رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(نجيب الريحاني).. طز في الملوك كلهم!

(نجيب الريحاني).. طز في الملوك كلهم!

(نجيب الريحاني).. طز في الملوك كلهم!
روت ماري منيب موقفاً اختصر شخصية (نجيب الريحاني) كاملة
(نجيب الريحاني).. طز في الملوك كلهم!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

مضى 77 عاماً على رحيل (نجيب الريحاني)، في الثامن من يونيو 1949، ولا يزال اسمه يطرح السؤال الأصعب في عالم الثقافة: لماذا يبقى ممثل ويُنسى آخر؟ لماذا يعلو موقف واحد على رصيد كامل من الأفلام والمسرحيات؟

الجواب لا يقاس بعدد العروض، بل بصلابة الموقف.. وفي الحلقة الأخيرة من مذكراتها بمجلة (الكواكب) عام 1960، منحتنا ماري منيب مفتاح الإجابة، حيث روت موقفاً اختصر شخصية (نجيب الريحاني) كاملة، وجعله حاضراً حتى اليوم.

في إحدى الليالي، دُعيت الفرقة لتقديم عرض في القصر، تزامناً مع وجود فرقة أجنبية.. وعند العشاء، لاحظ (نجيب الريحاني) أن مائدة الأجانب عامرة بأشهى الأطعمة، بينما وُضعت للفنانين المصريين أصناف أقل. فانتفض، ورفض أن تمتد يد إلى الطعام.

وقال أمام رجال القصر والخدم: (محدش يمد إيده على الأكل، إحنا جايين على اعتبار إننا أصحاب البلد، لكن للأسف شُفنا العكس ودى إهانة نحتج عليها ولا نسمح بها أبداً، والفنان يجب أن يكون حريصاً على كرامته قبل كل شيء).

انسحب الجميع دون أن يعبأوا بتوسلات رجال القصر الذين سمعوا (خطبة نجيب الريحاني) وتعشوا عشاءً فاخراً على حساب أستاذهم، وفي اليوم التالي، جاء رجال السراي معتذرين، معللين ما حدث بأنه (خطأ غير مقصود من صغار رجال السرايا).

لكن (نجيب الريحاني) لم يقبل، قال غاضباً: (إن كانت عزومة الملك بالشكل ده يبقى طز فى الملوك كلهم)، ثم أردف: (بلغوا مولانا الكلام ده إن كنتم جدعان وأنا مستعد أقوله فى وشه).

وهنا تقف القصة، لكن صداها لا ينقطع.. صوت (نجيب الريحاني) وهو يدوّي في القصر، وخطوات الفرقة وهي تخرج من السراي مرفوعة الرأس، ورباط جأش يرد الاعتذار بلا تردد.. مشهد يفضح كل مائدة فيها تمييز، ويكشف كل يد تُمد إلى طبق أقل من قيمتها.

(نجيب الريحاني).. طز في الملوك كلهم!

(نجيب الريحاني).. طز في الملوك كلهم!
الفن ليس أداة في يد صاحب المال أو السلطة مهما تغير اسمه.. الفن رسالة، والرسالة لا تُكتب إلا بقلم الكرامة)

الفن رسالة لا تُساوم

من يجلس اليوم على المائدة الصغيرة، سيجد نفسه غداً يضحك بأمر غيره، ويمدح كلاماً لا يؤمن به، ويصفق على إيقاع لا يخصه.. المال يُعد ويُحسب، لكن العمر الذي يُقضى على الأبواب لا يُعوّض.. ومن باع صوته مرة، يكتشف أنه باع معه حق الكلام للأبد.

(نجيب الريحاني) قالها بصوت كل صاحب دار رفض أن يكون ضيفاً في بيته.. قالها ليضع حداً فاصلاً بين من يضحك ليُرضي، ومن يضحك ليُوقظ.. بين من يرى الفن سلعة تُسعّر، ومن يراه رسالة لا تُساوم.. قالها لتظل واقفة كالحائط في وجه من يظن أن الكرامة بنداً يُحذف من العقد إذا كبر الرقم.

تغيرت القصور، وتبدلت أسماء الموائد، لكن السؤال واحد لا يموت: أي مائدة تختار؟ مائدة الكرامة التي تجوعك قليلاً وتمشيك مرفوع الرأس، أم مائدة الربح السريع التي تشبعك اليوم وتكسر ظهرك العمر كله؟

الحكمة الريحانية بلا لف ولا دوران: الكرامة لا تُجزّأ.. لا تنتظر اعتذار صغار الموظفين بعد الإهانة، امنع الإهانة من البداية. لا تقبل أن توضع في مكان أقل مما تستحق.

بعد 77 عاماً، لم تعد حاجتنا إلى موهبة جديدة بقدر حاجتنا إلى موقف قديم أصيل يقول كما قال (نجيب الريحاني): (محدش يمد إيده).. موقف يرفض أن تمتد يد إلى ما يُنقص كرامة المهنة فيُحوّلها إلى تسلية رخيصة، ولا إلى ما يُفسد عقل الجمهور فيُملأه بالتفاهة، ولا إلى ما يُشوّه ذوق البلد ويُهين صورته.

وصية (نجيب الريحاني) الأخيرة بلا ورق ولا توقيع: (الفن ليس أداة في يد صاحب المال أو السلطة مهما تغير اسمه.. الفن رسالة، والرسالة لا تُكتب إلا بقلم الكرامة).. لذلك عاش اسمه، وعاش أثره، وعاشت كلمته التي لخصت الحكاية كلها في ثلاث كلمات: (طز فى الملوك كلهم). 

رحم الله من علمنا أن الضحك بلا كرامة صوت بلا معنى، وأن الفن بلا رسالة سراب، ومن فرّط في كرامته على مائدة طعام لن يهنأ له عيش، ولن يرتاح له بال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.