

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
لم تكن الجيزة فى مطلع القرن العشرين مجرد مدينة تجاور القاهرة، بل كانت عالمًا شعبيًا نابضًا بالحياة، تختلط فيه أصوات الباعة بروائح الأسواق، وتمتد الأفراح حتى ساعات الفجر، بينما تتحول المقاهى والحارات إلى مسارح مفتوحة للحكايات والضحكات أمام الفنان (عمر الجيزاوي).
كانت الدكاكين تفتح أبوابها مع أول خيط من الضوء، ويبدأ الناس يومهم ببساطة ألفوها، حتى بدت الحياة نفسها وكأنها عرض يومى لا ينتهى.
فى تلك البيئة، لم يكن الفن حكرًا على المسارح الكبرى، بل كان يولد فى الشارع، وينمو فى الأفراح الشعبية، ويجد جمهوره بين البسطاء قبل أن يعرف طريقه إلى الأضواء.
وكانت الموهبة الصادقة وحدها قادرة على أن تشق طريقها، لأن الناس كانوا أصدق النقاد، يمنحون محبتهم لمن يشبههم، ويحمل أحلامهم، ويعبر عنهم بصدق.
ومن قلب هذا العالم، خرج طفل اسمه (عمر سيد سيد سالم) ولد فى الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1917 بالجيزة، ولم يكن يعلم أن الأيام ستمنحه اسمًا سيبقى حاضرًا فى ذاكرة المصريين: (عمر الجيزاوي).
لم يكن الاسم مجرد نسبة إلى مسقط رأسه، بل أصبح عنوانًا لفنان حمل روح الشارع المصرى إلى المسرح والسينما، وظل وفيًا لها حتى آخر أيامه.. لم يعرف الرفاهية، ولم تمنحه الحياة طرقًا ممهدة.


سخرية لا تؤذي
عمل صبيًا مع والده فى البناء، وكانت يداه تعرفان خشونة الحجر قبل أن تعرفا دفء التصفيق.. وبين ضربة مطرقة وأخرى، كان صوته يرتفع بالغناء، فيلتفت إليه العمال، ويخف عنهم عناء النهار.. هناك، بين الغبار والعرق، كانت موهبة حقيقية تشق طريقها فى صمت.
ولد (عمر الجيزاوي) فى الجيزة، وهناك بدأت الحكاية تتشكل.. غنى فى الأفراح والليالى الشعبية، وكانت نبرته تحمل شيئًا من روح المصريين؛ سخرية لا تؤذى، وابتسامة لا تتكلف، وقلبًا يعرف كيف يحول الهم إلى نكتة، والشكوى إلى لحن.
وذات ليلة، سمعه الفنان الكبير على الكسار.. لم يكن الكسار ممن يخدعهم البريق، بل كان يبحث عن الموهبة أينما كانت.. وما إن انتهى الشاب من غنائه، حتى أدرك أنه أمام فنان لا يشبه غيره، فضمه إلى فرقته، لتبدأ رحلة ستجعل من عمر الجيزاوى أحد أبرز نجوم المونولوج فى مصر.
ومنذ خطواته الأولى على المسرح، اختار (عمر الجيزاوي) أن يطل على جمهوره مرتديًا الجلباب الصعيدى والعمامة، فصار هذا المظهر جزءًا من شخصيته الفنية.
لم يكن مجرد زى مسرحى، بل كان تعبيرًا عن انتمائه إلى البيئة الشعبية التى خرج منها، حتى بدا وكأنه واحد من أبناء الحارة، يحمل همومهم على كتفيه، ويعيدها إليهم فى صورة ضحكة صادقة.


صحيفة الناس الضاحكة
كان المونولوج فى ذلك الزمن صحيفة الناس الضاحكة.. يتحدث عن الغلاء، وعن الزواج، وعن الحارة، وعن الحسد، وعن البخل، وعن كل ما يشغل البسطاء، لكن (عمر الجيزاوي) أضاف إليه شيئًا آخر؛ أضاف روحًا مصرية خالصة، حتى بدا وكأنه لا يؤدى مونولوجًا، بل يحكى حكاية يعرفها كل من يجلس أمامه.
وحين وقف على المسرح يردد: (معانا الفكك والفكوك… معانا الكحول والنشوق).. لم يكن يعدد بضائع عطار، وإنما كان يعيد الحياة إلى سوق كامل.. ترى الحناء الحجازى، والبخور الجاوى، والفاسوخ، والمسك، والعود، والشيح، والبابونج، وتكاد تشم روائحها وهى تتسلل بين الكلمات.
كان الجمهور يضحك، لكنه كان، من حيث لا يدرى، يحتفظ فى ذاكرته بصورة حية لواحدة من أجمل المهن الشعبية التى عرفتها مصر.
أما مونولوج (اتفضل قهوة… أنا متشكر)، فقد تجاوز حدود المسرح، وتحول إلى عبارة تتردد على الألسنة فى البيوت والمقاهى والشوارع، حتى أصبحت جزءًا من اللغة اليومية للمصريين، وهو الامتحان الأصعب الذى لا ينجح فيه إلا الفن الصادق.
ولم يكن المسرح وحده ميدانه؛ فتحت له السينما أبوابها، فشارك فى عشرات الأفلام إلى جوار كبار النجوم؛ مع إسماعيل يس، وفريد شوقى، وشادية، وعبد السلام النابلسى، وغيرهم من صناع العصر الذهبى.. لم يكن يبحث عن البطولة المطلقة، لأنه كان يدرك أن المشهد الصادق قد يخلد صاحبه أكثر من فيلم كامل؛ لذلك، كان حضوره، مهما قصر، يترك أثرًا لا يخطئه المشاهد.
امتلك (عمر الجيزاوي) موهبة نادرة فى التقاط تفاصيل الإنسان المصرى البسيط. لم يسخر من الفقراء، بل ضحك معهم. ولم يجعل الكوميديا بابًا للابتذال، بل نافذة يدخل منها الضوء إلى النفوس المتعبة.
كانت ضحكته ابنة البيئة الشعبية، لكنها حملت احترامًا عميقًا لمن يصنعون الحياة كل صباح دون أن يلتفت إليهم أحد.

الضحكة النظيفة تعيش أكثر
وعندما بدأت أمواج الفن تتغير، وتراجع زمن المونولوج، لم يتغير هو.. بقى وفيًا للون الذى صنع اسمه، مؤمنًا بأن الكلمة الخفيفة قد تكون أبلغ من الخطب الطويلة، وأن الضحكة النظيفة تعيش أكثر من الضجيج.
وفى الثانى والعشرين من أبريل عام 1983، أسدل الستار على رحلة امتدت عشرات السنين، ورحل الرجل الذى حمل الناس فى صوته، والحارة فى قلبه، والناس فى وجدانه، لكن الفنانين لا يرحلون حقًا؛ يختفون عن العيون، ويبقون فى الذاكرة، كلما استدعى صوت قديم زمنًا جميلًا.
وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، ما زال (عمر الجيزاوي) حاضرًا، لا فى أرشيف السينما وحده، بل فى ذاكرة المصريين. فما إن يردد أحدهم: (معانا الفكك والفكوك..) حتى تفتح الذاكرة أبوابها، وتعود أسواق العطارين، وتعود ضحكات الحارات، ويعود زمن كانت فيه البساطة قادرة على أن تصنع فنًا يعيش طويلًا.
ذلك هو سر الفنان الحقيقى؛ أنه لا يترك وراءه ثروة، ولا قصرًا، ولا ضجيجًا.. يترك فقط أثرًا خفيفًا فى القلب، يشبه رائحة المسك التى تظل عالقة فى المكان، حتى بعد أن يغادر صاحبها بسنوات طويلة.
ولعل (عمر الجيزاوي) كان واحدًا من أولئك الفنانين الذين لم يكتفوا بإضحاك الناس، بل حفظوا فى أعمالهم ملامح زمن كامل.. وكلما عاد صوته، عادت معه صور الدكاكين، وأسواق العطارين، والأفراح الشعبية، والناس البسطاء الذين صنعوا روح هذا الوطن، لتبقى ابتسامته شاهدًا على أن الفن الصادق لا يشيخ، ولا تغيب بهجته.