رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (31).. الملك (سرحان)، وجمالية الحاكم

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (31).. الملك (سرحان)، وجمالية الحاكم
لم يكن فقط للحكم والمشورة بالنسبة للملك (سرحان)، بل كان مكانا  يستشف منه بواطن الأمور

بقلم الباحث المسرحي: كمال زغلول

يتعرض ديوان المواليد في السيرة الهلالية ، إلى نظام الحكم داخل المجتمع الهلالي، والطريقة التي يتصرف بها حاكم هذا المجتمع ، ونرى أن نظام الحكم كان ملكيا، وكان الفارس (سرحان) هو ملك هذا المجتمع، ولكن ما شخصية هذا الملك؟ وما هي الرسالة التي تحملها السيرة عن هذا النظام الملكي؟

ونذكر أن الفنان الشاعر يتعامل مع الجمهور عبر الجاهز الحسي (الحس – الذهن – الشعور)، وقد قدم صورة الملكية لكي يستشعر الجمهور جمالية الشخصية الملكية ، في تفكريها الذي ينعكس سلوكا وسياسات لنظام ملكه، وأول ما نلحظ في شخصية الملك (سرحان)، صفة الفروسية، وهى الصفة المؤثرة في المجتمع الهلالي والعربي بشكل عام.

ونجد أن نظام ملكه يعتمد على الشورى بين رجال الهلايل  فهو له ديوان يجتمع فيه أصحاب الرأي والمشورة من كبار رجال الهلايل وفرسانها، ولكن هذا الديوان لم يكن فقط للحكم والمشورة بالنسبة للملك (سرحان)، بل كان مكانا  يستشف منه بواطن الأمور، ويتعرف فيه على عقلية الرجال ونفوسه، من خلال المناقشات التي تدور فيه، وكان اجتماعه في الديوان يتم بسلاسة.

ولكن إلى أن رأى وسمع السفالة والخسة ، فهو لم يرى أخلاق الفرسان في المجلس، وأعراف العرب، بل رأى حرب رخيصة تدار للوقيعة برزق بن نايل، والقضاء عليه، وهذا ليس من طبع الفرسان ، فالفارس يحاربه الفارس بقوة الرأي والأخلاق ، وراقب الموقف ونظر إلى القاضي وقوله:

أهي حاضره رجال الهلايل

مثل الوجه ده فينا ما رأيناه

لا لون خضره ولا لون ابن نايل

يعني جايبه الواد أسمر اللون

باين من عبيد الجلايب

سبحان من عمر الكون

عشنا ورأينا العجايب

لقد أنتظر الملك (سرحان) رد رجال المجلس على القاضي، وراح يراقب أكثر ورأى قول غانم:

جاله غانم ما تلومش علي

ما جعدتها بلا عيال طالت

وأصل يا قاضي الرازق جاعد حي

يمكن إنها خضرة للعبد مالت

إلي أن رأى فعل عزجل أخو رزق:

ده أنت جبت ظفار لبلدك

ده جيباه من عبد جلايب

دي جايبه الولد أسمر اللون

لا لونك ولا لون الشريفة

يبجي فين ولدك يا مجنون

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (31).. الملك (سرحان)، وجمالية الحاكم
ينتفض الملك (سرحان)، لقد رأى الخسة والنذالة والانحطاط، في رجال يمثلون مجلس حكمة

الخسة والنذالة والانحطاط

وفي هذه اللحظة ينتفض الملك (سرحان)، لقد رأى الخسة والنذالة والانحطاط، في رجال يمثلون مجلس حكمة، وشعر أن هؤلاء الرجال يمثلون خطر كبير على مجتمع بني هلال، فهذا الموضوع لم يكن يستهدف ابن نايل فقط، بل يستهدف كل قبيلة بني هلال، فأول قرار يتخذه طرد عزجل أخو رزق، الفارس رمز القوة، حتى يتضع سيطرته على المجلس:

سمعوه سرحان جام علي القدامين

سرحان: جال يا غزجل والله عايب

رجل اصيل الجد القديمين

سرحان كان مالك العرايب

سرحان: حلف يمين يا عزجل لتمشي

وتاني ما تبجي في ديواني

جولك عندي ما نفعشي

مدام تعيب فيه في مكاني

جاله امشي يا أبن الردي

اب يمين ما تجعد معانا

مدام تعيب في الوليه

شريفه وعرضها مانه

طرد عزجل الملك سرحان

وجاله يا رزق ما تخلي بالك

عزجل يا رزق كان فيك طمعان

كان طمعا نده في ورث مالك

وبالطبع بطرد عزجل ، أنزوى القاضي جانبا خائف من أفعال الملك (سرحان)، ومعه غانم، ولم يتدخلوا للدفاع عن الفتنة التي دبراها، وهذا طبع الجبناء ذوى النفوس الخبيثة، وبطرد الفارس عزجل رمز القوة في القبيلة، يستتب الأمر ويتحكم الملك سرحان في زمام الأمور.

ويبدأ في الدفاع عن عرض خضرة ، لأنه رأى أن هذه القضية لا تمس خضرة بمفردها، بل يمكن أن تحدث مع أي امرأة من نساء القبيلة، من خلال الحروب الرخيصة، وذهب إلى بيت رزوق وقال: 

وجال يا رزق

ما أنا جولتلك ما تبعش عزجل ابن الرديه

خبر أيه يا رزق مالك

ده سبب ما عاب في الوليه

ده كان طمعان في ورث مالك

ولكن رزق يرد :

فجال رزق خلاص يا سرحان نفسي ما جبلاش

تاخد ولدها وترحل من حدانا

مولانا بالذل ما رضاش

ماليها عندي غير الإهانة

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (31).. الملك (سرحان)، وجمالية الحاكم
التدخل الودي من قبل الملك (سرحان) لم يحل المشكلة بين رزق وزوجته

يتصرف سرحان بصفته الملك

وهنا يتغير الموقف تماما، فالتدخل الودي من قبل الملك (سرحان) لم يحل المشكلة بين رزق وزوجته، وهنا يتصرف سرحان بصفته الملك ، ويبدأ في التعامل  مع رزق بأوامر صارمة تنفذ، صحيح رزق صديق سرحان، ولكن قضية الشرف والعرض، هى قضية كل نساء بني هلال، ولابد فيها من الصارمة ويحكم على رزق:

سرحان جله يا أخي ليها رب موجود

شريفه ولازم نحفظوها

أميره أصيله الجدود

وانا أعطيها رجال يعزموها

ولكن يا رزق أجمع المال

علشان نعطي حج الشريفة

وتشهد أكابر بني هلال

كان سرحان غروضه نظيفة

لقد حكم الملك (سرحان) على رزق بأن تأخذ خضرة وابنها نصيب من مال رزق، وهو حق لها ولولدها، وأن يتم هذا أمام أكابر بني هلال، حتى يعرف الجميع أن خضرة بريئة ، وأن ما حدث لم يكن سوى فراق بينها وبين زوجها، ولكن حدث شيء غريب بين رجال الهلايل.

لقد امر سرحان بأن يقوم رجل من رجال الهلايل ويقترع (أي يقوم بعمل قرعة على المال ليخرج نصيب خضرة وولدها) وخافوا من الظلم أو الجور على خضرة، ولكن يلمح (سرحان) رجل درويش كان يمر على القبيلة فقال له أن يقوم بعمل القرعة ووافق الدرويش ، ونشاهد هذا في المشهد التالي:

فجال سرحان الحمد لله

شريفه ورزق الي أذاها

لما يريد الكريم في علاه

أهو ده اللي يرضي الوليه وضناها

سرحان جاله تعالي يا درويش

خد الجرعه واضرب بايدك

كلام جد لم فيه تبكيش

رائيك يا شيخ زين فينا

فمسك الجرعه

شوف مسك الجرعه الشيخ وضربها في المال

لا نقص ولا زيادة

جاب لها مال رزق يمين وشمال

وجاب من مال سرحان حاجه

يا عين.. آه آه

وضرب الجرعه وجاب لها المال كله

وحاضره جميع الهلاليل

جوم قال سرحان والله ده فعل في محله

ورضيت جميع الهلاليل

جابوا المال ده لخضره كله

وكل العرب ينظروها

حمل تجيل ده ومين يدله

جال سرحان حنعزموها

خضره جالت يا أمير سرحان

خضره اللي جالت يا سرحان

امعاي إله البرايه

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والإبداع الشعبي (31).. الملك (سرحان)، وجمالية الحاكم
رزق بن نايل تسبب في إيذاء خضرة (فجال سرحان الحمد لله .. شريفه ورزق الي أذاها)

رزق تسبب في إيذاء خضرة

ومن المشهد نلاحظ أن (سرحان) يعترف قبل عمل القرعة، بأن رزق بن نايل تسبب في إيذاء خضرة (فجال سرحان الحمد لله .. شريفه ورزق الي أذاها)، لقد أقر الملك (سرحان) بأن خضرة بريئة وأن زوجها رزق مخطئ وتسبب في أذيتها، وهى بريئة من هذه  الحرب الرخيصة، ورد لها كرامتها وصان عرضها، وهو بهذا الفعل يكون صان عرض نساء قبيلة بني هلال.

ولكن الأهم من هذا ، بالنسبة للملك (سرحان)، هو الحفاظ على أمن المجتمع، لقد رأى وسمع من بعض كبار رجال الهلايل، كيف يدبرون المكيدة ويصنعون الفتنة، وهم متخفيين وراء نفوس حاقدة، فاستشعر الخطر، وتساءل أهؤلاء الأكابر، أصحاب الرأي والمشورة أمناء على مجتمع بني هلال؟، بالطبع لا، لقد ظهرت الخسة والنذالة أمامه.

لقد حارب هؤلاء الأكابر رزق حرب رخيصة جدا، والأدهى أنهم لم يحاربوا رزق بذاته بل حاربوا زوجته، وهذه ليست أخلاق رجال المشورة، لقد تخلص (سرحان) من هؤلاء بسرعة، ولم يستطيعوا الوقوف أمامه لأنهم جبناء، ليس لهم حجة، ولم يكتفى بهذا بل رأى أن رزق وهو صديقة مخطئ في حق زوجته، وأعلن أمام الجميع.

هذا، وبهذا قدمت السيرة صورة للحاكم القوى صاحب المبادئ والرؤيا الرشيدة، وقدمت صورة النفوس المتلونة والملتوية وحذرت منهم داخل أروقة الحكم، وأنه يجب التخلص من أمثال هؤلاء، حتى يستقيم الحكم، وبهذا تكون العربية بمسرحها من أوائل  المسارح الذي يلقي الضوء على جمالية الحاكم وحكمه.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.