رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!

الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
كيف انقسمت مصر إلى شعبين؟.. أهل مصر أم أهل إيجيبت؟
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

لم تعد أزمة صناعة (الهوية الوطنية) مجرد رصد لتراجع في مستوى الأغنية أو الفيلم أو المسلسل، بل أصبحت أزمة هوية كاملة، فالفن المصري الذي صنع وجدان الأمة العربية لعقود، وكان مرآةً للفلاح والعامل والموظف وابن الحارة والمدينة، أصبح في السنوات الأخيرة يقدم مصر أخرى.

الفن المصري جنح منذ سنوات نحو الكومباوندات والمنتجعات والطبقة المعزولة، حتى بدا وكأن هناك بلدين يعيشان فوق الأرض نفسها: (أهل مصر) الذين يحملون الذاكرة والثقافة والوجدان، و(أهل إيجيبت) الذين صنعتهم الإعلانات والسوشيال ميديا وثقافة الاستهلاك. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تراجع الفن لأنه فقد الهوية، أم ضاعت الهوية لأن الفن تخلى عن دوره التاريخي؟

ومن هنا تبرز تلك الأسئلة الشائكة: من سرق مصر؟.. عندما هزم (أهل إيجيبت) ذاكرة (أهل مصر)! .. فمصر التي غنّت لعبد الحليم.. كيف أصبحت ترقص بلا هوية؟

الإجابة: حين ماتت الشخصية المصرية على الشاشة.. وولد مجتمع (إيجيبت).. أصبح الفن الذي صنع المصريين.. والفن الذي يمحوهم!

من (الزوجة الثانية) إلى (الكومباوند)، كيف انقسمت مصر إلى شعبين؟.. أهل مصر أم أهل إيجيبت؟.. ظني أن تجليات معركة (الهوية الوطنية) خسرها الفن قبل المجتمع.. من أم كلثوم إلى التريند.. يبدو السقوط الكبير واضحا لـ (الهوية الوطنية)، فلم تعد مصر التي نعرفها.. أصبح الفن يكتب شهادة وفاة الشخصية المصرية.

كيف استبدلت الشاشة (المصري) بـ (الإيجيبشيان)؟.. يأتي هذا عندما فقد الفن ضميره.. ضاعت مصر بين (أهل البلد) و(أهل الكومباوند)، أو بتعبير أكثر دقة: بين (أهل مصر)، و(أهل إيجيبت).

الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
أم كلثوم
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
عبد الوهاب
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
عبد الحليم

الأمم لا تُهزم حين تخسر معركة

ربما لم تعد مرآة المصريين هى الكتب أو المدارس أو الخطب السياسية، بل الشاشة.. فمنذ أكثر من قرن، كانت السينما المصرية، ثم الإذاعة، ثم التلفزيون، هى المصنع الحقيقي للوجدان العام، وهي المؤسسة التي نجحت فيما عجزت عنه عشرات المؤسسات الأخرى، فقد صنعت صورة المصري عن نفسه، ورسخت لهجته، وقدمت قيمه، وحولت تفاصيل حياته اليومية إلى جزء من ذاكرة أمة تمثل (الهوية الوطنية).

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل ما زال الفن المصري يؤدي هذا الدور؟

عندما يشاهد المصري شاشة اليوم، هل يرى نفسه حقًا؟.. أم يرى نموذجًا اجتماعيًا محدودًا، يعيش في الكومباوندات، ويتحدث بلغة هجينة، ويستهلك أنماط حياة لا تشبه إلا نسبة صغيرة من المجتمع؟.. هذا السؤال ليس حنينًا إلى الماضي، ولا رفضًا للتطور، وإنما محاولة لفهم التحول الذي أصاب واحدة من أهم أدوات تشكيل (الهوية الوطنية).

قبل أن تعرف مصر (التلفزيون الملون)، كانت تعرف نفسها من خلال المسرح والإذاعة والسينما، لم يكن سيد درويش مجرد ملحن، بل كان مؤرخًا للحياة المصرية.. في أغانيه حضر العامل، والصانع، والبحار، وبائع العرقسوس، والمرأة الشعبية، والطالب، والثائر.. كانت موسيقاه تعبر عن الناس لا عن النخبة، ولذلك بقيت حية حتى اليوم.

ثم جاءت (أم كلثوم)، فلم تكن مجرد مطربة استثنائية، بل أصبحت صوتًا جمع المصريين والعرب حول لغة عربية رفيعة، وموسيقى تحترم الذوق، وشعر يرسخ قيمة الكلمة.. لم يكن جمهورها من طبقة واحدة، بل من كل الطبقات.

أما (محمد عبد الوهاب)، فقد أثبت أن التجديد لا يعني القطيعة مع الهوية.. أدخل الآلات الحديثة، لكنه لم يتخل عن الروح المصرية، فقدم نموذجًا يؤكد أن الأصالة والتطوير يمكن أن يسيرا معًا.

وجاء (عبد الحليم حافظ) ليصبح صوت الطبقة الوسطى المصرية، يغني للحب والعمل والحلم والانتماء.. كانت أغانيه جزءًا من الذاكرة الوطنية بقدر ما كانت جزءًا من الذاكرة العاطفية.

و(شادية) جسدت في فنها صورة المرأة المصرية البسيطة، القريبة من الناس، في أفلام مثل شيء من الخوف ومراتي مدير عام.. لم تكن نجمة بعيدة عن الواقع، بل انعكاسًا له.. هؤلاء لم يصنعوا نجاحًا فنيًا فقط، بل ساهموا في تشكيل وجدان مجتمع كامل.. السينما التي كانت تعرف مصر.. بلغت السينما المصرية ذروة تأثيرها عندما تعاملت مع المجتمع باعتباره بطلها الحقيقي.

الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
صلاح أبوسيف
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
يوسف شاهين
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
خيري بشارة
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
دواوود عبد السيد
الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
عاطف الطيب

واقع الدراما والأغنية الحالية

بمقارنة بسيطة بين عصر (صلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، وعاطف الطيب، وخيري بشارة، وأغاني عبد الحليم، وشادية، وسيد مكاوي)، وصولًا إلى واقع الدراما والأغنية الحالية، مع تحليل كيف انتقلت الشاشة من تمثيل المجتمع كله إلى تمثيل شريحة اجتماعية ضيقة،  يتضح لنا على الفور: كيف انعكس كل ذلك على الوعي وصناعة (الهوية الوطنية).

في أفلام (صلاح أبو سيف)، كانت الحارة المصرية بطلة قبل الممثلين.. قدم الفلاح، والعامل، والموظف، والمرأة المكافحة، وكشف تناقضات المجتمع دون أن يفقد إيمانه بالإنسان، أما (يوسف شاهين)، فقد جعل من (الهوية الوطنية) مشروعًا فكريًا.. كانت أفلامه تناقش الحرية، والانتماء، والعلاقة بين الماضي والمستقبل، وتطرح أسئلة أكبر من حدود الحكاية.

وعندما جاء (عاطف الطيب)، نقل الكاميرا إلى قلب الشارع.. الموظف الذي يواجه الفساد، والجندي، والسائق، والطالب، جميعهم وجدوا مكانهم على الشاشة، فبدت السينما امتدادًا لحياة الناس، وكذلك محمد خان قدّم القاهرة كما يعيشها سكانها، لا كما تُعرض في الكتيبات السياحية. وفي أفلامه، حضرت الطبقة الوسطى بأحلامها الصغيرة وخيباتها اليومية.

أما (داود عبد السيد)، فذهب إلى أعماق النفس المصرية، بينما منح خيري بشارة الريف والأحياء الشعبية حضورًا إنسانيًا بعيدًا عن الكليشيهات.. كان هؤلاء مختلفين في الأسلوب، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: أن مصر الحقيقية تستحق أن تكون بطلة الفيلم.

لا يمكن القول إن الفن المصري اليوم يخلو من الأعمال الجيدة؛ فما زالت هناك أعمال تحاول الاقتراب من الواقع مثل مسلسل (الاختيار) بأجزائه الثلاثة، ومسلسل (هجمة مرتدة، والعائدون)، وكذلك (فيلم الممر).

لكن من الصعب تجاهل أن مساحة واسعة من الإنتاج التجاري أصبحت تميل إلى تقديم عالم اجتماعي ضيق تميل للعنف والقسوة والعشوائية في الحارة الشعبية، بينما تنجرف غالبية الأعمال الحللية إلى أحداثت دور في المنتجعات المغلقة، أو البيئات شديدة الثراء، أو في نماذج استثنائية أكثر منها ممثلة للمجتمع.

هذا التحول جعل بعض المشاهدين يشعرون بأن الشاشة لم تعد تعكس حياتهم اليومية كما كانت تفعل في مراحل سابقة، وهنا ظهر في الخطاب الشعبي والإعلامي، تعبير (أهل إيجيبت)، ليس باعتباره توصيفًا علميًا، بل بوصفه مجازًا يشير إلى نمط حياة استهلاكي ولغة مختلفة وصورة اجتماعية لا تمثل كل المصريين.

الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
كانت الطبقة الوسطى هى البطل الحقيقي للفن المصري لعقود طويلة منها خرجت معظم الحكايات

أين اختفت الطبقة الوسطى؟

المشكلة ليست في وجود هذه الفئة؛ فهي جزء من المجتمع، ومن الطبيعي أن تظهر في الدراما.. المشكلة تبدأ عندما تصبح هى الصورة الغالبة، بينما تتراجع صور الطبقة الوسطى، والموظف، والمعلم، والطبيب الحكومي، والعامل، والفلاح، والحرفي، وهم الذين شكّلوا تاريخيًا العمود الفقري للمجتمع المصري.

كانت الطبقة الوسطى هى البطل الحقيقي للفن المصري لعقود طويلة منها خرجت معظم الحكايات التي صنعتها السينما والدراما، لأنها كانت تمثل مساحة التوازن الاجتماعي والثقافي.

اليوم، يشعر كثير من المتابعين للفن المصري بأن حضور هذه الطبقة أصبح أقل في بعض الأعمال، في مقابل تركيز أكبر على أنماط حياة استثنائية أو على عالم الثراء الفاحش أو الجريمة بوصفها مصدرًا للإثارة.. والنتيجة أن المشاهد قد يرى على الشاشة واقعًا لا يشبه حياته، فيضعف ذلك شعوره بأن الفن يتحدث عنه.

كما لم تكن الأغنية المصرية قديمًا مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تحمل لغة وصورًا شعرية وألحانًا تعيش لعقود.. اليوم، تغيرت طبيعة الصناعة.. فرضت المنصات الرقمية إيقاعًا أسرع وكلمات سطحية وتافهة تخاطب الغرائر على إيقاع راقص، وأصبح النجاح يُقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات، لا بطول عمر الأغنية في الذاكرة.

ومع ذلك، لا ينبغي تعميم هذا الحكم؛ فما زال هناك فنانون يقدمون أعمالًا تحافظ على الجودة، لكن المنافسة مع المحتوى السريع أصبحت أكثر صعوبة، ومن هنا لا يمكن تجاهل أثر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات في تشكيل الذوق العام.

فقد أصبحت الصورة المثالية التي تروجها الحملات الإعلانية أكثر حضورًا من الصورة الواقعية، وصار (التريند) في أحيان كثيرة معيارًا للانتشار، وإن لم يكن معيارًا للجودة.. هذا التحول لا يعني أن الجمهور فقد ذائقته، لكنه يعني أن البيئة التي يتلقى فيها الفن تغيرت جذريًا، وهو ما يفرض على صناع الفن تحديات جديدة.

ومن هنا يقفز في ذهني هذا السؤال: من المسؤول عن ضياع الهوية؟.. بالتأكيد الدولة هى المسئول الأول والأخيرعن استعادة دور الفن في صناعة (الهوية الوطنية).. ليست مسؤولية الفنان وحده.

الدولة مطالبة بدعم الإنتاج الثقافي الجاد، والإعلام مطالب بمنح مساحة أوسع للأعمال ذات القيمة، والتعليم مطالب بإعادة الاعتبار للتربية الفنية، والمؤسسات الثقافية مطالبة بحفظ التراث وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة معاصرة، كما أن القطاع الخاص يستطيع أن يجمع بين النجاح التجاري والجودة، وهو ما أثبتته تجارب مصرية كثيرة في الماضي.

الفن المصري يفقد قدرته على صناعة الهوية الوطنية  (2) .. بين (أهل مصر وأهل إيجيبت)!
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يختفي (أهل مصر) من الشاشة، وعندما يصبح المواطن العادي غريبًا عن الحكايات التي يشاهدها

كيف نستعيد الهوية؟

الطريق لا يبدأ بالحنين، بل بالعمل.. نحتاج إلى كتابة تعود إلى الإنسان المصري بكل تنوعه، وإلى أفلام ومسلسلات ترى الريف والمدينة، والصعيد والدلتا، والطبقة الوسطى، والعمال، والحرفيين، والشباب، وكبار السن، باعتبارهم جميعًا أبطالًا للحكاية.. ونحتاج إلى أغنية تحترم اللغة دون أن تتعالى على العصر، وإلى إعلام يمنح القيمة مساحة تنافس الانتشار.

فـ (الهوية الوطنية) ليست متحفًا مغلقًا، بل كائن حي يتجدد باستمرار، شرط ألا ينسى جذوره.. ربما لم تكن المشكلة يومًا في وجود (أهل إيجيبت)، ولا في تغير المجتمع، فكل المجتمعات تتغير.. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يختفي (أهل مصر) من الشاشة، وعندما يصبح المواطن العادي غريبًا عن الحكايات التي يشاهدها.

لقد أثبت التاريخ أن الفن المصري كان، في أفضل مراحله، مساحة جامعة لا تقصي أحدًا، ومرآة تعكس المجتمع بكل تناقضاته، لا نافذة تطل على جزء واحد منه.. ولعل التحدي الأكبر أمام الفن المصري اليوم ليس أن ينافس المنصات العالمية أو يحقق أرقامًا قياسية في المشاهدات.

بل أن يستعيد قدرته القديمة على أن يجعل المصري، أيًا كانت طبقته أو مدينته أو مهنته، يرى نفسه على الشاشة، ويشعر أن هذه الحكاية كُتبت عنه.. عندما يحدث ذلك، لن تكون (الهوية الوطنية) في خطر، لأن الفن سيعود مرة أخرى إلى دوره الأهم: أن يكون ذاكرة الوطن وضميره، لا مجرد صناعة للترفيه.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.