رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (22).. (خضرة الشريفة) وسعيدة

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (22).. (خضرة الشريفة) وسعيدة
تنفرد السيرة الهلالية بإخراج ما في العقل العربي عن المرأة ودورها في، ومكانتها في الحياة العربية

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

ينفرد فن التمثيل العربي بطبيعته الحسية، وترتكز جماليات هذا الفن في نقل ما في العقل من تصورات إلى واقع ممثل يستقبل بالحس عن طريق الصورة التمثيلية، وهنا يكون إدراكها أعم وأشمل، ويكون لها طبيعة مؤثرة في النفس البشرية، إذ أن المدرك الحسي له صفة التأثير الجمالي كما في قصة (خضرة الشريفة).

فإعادة خلق الواقع الخفي إلى واقع محسوس له أثر عند المُشاهَدة ونتذكر قول العالم الجليل عبد القاهر الجرجاني: (أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وأكسبها منقبة، ورفع من قدرها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقصر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا).

ومن هذه الجمالية تنفرد السيرة الهلالية بإخراج ما في العقل العربي عن المرأة ودورها في، ومكانتها في الحياة العربية ، ومن يبحر في السيرة الهلالية سوف يلحظ أن تلك السيرة معظم أبطالها من النساء ذو المكانة والرأي مثل قصة (خضرة الشريفة).

وعندما نتعرض لديوان المواليد نجد أن بطلة هذا الديوان، هى (خضرة الشريفة)، برغم من وجود الأبطال الرجال: (رزق بن نايل، الملك سرحان، القاضي فايد، بدير.. إلخ، ولكن (خضرة الشريفة) بمفردها وقفت في وجه جميع رجال الهلايل، وهزمتهم نفسيا واجتماعيا.

وصنعت بسلوكها النفسي والاجتماعي صورة مغايرة لصورة المرأة التي في عقول بعض رجال القبيلة الهلالية، ونسوق مثالا: فعندما رأى القاضي فايد الطفل الوليد أسمر ظهرت صورة المرأة عنده كالتالي:

هما الاتنين

الشاعر (ماله علي بعض القاضي وغانم)

جال القاضي سبحان الله

جال القاضي سبحان الله

أهي حاضرة رجال الهلايل

مثل الوجه ده فينا ما راناه

لا لون خضرة ولا لون ابن نايل

يعني جايبة الواد أسمر اللون

باين من عبيد الجلايب

سبحان من عمر الكون

عشنا ورأينا العجايب

جوم غانم جاله

يا قاضي ما تلومش عليها

الشاعر: (شوف غانم يعمل الفتنة الفتنة وعرة جوي)

جاله غانم ما تلومش علي

ما جعدتها بلا عيال طالت

واصل يا قاضي الرازق جاعد حي

يمكن أنها خضرة للعبد مالت

فجال القاضي

جال القاضي يا سلام علي فعل النسا ده يغير الحي

الشاعر ( يغير اللحي يعني قال يعني

جال فعل النسا يغير الحي

أمع البعيد والجرايب

يجدر يتحزموا بالحنش حي

ويتعصبوا بالعجارب

بيحي القاضي وغانم الاتنين

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (22).. (خضرة الشريفة) وسعيدة
صورة المرأة في نظرهم شيء آخر

النظرة الضيقة للمرأة

ونرى من الصورة التمثيلية  السابقة، النظرة الضيقة للمرأة عند القاضي فايد وغانم، فقد اتهموا (خضرة الشريفة) في شرفها، ولكن صورة المرأة في نظرهم شيء آخر، فقال فايد: فعل النسا يغير الحى أي لحية الرجل، من سوداء لبيضاء مثلا، والآخر قال: ما قعدتها بدون عيال طالت، بمعنى اشتاقت للخلفة.

ويزيد فايد على قول غانم: أن المرأة من طبعها أنها كالحنش (الثعبان) والعقارب، وهذه صورة المرأة عند بعض رجال الهلايل.

وننتقل إلي صورة المرأة عند غانم أخو رزق ونرى:

عزجل جاله فين يا مجنون ولدك

عزجل جاله يا خوي فين والدك

عيشنا ورأينا العجايب

ده أنت جبت ظفار لبلدك

ده جيباه من عبد جلايب

آه يا عين..

دي جايبه الولد أسمر اللون

لا لونك ولا لون الشريفة

يبجي فين ولدك يا مجنون

وهذه صورة أخرى للمرأة  بأنها خائنة، ولكن عند الملك سرحان الصورة مختلفة

سرحان: حلف يمين يا عزجل لتمشي

وتاني ما تبجي في ديواني

جولك عندي ما نفعشي

مدام تعيب فيه في مكاني

جاله أمشي يا ابن الردي

اب يمين ما تجعد معانا

مدام تعيب في الولية

شريفه وعرضها أمانة

ولكن عندما نرى ماذا فعلت (خضرة الشريفة) في مواجهة هذه الصورة المتنوعة  في عقول بعض رجال قبيلة بني هلال والتي خرجت من نفوسهم، نجد أن (خضرة الشريفة)، قدمت صورة المرأة العربية الحقيقية في مواجهة هؤلاء الحمقى، وبدأت بزوجها رزق بن نايل:

فكيف عبد غيري يا خضره يعلي لجعفري

فردت عليه

ردت عليه خضرة الشريفة تجاوبه

أنا شريفة

أنا شريفة ومن قريش علي نقا

وايه وصله ذا العبد يعلي جعفري

وايه وصله ذا العبد يدخل كرمنه

وكرمنا عالي وضربه حنظلي

فعجبي علي رجل يعارض خالقه

(شوف خضره بتجول ايه )

عجبي علي رجل يعارض خالقه

اذا ما خلق بعوضه أو جمل

انا شريفه يا رزق وجايه علي ناقة

فكيف عبد غيرك يا رزق يعلي لجعفري

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (22).. (خضرة الشريفة) وسعيدة
واجهت (خضرة الشريفة) زوجها رزق بن نايل بالحكمة والشجاعة

المرأة العربية الحرة

لقد واجهت (خضرة الشريفة) زوجها رزق بن نايل بالحكمة والشجاعة، وأخدت تحلل له الموقف بعقلية حكيمة، وذكرته أنها شريفة، وهى من قبيلة قريش العربية، والمرأة العربية الحرة لا تفعل هذا الفعل، ثم راحت تحاور رزق بن نايل، وراحت تذكره بقدرة الله سبحانه وتعالى.

وقالت عجبي على رجل يعارض خالقه إذا ما خلق بعوضة أو جمل، فهذا خلق الله، ولا تعترض يا رزق، ثم ذكرته بطبيعتها كامرأة عاشرته ويعرف طبعاها جيدا وسلوكها، وتساءلت في دهشة: كيف عبد غيرك يا رزق، يا فارس العرب يقترب منى، بل كيف هذا وأن تعرف طباعي.

وقالت: أتشك يا رزق في هذا؟.. فكيف هذا يا رزق، فمن هذا العبد الذى يعلى لجعفري (أي يقترب منى)، وكرمنا عالي وضربه حنظلي، أي شرفنا عالي جدا وغالي ومن يقترب  منه يذوق المرار بطعم الحنظل.

وهذا النقاش واجهت به (خضرة الشريفة) جميع رجال الهلايل في مناقشتها لرزق، ولذلك عند خروجها من النجع وقفت في وجه سرحان ورجال الهلايل وقالت:

خضرة جالت يا أمير سرحان

خضرة اللي جالت يا سرحان

إمعاي إله البراية

ومدام تهمونا العربان

ولا زول يطلع ورايا

لقد هزمت جميع الرجال، ورفضت أن يخرج معها أي رجل من رجال القبيلة لحراستها هى وطفلها، وهم من اتهموها وشردوا بها، ومن هذا نستنبط صورة البطولة الحقيقية للمرأة العربية في مواجهة القبيلة، لقد انتصرت المرأة العربية لشرفها وعزتها وكرامتها، وقد وقفت جميع نساء الهلايل مع خضرة، ولم يفعلوا فعل الرجال، حتى الخادمة سعيدة، وقفت في وجه رجال الهلايل، وقالت:

تاريها سعيد هدي واخده البال

زوجة نجاح خدمة الشريفة

وقفت ما بين الرجال

حمول البلي مش خفيفة

جالت يا نجاح اجعد وارتاح

جالت يا نجاح خليك مرتاح

وما شية في جبالنا وشريفة

طب انت مع رزق يا نجاح

وأنا راحله مع الشريفة

وموقف الخادمة سعيدة يعد انتصار آخر للمرأة داخل مجتمع قبيلة بني هلال، وبهذا نرى موقف البطولة النسائية داخل المجتمع العربي، فقد أخرج فن التمثيل الصورة الحسية للمرأة العربية ، وقارنها ما بين صورة المرأة عند بعض الرجال، وصورة المرأة في تصرفها كامرأة تدافع عن نفسها بالدين والحكمة، والتصرف والسلوك.

وهكذا نتعرف على صورة المرأة وتعبيرها عن نفسها داخل المجتمع العربي، لقد انتصرت (خضرة الشريفة) على رجال الهلايل عندما اتهموها في شرفها وانتصرت عليهم مرة ثانية عندما أصبح ابنها أبو زيد الهلالي زعيم القبيلة وفارسها المغوار.

وهذه الزعامة والفروسية نتيجة تربية (خضرة الشريفة) له، وهكذا قدمت لنا السيرة الهلالية المكانة الحقيقية لصورة المرأة في المجتمع العربي بشكل حسي تمثيلي، يظهر للحواس ليدركه الذهن، ونشعر معه بقيمة المرأة الجمالية في البطولة والشجاعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.