
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
تعلمنا من العالم الجليل (عبد القاهر الجرجاني) معنى وجمالية فن التمثيل، ويذكر الجرجاني أن هذا الفن من الفنون الجمالية المحببة للنفوس ويقول (إذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابا وعللا كل منها يقتضي أن يفخَّم المعنى بالتمثيل وينبَّل، ويشرَّف ويكمَّل، فأول ذلك وأظهره أن أُنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها مما يدرك بالعقل إلى الإحساس، ومما يعلم بالفكر، إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع.
وقد نقل لنا شاعر السيرة الهلالية عز الدين نصر الدين – رحمه الله، في سرده لعرض ليلة من ليالي السيرة الهلالية شخصية من أنبل الشخصيات ، وأخرجها تمثيلا إلى الحواس لتدرك ذهنيا وجماليا ، وهي شخصية (الملك سرحان)، هذا الملك الفارس النبيل الذى وقف بفروسية وشهامة بجانب (خضرة الشريفة)، وكشف لرزق المكيدة التي تحاك ضده، ولم يترك الشريفة حتى أتى لها بحقها وحق وليدها، ونرى بداية المؤامرة من خلال نص السيرة ونسوق مثال بالمشهد الأول ، عندما حضر نجاح الطفل الوليد (أبو زيد بن رزق )لديوانالملك سرحان لكي يعرفه الهلايل ويطلقوا عليه اسمه وأبيه حاضر ، ونشاهد ما فعله (الملك سرحان):
فدلي الواد جدام سرحان
دلي الغلام جدام سرحان
سرحان: جال يا رزق ربك عطالك
شافوا الملك والجلب فرحان
جال تو يا رزق اتعدل حالك
طلعله الملك الف دينار
جال نقوط لنسل نايل
فرحوا بيه كبار وصغار
جام العرب هنوا ابن نايل
لف بيه علي الجمع كله
الشاعر : خد بالك من الرواية
لقد فرح (الملك سرحان) لرزق ، وقال ربك عطاك ، والأن قد أنعدل حالك يارزق بعد ما كان ليك نسل ذكور ، ولكن المكيدة والمؤامرة تظهر من عزجل أخو رزق في المشهد التالي:
عزجل:جاله فين يا مجنون ولدك
عزجل جاله يا خوي فين والدك
عيشنا وراينا العجايب
د ه انت جبت ظفار لبلدك
ده جيباه من عبد جلايب
اة يا عين..
دي جايبه الولد اسمر اللون
لا لونك ولا لون الشريفه
يبجي فين ولدك يا مجنون
حمولالبلاء مش خفيفه

مقتل نفسي عميق
ونرى مدى الألم والجرح الذي سببه عزجل لأخيه أمام الجميع ، فقد أصابه في مقتل نفسي عميق ، فلم ينجب رزق سوى ابنته شيحة من زوجة سابقة على حضرة، وعاش عشر سنوات مع خضرة بلا إنجاب ، حتى أنجب هذا الطفل ، وانهار رزق بن نايل ، ولكن ينتفض (الملك سرحان)، لهذا الموقف وحاول رد الاعتبار إلي خضرة الشريفة وإبعاد هذه الشبهة عنها ، في فروسية وشهامة عربية ، ونرى المشهد التالي:
سمعوه سرحان جام علي القدامين
سرحان: جال يا غزجل والله عايب
رجل اصيل الجد القديمين
سرحان كان مالك العرايب
سرحان: حلف يمين يا عزجل لتمشي
وتاني ما تبجي في ديواني
جولك عندي ما نفعشي
مدام تعيب فيه في مكاني
جاله امشي يا أبن الردي
اب يمين ما تجعد معانا
مدام تعيب في الوليه
شريفه وعرضها مانه
ونلحظ الجمالية العربيةفي طبيعة (الملك سرحان) في قوله شريفة وعرضها أمانة ، إن (الملك سرحان) يذكر بأن عرض خضرة الشريفة أمانة في رقبته ورقبة القبيلة بأكملها، ومن هنا تظهر مكانة المرأة عند (الملك سرحان)، فلا اتهام بلا دليل وحينها يصبح عرض المرأة أمانه عنده ، ولا يجوز خيانة هذه الأمانة ، فلأول مرة نرى قول أمانة عرض المرأة في عرض مسرحي، ولا يكتفي سرحان بهذا بل يكشف المؤامرة:
طرد عزجل الملك سرحان
وجاله يا رزق ما تخلي بالك
عزجل يا رزق كان فيك طمعان
كان طمعا نده في ورث مالك
اوعي تفكر يا رزق ده كلام (الملك سرحان) جاله اعلم ان عزجل ده مقصدة انه اية يدخل معاك الشك والكلام اللي ما يلزش ده علشان ياخد مال اخوه فا متبعهوش في كلامه ده:
اعلم إنه عزجل
عزجل ده فيك طمعان
وكان عشمه يورث لمالك
سبب ما قال في حق النسوان
خبر إيه يا رزق مالك
ويكشف (الملك سرحان) أن ما قاله عزجلفي حق خضرة هو الطمع في ميراث رز ، وعندما أراد رزق طرد حضرة من النجع وقف وتصدى له الملك سرحان :
وهما بيحوا مع بعض الاتنين
رزق ابن نايل والشريفه
يا سامعين صلوا علي الزين
حمول البلي مش خفيفه
الا وتاري جاي وراه الملك سرحان
(شوفوا الملك سرحان راجل زين )
( جاي وراء رزق الا وشاف المنظر ده رزق عما يجول لخضره ارحلي وهي بترد عليه، ولكن لم تلجي صدار معا هالا وحضر الملك سرحان وجال يا رزق )
وجال يا رزق
ما انا جولتلك ما تبعش عزجل ابن الرديه
خبر ايه يا رزق مالك
ده سبب ما عاب في الوليه
ده كان طمعان في ورث مالك
فجال رزق خلاص يا سرحان نفسي ما جبلاش
تاخد ولدها وترحل من حدانا
مولانا بالذل ما رضاش
ماليها عندي غير الاهانه
وعندما شعر الملك سرحان ، برفض رزق بقاء خضرة ، وقف بجانبها:
سرحان جله يا اخي ليها رب موجود
شريفه ولازم نحفظوها
اميره أصيله الجدود
وانا أعطيها رجال يعزموها
ولكن يا رزق اجمع المال
علشان نعطي حج الشريفة
وتشهد أكابر بني هلال
كان سرحان غروضه نظيفة

تحمل أمانة خضرة
ومن هذا المشهد نرى جمالية الشخصية الخاصة بالملك سرحان فقد تحمل أمانة خضرة الغريبة عن مجتمع نجد، ووصفها بأنها شريفة ويجب حفظها حتى تصل إلي أهلها، ولتكريمها أكثر أمر بأن يجمع مال رزق ، وتأخذ خضرة الشريفة وابنها نصيبهم من المال، وبذلك حفظ لخضرة الشريفة عرضها ، وحفظ نسب الطفل لأبيه رزق ، وكأن الموضوع طلاق فقط، والعجيب أن رزق يوافق، على هذا الرأي مما يدل على عدم اتهامه أو شكه في خضرة ، بل ما يعاني منه ألم نفسي دفين.
ونرى الملك سرحان يجلب المال لخضرة عن طريق قرعة ، ولكن رجال القبيلة يرفضون ، أن يقوموا بهذه القرعة خوفا من ظلم خضرة في حقها من المال هي وابنها ، ويظهر رجل درويش عريب يمر بالقبيلة ، فيأمره سرحان بعمل القرقعة:
فجال سرحان الحمد لله
شريفه ورزق الي اذاها
لما يريد الكريم في علاه
اهو ده اللي يرضي الوليه وضناها
سرحان جاله تعالي يا درويش
خد الجرعه واضرب بايدك
كلام جد لم فيه تبكيش
رائيك يا شيخ زين يا فينا
فمسك الجرعه
شوف مسك الجرعه الشيخ وضربها في المال
لا نقص ولا زياده
جاب لها مال رزق يمين وشمال
وجاب من مال سرحان حاجه
يا عين ..اه اه
وضرب الجرعه وجاب لها المال كله
وحاضره جميع الهلاليل
جوم قال سرحان والله ده فعل في محله
ورضيت جميع الهلاليل
جابوا المال ده لخضره كله
وكل العرب ينظروها
حمل تجيل ده ومين يدله
جال سرحان حنعزموها
ومما سبق نرى جمالية شخصية (الملك سرحان)، في حفاظه على خضرة الشريفة وابنها، وأخرج الموضوع كطلاق، ولكن خضرة ترفض خروج أي رجل من القبيلة معها في رجلتها وتخرج هي وجريتها سعيدة بدون رجال يحرسوها، وتقول للملك سرحان:
ومدام تهومنا العربان
ولا زول يطلع ورايا
وعند خروجها من النجع ، تناجي نفسها بكلمات، وتتذكر الملك سرحان وهى وحيدة وتقول:
جالت يا نجد منك رحلنا
كمان و إن بكيت اوعوا تلومني
أنا ريت مامتي وتطلع رحلنا (تطلع روحي)
ولا العرب كانوا يتهمونا
لكن روح لسرحان وقوله
ربي يعمر ديارك
يالي فعلت الخير كله
بين العرب يعلي وقارك
ومن كلمات خضرة الشريفة، نلحظ جمالية (الملك سرحان) في مواقفه النبيلة، ونرى من مواقف سرحان أن المرأةداخل القبيلة هى أمانه يجب الحفاظ عليها وعلى عرضها، ويظهر موقف العرب من المرأة خاصة إن كانت غريبة، وبهذا نكون أوضحنا جمالية شخصية (الملك سرحان).