* المخرج الكبير يكشف مفاجآت المشروع: عمرو سعد منتج وليس بطلًا.. وكل جزء له نجومه وحكايته!
* الرواية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ نجيب محفوظ تتحول إلى مسلسل.. ومحمد ياسين يضع شرطه!


حاوره الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
بعد غياب استمر نحو أربع سنوات عن الدراما التلفزيونية، منذ أن قدم مسلسل (المشوار) بطولة محمد رمضان، يستعد المخرج المبدع (محمد ياسين) للعودة إلى الشاشة من خلال مشروع درامي ضخم يحمل عنوان (أولاد حاراتنا)، والمأخوذ عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ، في خطوة تبدو منذ الإعلان عنها محملة بالكثير من الأسئلة والتحديات.
فالرواية التي ينطلق منها المشروع ليست عملًا أدبيًا عاديًا.. إنها واحدة من أكثر روايات نجيب محفوظ إثارة للجدل، وأكثرها تعقيدًا على مستوى البناء الرمزي والفكري، بما تحمله من صراعات ممتدة عبر أجيال، وأسئلة وجودية وفلسفية، ورموز دينية وإنسانية، جعلتها منذ ظهورها في خمسينيات القرن الماضي واحدة من أكثر الأعمال الأدبية إثارة للنقاش.
ومن هنا، فإن تحويل هذا العالم إلى مسلسل تلفزيوني يبدو بمثابة مغامرة فنية كبيرة، تحتاج إلى مخرج يمتلك القدرة على التعامل مع النص بعيدًا عن المباشرة، ويعرف كيف يحول الرموز الأدبية إلى شخصيات درامية نابضة بالحياة.
وهنا يأتي اسم (محمد ياسين..) المخرج الذي عرفه الجمهور من خلال أعمال مثل: (أفراح القبة، موجة حارة، الجماعة، المشوار)، والذي ارتبط اسمه دائمًا بالمشروعات التي تبحث عن لغة بصرية مختلفة، وتولي اهتمامًا خاصًا بالتفاصيل والشخصيات والبناء الدرامي.

عمرو سعد كمنتج
لكن هذه المرة يبدو التحدي أكبر.. فهو أمام نص أدبي شديد الحساسية، له تاريخ طويل من الجدل، وأمام مشروع لن يقدم الرواية في عمل واحد، وإنما في مجموعة من الأجزاء، لكل جزء أبطاله ونجومه، وهو ما يفتح الباب أمام تجربة درامية مختلفة عن الشكل التقليدي للمسلسلات.
وفي أول تصريحاته عن المشروع، خص المخرج (محمد ياسين) بوابة (شهريار النجوم) بتفاصيل جديدة حول المسلسل، موضحًا أن التحضيرات لا تزال في مراحلها الأولى.
وقال (محمد ياسين): نجهز حاليًا أنا والفنان عمرو سعد كمنتج لهذا العمل الفني الضخم، الذي سيتكون من مجموعة من الأجزاء، وكل جزء سيكون له نجومه وأبطاله، خاصة أن الرواية مليئة بالأحداث والشخصيات والصراعات على مدى سنوات طويلة، ونحن الآن في المراحل الأولى، وما زال المشوار طويلًا).. وهذا التصريح يكشف عن واحدة من أبرز مفاجآت المشروع.
ويبدو أن هناك تصورًا مختلفًا تمامًا للعمل، يعتمد على توزيع البطولة بين الأجزاء، بحيث يصبح كل جزء عالمًا دراميًا مستقلًا داخل الحكاية الكبرى، وهو ما يمنح صناع المسلسل مساحة واسعة لاختيار النجوم وفقًا لطبيعة كل مرحلة وشخصياتها.
وأوضح (محمد ياسين): (الفنان عمرو سعد هو منتج المسلسل، وليس بطله كما يعتقد الجميع، والمعالجة النهائية هى التي ستكون المرجع النهائي لشكل البطل، ولشكل الأدوار في كل جزء، خاصة أن الموضوع كبير وثري، وكل جزء يحمل بطلًا).
وهنا يبدو أن المسلسل قد يحمل مفاجآت كبيرة في اختيار أبطاله، خصوصًا أن الرواية نفسها تمتد عبر أجيال وشخصيات متعددة، وهو ما يسمح ببناء عالم درامي واسع، لا يعتمد على بطل واحد بقدر اعتماده على الحكاية نفسها.

عالم بصري يليق بنجيب محفوظ
أما السؤال الذي ينتظره الجمهور، فهو: هل يكون (أولاد حاراتنا) حاضرًا في موسم رمضان 2027؟.. إجابة (محمد ياسين) جاءت حاسمة: (ليس شرطًا، وموضوع هذا المسلسل تحديدًا ماينفعش يبقى في حسبة رمضان).
ويشرح المخرج وجهة نظره قائلًا: (رمضان سيف على الرقاب، ويتطلب العمل فيه السرعة والإنجاز، لكننا في هذا العمل قررنا أن يأخذ وقته في التجهيز والتصوير، ويعرض وقت ما يجهز فنيًا تمامًا، بإذن الله، وأفضل أن يكون في موسم الشتاء).
تصريح ياسين يحمل رسالة واضحة.. فالمشروع بالنسبة إليه ليس سباقًا مع موعد عرض، ولا محاولة للحاق بالموسم الرمضاني بأي ثمن.
بل هو عمل يحتاج إلى وقت.. وقت للكتابة.. ووقت للمعالجة.. ووقت لاختيار الممثلين.. ووقت لبناء عالم بصري يليق بعالم نجيب محفوظ.
وربما لهذا السبب يرى (محمد ياسين) أن موسم الشتاء سيكون أكثر ملاءمة لعرض العمل، بعيدًا عن ضغط المنافسة الرمضانية وكثافة الإنتاج.
ولا يخفي محمد ياسين حجم التحدي الذي يواجهه المشروع، مؤكدًا أن المسلسل سيكون اختبارًا حقيقيًا لكل من سيشارك فيه.
وقال إن (المسلسل تحدٍ حقيقي لكل من سيعمل فيه)، معربًا عن أمله في أن يظهر بالشكل الفني المتميز الذي يتناسب مع شهرة رواية (أولاد حارتنا)، وما أثارته من لغط وجدل منذ نشرها وحتى اليوم.
وهنا تكمن أهمية المشروع.. فالمسلسل لا يتعامل مع رواية عادية، بل مع نص أدبي يحمل إرثًا ضخمًا من النقاش والجدل.

واحدة من أكبر المعارك الأدبية
نشرت رواية (أولاد حارتنا) للمرة الأولى مسلسلة في جريدة (الأهرام) عام 1959، ثم صدرت في كتاب عن دار الآداب في بيروت عام 1962.. ومنذ ظهورها، أثارت الرواية جدلًا واسعًا بسبب بنيتها الرمزية، وما اعتبره البعض إسقاطات على قصص الأنبياء، وتجسيدًا رمزيًا لشخصيات دينية من خلال أبطال الرواية.
وتدور الأحداث في حارة يسيطر عليها (الجبلاوي)، الشخصية المحورية التي تمثل مركز السلطة والقوة، ومن خلال صراعات الحارة وأجيالها تتوالى حكايات الخير والشر والعدل والظلم والعلم والجهل.
وكان الجدل حول الرواية سببًا في منع تداولها رسميًا في مصر لفترات طويلة، قبل أن تتاح طباعتها وتداولها لاحقًا، خصوصًا بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الأدب.. فقد تعرض نجيب محفوظ لتهديدات من جماعات متطرفة، وفي عام 1994 تعرض لمحاولة اغتيال أصيب خلالها بطعنة في الرقبة، في حادثة ارتبطت بالتحريض ضده بسبب أفكاره وأعماله الأدبية.
وهكذا أصبحت (أولاد حارتنا) أكثر من مجرد رواية.. فقد تحولت إلى جزء من تاريخ الأدب العربي الحديث، وإلى عمل ما زال يثير الأسئلة حول العلاقة بين الأدب والرمز والدين والمجتمع.
تبدأ الرواية من حكاية (أدهم)، ابن (الجبلاوي)، الذي يتعرض للطرد من قصر أبيه بتحريض من شقيقه إدريس، ومن هنا تبدأ رحلة طويلة داخل الحارة.. ثم تتوالى الأجيال والحكايات.. ويظهر جبل رمزًا للعدل والمقاومة.. ثم رفاعة الذي يدفع حياته ثمنًا للصراع.. ثم قاسم الذي يحمل مشروعًا للخلاص وإعادة بناء المجتمع..
وأخيرًا يأتي عرفه، الذي يمثل العلم والمعرفة، ويقدم نموذجًا مختلفًا في مواجهة الأسطورة والقوة.
ومن خلال هذه الشخصيات، يبني نجيب محفوظ عالمًا رمزيًا واسعًا، يمكن قراءته على مستويات متعددة؛ دينية واجتماعية وسياسية وفلسفية.
وهنا تحديدًا يكمن التحدي أمام (محمد ياسين).. كيف يمكن تحويل هذه الرموز إلى دراما؟.. كيف يمكن الحفاظ على روح الرواية دون الوقوع في فخ التفسير المباشر؟.. وكيف يمكن تقديم عمل جماهيري قادر على الوصول إلى المشاهد، وفي الوقت نفسه يحافظ على العمق الفكري للنص؟

قيمة النص الأدبي
بعد أربع سنوات من الغياب عن الدراما التلفزيونية، تأتي عودة (محمد ياسين) من خلال مشروع شديد الحساسية، لكنه في الوقت نفسه يبدو مناسبًا تمامًا لطبيعة تجربته الإخراجية.
فالمخرج الذي قدم أعمالًا تعتمد على تعدد الشخصيات، وتشابك العلاقات، والعمق النفسي، يجد نفسه اليوم أمام رواية تسمح له ببناء عالم درامي واسع، تتغير فيه الشخصيات والأبطال، بينما تظل الحارة هي الشخصية الكبرى التي تجمع الجميع.
لكن الطريق لن يكون سهلًا.. فـ (أولاد حارتنا) ليست مجرد رواية شهيرة يمكن نقلها إلى الشاشة.. إنها نص يحمل ذاكرة ثقيلة من الجدل.
ولهذا، فإن نجاح المشروع لن يقاس فقط بنسب المشاهدة، وإنما بمدى قدرة صناع العمل على تقديم معالجة درامية تحترم قيمة النص الأدبي، وتدرك حساسيته، وتمنحه حياة جديدة على الشاشة.
بالتأكيد (محمد ياسين) يعرف أن المهمة صعبة.. وعمرو سعد، بحسب ما كشفه المخرج، يقف خلف المشروع كمنتج، بينما تظل هوية أبطال الأجزاء مفتوحة على مفاجآت عديدة.. أما العرض، فلن يكون بالضرورة في رمضان.. فالعمل، كما يقول مخرجه، (ماينفعش يبقى في حسبة رمضان).
وربما تكون هذه الجملة هى المفتاح الحقيقي لفهم المشروع كله، فـ (أولاد حارتنا) تحتاج إلى وقتها.. و(محمد ياسين) يبدو مستعدًا لأن يمنحها هذا الوقت.
وبين حارة نجيب محفوظ.. وعدسة محمد ياسين.. وإنتاج عمرو سعد.. يبقى السؤال الأكبر: هل تنجح الشاشة في فك شفرات (أولاد حارتنا) وتحويل واحدة من أكثر روايات نجيب محفوظ إثارة للجدل إلى ملحمة درامية جديدة، أم أن ألغام الرواية ستظل أكثر قوة من أي معالجة تلفزيونية؟
الإجابة لن تكون في رمضان بالضرورة.. لكن يبدو أن (أولاد حاراتنا) بدأت بالفعل رحلتها نحو الشاشة، وهذه المرة في مشروع يقول صاحبه بوضوح: المشوار طويل.. والتحدي أكبر.