيليين آخرين بصورة مباشرة بتعيينه اللاحق في اليونيسف، كما لا يثبت استمرار السلوك الذي توثقه المراسلات بعد عام 2015.
ومع ذلك، فإن المفارقة تكمن في أن المعلومات التي تكشفها المراسلات القديمة تتصل بعدد من الملفات التي أصبحت لاحقًا ضمن نطاق مسؤوليات (ليخنر)، ومنها التعامل مع الكونجرس والدبلوماسية الإنسانية المتعلقة بغزة.

سؤال يتجاوز ليخنر
تتجاوز القضية في دلالاتها شخص (ليخنر) إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة الأمم المتحدة على حماية معلوماتها الحساسة وضمان استقلال موظفيها، فالقواعد الأممية تلزم الموظفين باعتبار مسؤولياتهم دولية وليست وطنية، وتحظر عليهم نقل المعلومات التي يحصلون عليها بحكم مناصبهم إلى الحكومات أو الجهات الخارجية.
ويؤكد الدبلوماسي الأممي السابق (تشارلز بيتري) أن السلوك الذي توثقه المراسلات محظور بموجب قواعد الأمم المتحدة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى ضعف آليات المساءلة داخل المنظمة عن تسريب المعلومات.
وتكشف القضية، وفق ما يورده التحقيق، عن نمط يتجاوز تسريب وثائق منفردة إلى الوصول إلى تقارير داخلية، واجتماعات مغلقة، ومسودات غير منشورة، ومداولات بشأن التعيينات وتحركات مسؤولي الأمم المتحدة، وقد وفرت هذه المعلومات، في بعض الحالات، للجانب الإسرائيلي فرصة للاستعداد المسبق للمواقف الأممية أو محاولة التأثير فيها.
وتقدم المراسلات ، بحسب التحقيق، حالة واضحة على توظيف شبكة علاقات مهنية سابقة للحصول على معلومات داخلية في مؤسسة دولية.
وفي النهاية، يمكن التأكيد على أن خطورة القضية تكمن في أنها تطرح سؤالًا يتجاوز التجربة الشخصية (ليهاف ليخنر)، وهل تمتلك المؤسسات الدولية آليات كافية لمنع تحويل المواقع الدولية إلى قنوات غير معلنة لخدمة المصالح الوطنية للدول؟
فما تكشفه هذه المراسلات، ليس مجرد تسريب معلومات، وإنما نموذج لاختراق مؤسسي يعتمد على العلاقات والنفوذ والوصول إلى المعلومات، وهو ما يجعل حماية استقلال الأمم المتحدة لا تتطلب قواعد مكتوبة فقط، بل آليات فعالة للرقابة والمساءلة، تضمن أن الموظف الدولي يعمل لمصلحة المؤسسة التي ينتمي إليها، ويحافظ على المعلومات التي اؤتمن عليها، بصرف النظر عن خلفيته الوطنية أو علاقاته السابقة.
كذلك يستوجب الأمر التأكيد على أن المنصات الصحفية الاستقصائية المستقلة، باتت تلعب في الآونة الأخيرة دورًا متزايدًا في كشف ممارسات (إسرائيل)، المثيرة للجدل، من خلال التحقيقات المعمقة وتسريب الوثائق وتتبع المعلومات التي قد لا تحظى بتغطية كافية في وسائل الإعلام التقليدية.
كما تسهم في كسر الروايات الرسمية، وتسليط الضوء على قضايا الانتهاكات والضغط السياسي وشبكات النفوذ الإسرائيلية داخل المؤسسات الدولية، بما يوسع نطاق النقاش والمساءلة على المستوى الدولي، وللحديث بقية.
للإطلاع على النص الكامل للتحقيق:
https://www.dropsitenews.com/p/for-your-eyes-only-israels-mole-inside