رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود (وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
سيطر علينا الصندوق ذو الشاشة الرمادية القادم من الغرب
(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
د. كرمة سامي

بقلم الكاتبة: كرمة سامي

مصر أمة من الحكائين، والرواة، فرض عين! وكيف لا وتاريخ أمتهم يمتد لآلاف السنين؟ ومع كل محنة ومنحة تضاف صفحة من تاريخ مصر إلى ذلك السفر الخالد مزدانة بزهور آلاف الحكايات التي تروى بماء النهر المقدس، النيل العظيم! لماذا نتثقف؟ نقرأ؟ ونكتب؟ ونبدع في فن (الحكي

لماذا نكلف أنفسنا مشقة أن نحكي أو أن نستمع إلى (الحكي)؟ أن نحمل معلومة أو فكرة أو حكاية ونتوق لمشاركة الآخرين فيها؟ إذا كان الأمر هو فضول ورغبة فى معرفة ماذا حدث؟ ويحدث؟ فيكفينا أن نقرأ صفحات الحوادث وأخبار الجرائم والسفلة والأوغاد في وادينا الطيب!

لكن (الحكي) بصوره المختلفة يجمعنا أمة واحدة، نرتد بسحره إلى طفولتنا حين كنا نتوسل إلى الكبار أن يزينوا طفولتنا بقصص وحكايات، أو يقرأوا لنا ما عجزنا عن قراءته حتى حررتنا معرفتنا بالقراءة والكتابة من هوان السنوات الأولى. هكذا تدفقت من الحكي طاقة دافئة حفزت عقولنا للتجدد والتذكر والتفكر نضيف بها فيضا إلى مجرى نيلنا يروي حقول وادينا ودلتاه.

استسلمنا لكل الأشكال المعروفة من الحكي، حرفا، وصوتا، وصورة ثابتة أو متحركة، ونغما، وكلمة، إلى أن سيطر علينا الصندوق ذو الشاشة الرمادية القادم من الغرب، سرق أوقاتنا وأعمارنا من أوراق الكتب وموجات الراديو وليالي سمرنا ومنتدياتنا وتجمعاتنا البريئة التي احتوت الشاعر والكاتب والمناضل والجورنالجي والفلاح والعامل والمعلم.  

ذلك الضيف الغريب المدلل الذي فرض نفسه فردا من الأسرة، جمعنا.. ثم فرقنا، كان صديقنا.. فأصبح عدونا.

نفق الجيل الأول والثانى من الصناديق السوداء الصديقة المتظاهرة بالبراءة، اجتاحت أجيال من أحفاد تلك الصناديق حياتنا، وكشفت عن حقيقتها حين ظهرت شاشات سوداء اللون أنها تعلن الـحداد على أعمارنا ووحدة صفنا وأمتنا.

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
لم تعد شوارع المدينة تخلو مساء لتأسرنا شهرزاد بحلو حكيها وسياسة ترويضها للطاغية المسكين شهريار!

تأسرنا شهرزاد بحلو حكيها

احتلت حجرات معيشتنا، بل ومخادعنا، وأصبح لكل مواطن صندوقه الخاص.. بل لوحه… بحجم الكف ويضلل مئة وألف.. يختلي بالفرد/ المواطن ويسيطر عليه ويحكي له وحده. لم نعد نتلقف من الراديو أخبار استبسال أشقائنا في وجه العدوان، أو خبر العبور، أو ننتظر مسلسل العصرية مستأنسين بدفء تجمعاتنا.

ولم تعد شوارع المدينة تخلو مساء لتأسرنا شهرزاد بحلو حكيها وسياسة ترويضها للطاغية المسكين شهريار! بل تكاثرت القنوات والفضائيات والمنصات كالفطر السام.. وكان ما كان!! فقد الصندوق سيطرته وانقلب سحره وسرق اللوح منه شعلته المقدسة.  والأهم أن الحكي لم يعد يجمعنا، أو هكذا ظننا!!

كيف؟ ونحن أمة بنيت فطرتها إلايمانية على ثقافة “اقرا” (العلق 1)؟ أمة “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” (الأعراف 176)؟ أمة الشعر، والشعراء، والخيل، والليل، والبيداء، والسيف، والرمح، والقرطاس، والعلم؟ ورغم ذلك سبقتنا أمم أخرى فى القراءة والقص والتفكر والتدبر، حافظت على الثقافة واستثمرت فيها ثم صدَّرَت لنا قشورها.

بل وسيطرت على مصادر المعرفة، وأسست كيانات تحتكر مسارب الثقافة والعلم، وتوجت مؤسساتها مرجعا ومعيارا لكل نشاط بشري، بل وحشدت أقصى ما لديها من قدرة الفنون الدرامية الموجههة، -الوريثة الشرعية لعرش الحكي- على التشكيل والتوجيه. كرس فنانوها وكتابها إبداعهم للتعبئة والتوعية من صغير (الحكي) وكبيره، وحصدوا الجوائز وتصدروا المشهد ودفعوا بنا إلى الزاوية المظلمة.

إمبريالية ثقافية خلبوا بها لب العالم بحكايات عديدة مثل حكاية الرجل الذي أنقذ العشرات الأبرياء من المحرقة (قائمة شندلر 1993 ستيڤن سبيلبرج)! أو صاحب المكتبة الذي حول لابنه بخفة ظله تجربة معتقل النازى إلى لعبة غميضة (الحياة حلوة ١٩٩٧ روبرتو بنيني)! أو النملة التى تكتشف قوتها فى ضعفها (النملة زي 1998 إريك دارنل وتيم جونسون) !

وغيرها من الحكايات/ النصوص (البريئة) التى تستحق أن يدرسها المتخصصون من مجالات شتى لكي يشخصوا المرض والعلاج وليحددوا وما لنا وما علينا… ولكي نرد الصاع صاعين، والفيلم فيلمين، والحكاية حكايتين، وبدلا من إطالة الوقوف على حائط الفخر الذي كتبت عليه حكايات فاطمة بنت المعلم عاشور ومحمد أفندي (العزيمة 1939 كمال سليم)، وفاطمة وزوجها أبو العلا وحفيظة وزوجها العمدة عتمان (الزوجة الثانية 1967 صلاح أبو سيف)، وونيس ابن قبيلة الحربات (المومياء 1969 شادي عبدالسلام).

والسائق حسن ابن الحاج سلطان (سواق الأتوبيس 1982 عاطف الطيب)، علينا أن نفتش في أوراق سيرة الوطن عن انكسارات خفية وانتصارات نحكيها استردادا لسيرة الوطن السردية وقدراتها السحرية ولنا في 1882، و1906، 1956 وغيرها من سنين أسوة حسنة!

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
العزيمة
(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
المومياء
(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
سواق الأتوبيس

أوراق سيرة الوطن

دعونا نفكر في سر سحر أعمال خالدة لمثقفين مصريين عبر تاريخ آلاف السنين من تاريخ مصر العريق حفظتها لذاكرة الأمة المصرية وسائل متنوعة، ووسائط قديمة ومعاصرة، من أجناس أدبية، ومجالات معرفية، من النقش على الحجارة والكتابة على البرديات والأوراق حتى السليكون والألياف الضوئية والسحابة.

نصوص للقراءة، والاستماع، والمشاهدة، للعين، والأذن، والقلب.. هادية ومرشدة ومنجية، “شكاوى الفلاح الفصيح”، و”تخليص الأبريز في تلخيص باريز”، و”المرأة الناهضة”: فلاحة مختار المصرية الشامخة ذات القوام الجرانيتي الوردي التي تمسك يدها اليسرى بطرف طرحتها.

وتضع يدها اليمنى على رأس حارسها ورفيق رحلتها أبي الهول، وخريطة “مستقبل الثقافة في مصر” كما رسمها العميد، و”عبقريات” العقاد، ومرويات طاهر أبو فاشا من “ألف ليلة وليلة” و”ألف يوم ويوم”، و”ثلاثية” محفوظ، و”قنديل” حقي الذي ينبثق نوره لا ليضيء ميدانا في قلب القاهرة بل القطر المصري بأكمله.

و”شخصية مصر”  دراسة جمال حمدان “في عبقرية المكان”، و”أرض” عبدالرحمن ورحلة سفرنا مع أسامة أنور عكاشة ومحمود مرسي “السيد أبو العلا البشرى”، وتشريح جلال أمين وشرحه لتفاصيل”ماذا حدث للمصريين؟”، ويضاف إليها ملايين النصوص المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، على ثراء صنوفها وبهجة ألوانها وعمق دلالاتها، وقوة أصواتها ونبراتها.

تترى من كل محافظة ومدينة ومركز وكفر ونجع من وجدان وحدات تشكل في مجملها جغرافيا هندسية جميلة لا تخطئها عين، وتؤرخ لموقع هو القلب بين قارات العالم والجسر الذي يصل بين كل شتيتين، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. فريدة العقد ودرته… مصر.

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
يحيى حقي

وجهان لعملة واحدة

بلد حبيب وأمة عريقة عاشت تاريخا صفحاته متواليات ما بين الهزيمة والنصر، والكسر والجبر، وظلت “منتصبة القامة” و”مرفوعة الهامة”. لم تنحن ولم تهن، اعتادت إعادة تنظيم صفوفها، أمة تنهض من رمادها الأجمل والأروع بين الأمم.

شعبها ملايين الجنود من الرجال والنساء في رباط إلى يوم الدين يحمل كل منهم سلاحه، يمكننا أن نراه بعينيّ زكي نجيب محمود من زاويتي “العامل الذهني” و”العامل اليدوي” في كتابه “مجتمع جديد أو الكارثة”، لكنهما وجهان لعملة واحدة: القوة العالمة المنوطة بإدراك المعارف والعلوم، والقوة العاملة المنوطة بتدبير وسائل العيش ونظمه.

عادة ما يذوب الحد الفاصل بين وجهي الكيان الواحد الذي يكتب سيرته بنور العلم وعرق العمل إيمانا بالعلم وبالثقافة عندما يكتتب من جيبه الخاص ليؤسس جامعة القاهرة العريقة منارة للعلم، أو بنك مصر.

أو نُصُب لمختار من أبناء الأمة يمثل رمزا لذاكرة الوطن ونهضتِه، أو لدعم “مشروع القرش” لبناء مصانع وطنية، أو للمجهود الحربي، أو لسداد ديون مصر الخارجية، أو دعما لصندوق تحيا مصر، ولتطوير قناة السويس وتوسعتها.

صفحات من حياة مصر والمصريين تذوب فيها بين فصائله الفواصل وتنهار الحواجز بين طبقاته وصناعها الماهرين، كل منهم هذبه التاريخ وثقفه، ليضيف إلى صفحات تاريخ مصر وثائق خالدة للأجيال القادمة التي ستتعجب: أي أمة في التاريخ تتبرع بأربعة وستين مليار جنيه مصري في ثمانية أيام لتوسعة قناة؟

لكنها ليست أي أمة، وليست أي قناة، إنه التلاحم الأسطوري بين التاريخ والجغرافيا الذي لا يتحقق إلا في مصرنا وعلى يد أبنائها.. لكل مواطن ثقافة، وصنعة، ومهارة، وحرفة، وكل يهب كنوزه لتنساب في مجرى النهر المقدس وترتوي بها أرض الوادي والدلتا وترتقي فيها سيقان المحاصيل وأعوادها وتغدق بخيرها على أبناء الأرض.   

يستمد مثقفو مصر طاقة نورهم من أرضها، الإيمان بالله، والثقة بالنفس، والروح المستقلة. تغلب السكينة على كتاباتهم وأقوالهم، فهم أبناء بلد زراعي يأتيه النهر المقدس بالخيرات كل عام فتبادل الأرض الطيبة نهرها حبا بحب ووفاء بولاء، فتزهر الأرض وتزدان بالكتابات، والنقوش، والأشعار، والحكايات، والمواقف، والنوادر.

هذه هي مصر رغم الخطوب، والمآسي، والتحولات، وهذا شعبها، توحده الكلمة والمبدأ والحكاية، ويعيش على قول البساط أحمدي، والمسامح كريم، وكله على الله، لكنه لا ينسى ثأره ممن يحاول أن ينال من حرية أرضه، أو يكيد له ولها.  

لماذا يسيطر على المثقف المصري، في أي موقع له في المجتمع، حلم النهوض بأبناء وطنه سعيا نحو الكمال؟ كيف تحقق ما أسماه يحيى حقي للإجابة عن سؤاله “لمن يكتب الكاتب؟” في كتابه “أنشودة للبساطة”؟: “الاندماج فى التراث الروحى الذي يكثر فيه تساقط القشور حتى لا يبقى منه إلا جوهره الكريم فى هذا المستوى تزول الفوارق بين الأجناس واللغات والشعوب”.

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
شوقي جلال

قدرة على السمو والنجاة

ولا يبقى إلا النفس العامة للإنسان فى كل زمان ومكان، بما فيها من قوة وضعف، وستر وعري، وجمال ودمامة، وقدرة على السمو والنجاة، وقدرة على الهبوط والتحطيم، فيها كل أناشيد الضراعة والحب، وكل صرخات اليأس والعذاب.” (10) يجمع “المعدن الأصيل” بين صنفين من المواطنين: الكاتب والقراء، ويندمج المبدع والمتلقي في “عجينة (وطنية) واحدة”.

تحتمل أهوال المواقف الدقيقة التي يواجهها الوطن “فإذا تم هذا الاندماج استقام للكاتب من حيث لا يدري الأسلوب الذي ينفذ به إلى قلوب قومه فيصيخون إليه بأسماعهم ويحسون فى الوقت ذاته أن الكاتب يصلهم أيضًا بالتراث الروحي للإنسان فى كل زمان ومكان.

“هذه المشاركة الوجدانية” هي التي يراها حقي يؤرخ بها للتاريخ الشعوري لأمّته ويتلقاها القاريء ليقوم بدوره في عملية تلقي النص التفاعلي الأكبر والإضافة إليه.

هي قضية وجود، نكون أو لا نكون، وأي أمة نكون بين الأمم وقد منحنا الله كل مقومات الحضارة، الشمس، والأرض، والنهر، والبشر؟! ورغم ذلك أصبحت لغتنا غريبة في دارها؟ وكيف نستكمل المسيرة مع تحديات الواقع لأبناء كوكب الأرض؟

ونحقق النقاء اللغوي؟ والسمعي؟ والبصري؟ والذوقي؟ ونعالج الأنيميا المعرفية لنتمكن من مواصلة سعي مصرنا نحو المستقبل ونحيي السير الذاتية التي تتكون منها السيرة الجمعية للوطن؟

 عندما ننصت إلى أصوات المثقفين وأحلامهم وهمومهم نراها تعبر عن كينونتنا، ونرى ما يراه المفكر شوقي جلال من كبوات لكنه لا ييأس، ربما يفتقد أمسا غاب من عمر الوطن لكنه يراهن في ختامه لمقدمة ترجمته لكتاب “الانتخاب الثقافي” تأليف أجنر ڤوج، على اشتعال الجذوة تحت الرماد التي تنبثق منها العنقاء:  

والآن وقد تجاوزت التسعين من العمر أنظر إلى الحياة نظرة مودع، أراني أفتقد مصر التي كانت في خاطري، وأرى أن مصر على مستوى الإنسان العام تغوص على نحو غير مسبوق في وحل اللامعقول الموروث، مصر لم تعد مجتمعًا، بل أصبحت تجمعا سكنيا، […]

(وحدة صف الحكي المصري): العودة إلى النص المفقود
جبران خليل جبران

مصر الوعي الموحد تاريخيًا

أفتقد مصر الحلم الحافز، مصر الوعي الموحد تاريخيًا، مصر الوطن والمواطنة، مصر الواقع المشحون بإرادة الفعل والفكر والحركة الجماعية، مصر المستقبل.. أفتقد كل هذا ولا أرى غير فرط العمر والركض وراء السراب.. ولكن تحت الرماد جذوة نار قد تتأجج ويشتد لهيبها.. ومن بين ركام الفوضى ينبثق.. هكذا علمنا التاريخ.. ومياه النيل لا ترتد أبدًا إلى وراء”.

لا يفتر انتظار المثقف المواطن المهموم بغد الوطن لتأجج الجذوة الراقدة تحت الرماد، لا يحمل كتابا، أو يحفظ أبياتا من قصائد لشاعره المفضل فحسب، بل هو “درش”، وجه بين الوجوه السمراء يسير في زحام شوارع مصر بكل عفوية وفطرية قدرية تحت شمسها القداحة ظهرا، أو مفتونا بنسيمها المعبق بزهور الياسمين ليلا.  

يلتمس مرفأ في شكل رصيف يلتقط عليه أنفاسه ثم يواصل طريقه نحو تحقيق الفعل ليحقق حلمه أن يكون الفاعل في مسيرة وطنه. كيف وسط الفوضى الكونية والمحلية نجد هذا/هذه المواطن/ ة المثقف/ ة؟ لم تختلف أهداف العمل الثقافي في سعي المواطن/ المثقف والمثقف/ المواطن، الكل يقف في الميدان يكتب سطرا في نص الوطن.

والسؤال المصيري الآن هو: كيف نعود إلى وحدة صف (الحكي) المصري/العربي لعلنا نتجنب تحذير جبران خليل جبران: “ويل لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة”؟

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.