

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
(تعرف فلان؟.. آه.. عاشرته؟.. لا.. يبقى ما تعرفوش!).. بهذه الجملة البسيطة في معناها ودلالاتها البليغة، بدأ الإعلامي القدير (عبد اللطيف المناوي) حديثه الشيق مع الكاتب الصحفي الكبير (أسامة سرايا) في (بود كاست) بعنوان (رؤية أخرى) على قناة (الشرق)، وهو حوار اتسم بالصراحة والمكاشفة.
ولأني أعرف (أسامة سرايا) عن قرب وعاشرته لما يقرب من أربعين عاما، ربطت بيننا خلال تلك الأعوام الصداقة والأخوة، لمست فيها فطرته وإنسانيته ومهنيته في (الأهرام، ومجلة الأهرام العربي)، التي لايعرفها كثيرون غيري، ومن ثم لم أندهش كثيرا لصراحته وحديثه من القلب الذي ينم عن انتماء وطني للتراب المصري.
كان هذا الحوار بمثابة عصف ذهني تحدث فيه (أسامة سرايا) بصراحته المعهودة حول حياته الصحفية الثرية بالتجارب السياسية والاقتصاية والحياتية والإنسانية الكبيرة، التي تمتد لأكثر من نصف قرن في بلاط صاحبة الجلالة منذ التحاقة بالأهرام وانخراطه في العمل النقابي والحزبي.
تطرق (أسامة سرايا) لمحطات كثيرة في حياته ربما لايعرفها كثيرون ممن اقتربوا منه أو زاملوه أو عاصروه في (الأهرام)، خاصة علاقته الوطيدة بالرئيس السادات، والرئيس مبارك رحمها الله، وتأسيسه للحزب الوطني الديمقراطي مع السادات.
بالطبع خبرت علاقات الاحترام والمناقشة الموضوعية للرئيسين (السادات، ومبارك)، وكثيرا ما جمعتنا أحاديث عنهما في أوقات كثيرة، في مكتب الأهرام في جدة بالسعودية، أو قبلها في الأهرام عندما كان يجلس بجواري ليكتب الموضوعات في صالة تحرير الأهرام في إطار إعداد صفحة (اقتصاديات الجمعة)، حيث كان يناولني ورقة ورقة في التوضيب.


شجاعة ورباطة جأش يحسد عليها
عرفت من (أسامة سرايا) على مدار الأيام والليالي خبايا وأسرار علاقاته السياسية والاقتصادية التي عاشها بمشاعر وطنية وإنسانية، لم تظهر على السطح قبل هذا الحوار الكاشف، وعشت معه معاركه في بلاط (الأهرام والأهرام العربي)، والتحديات التي كانت تواجهه ويتقبلها بصدر رحب، سواء من جانب زملاء القلم أو بعض الأنظمة السياسية التي كان يختلف معها في الرأي.
نعم عايشت تجربة (أسامة سرايا) الذي تحول من محرر بقسم الحوادث بالأهرام، ثم تحوله إلى الصحافة الاقتصادية في بدايات ظهور القطاع الخاص في مصر، حيث حاور رجال الأعمال بصراحة وجرأة مطلقة، بهدف تقريب المسافات بين الناس في الشارع ورجال الأعمال الجدد، وإظهار دورهم في الاقتصاد الوطني.
أعجبتني جدا أسئلة (عبد اللطيف المناوي) التي تبدو في مظهرها شائكة، لكن (أسامة سرايا) كان يتقبلها بصدر رحب، وأجاب عليها بشجاعة ورباطة جأش يحسد عليها، فيما يبدو مغامرا جسورا في في ردوده المقتضبة التي توحي برسائل مبطنة تكشف التحديات التي واجهتها مصر في مرحلة مفصلية من عمرها.
وفي القلب من هذه التحديات حديث (أسامة سرايا) عن قوة الرئيس (جمال عبد الناصر) التي أظهرت معدنه النفيس في الاعتراف بالهزيمة، وإعادة تأهيل الجيش المصري للمواجهة الحاسمة منذ حرب الاستنزاف 1970 التي أطلق عليها مجازا (النكسة).
لكن صدق (عبد الناصر) في إعداد وتأهيل الجيش كان بمثابة مفتاح النصر من خلال عمليات نوعية ردعت غرور القيادة في إسرائيل من ناحية، ومن ناحية أخرى أعادت ثقة المقاتل المصري في التفوق بأسلحة قديمة وتقليدية، لكن كان من فوقها التمتع بروح معنوية عالية.
صال وجال (أسامة سرايا) في أروقة الأهرام، ونقابة الصحفيين التي قضى في مجلسها 14 عاما من العمل الدؤوب في تطوير المهنة، من خلال دورات تدريبية ترفع من قدراته الصحفي المصري، وتضعه على خارطة الصحافة العالمية التي بدأت في تلمس تأثير التكنولوجيا الحديثة.
واستكمل أحلامه في تطوير أدوات الصحفيين بإنشاء معهد الأهرام الإقليمي للصحافة، بالتعاون مع الخبير الصحفي والإعلامي الأكاديمي الكبير (الدكتور حمدي حسن)، حيث عملت معهما فيه وقت أن كان أول معهد مهني يعني بإعداد دورات تدريبة ترفع من كفاء صحفي الأهرام والمؤسات الأخرى، وأيضا دورات تدريبية للإعلاميين، ولعل هذا المعهد مهد لإنشاء معاهد انتشرت حاليا في عالمنا العربي.


تجربة (الأهرام العربي)
حكى (أسامة سرايا) عن تجربته في (الأهرام العربي) التي زاملته فيها منذ أن كانت فكرة في رأسه في جدة، فقد كان يحلم بمنتج صحفي مصري يصدر إلى الدول العربية، وكان سباقا في نظرته إلى كيف يمكن أن يؤثر هذا المنتج الجديد في القرار العربي، فقد كانت (الأهرام العربي) توضع على مكاتب الروساء والمسئولين العرب في يوم صدروها، حيث كان له السبق في طباعة المجلة في (الكويت، دبي، البحرين).
في حواره الكاشف قال (أسامة سرايا) أن أول من دشن طباعة الصحف والمجلات المصرية في العواصم العربية – وهذه حقيقة مؤكدة – كما عايشت التجربة، وأذكر – كما قال – كيف حدثه الأستاذ الكبير الراحل (إبراهيم نافع) عن طباعة (أهرام الجمعة) في السعودية، حيث يمكن ربط المصريين في الخليج بوطنهم الأم، فقد كانت الأهرام توزع في هذا اليوم أكثر من مليون نسخة في كافة دول الخليج العربي.
كشف حديث (أسامة سرايا) لعبد اللطيف المناوي، عن مهنية كبيرة في تجاربه الصحفية الثرية على مستوى الكتابة والإدراة، فأذكر أنه تولى رئاسة (الأهرام) وكان توزيعها متواضعا للغاية، ولكنه بذكائه الفطري عرف لغة الشارع، ففتح المجال للنقد الاجتماعي والسياسي، عبر التحقيقات والحوارت التي كان يجريها بنفسها، وانطلاقا من وازع وطني تحولت صفحات الأهرام لمرآه عاكسة لنبض الشارع وحركة الحياة.
حسنا فعل (أسامة سرايا) عندما قال أنه تولى رئاسة تحرير الأهرام، وإيراد إعلاناتها حوالي (800 مليون)، وفي هذا الصدد: أذكر أنه اصطحبني من يدي وذهبنا إلى (حسن حمدي) مدير إعلانات الأهرام، وسأله كم تحقق الأهرام من إيرادات الآن، قال (حمدي): (800 مليون)، فقال له سوف أزيدك 200 مليون في العام، وبالفعل خرج أسامة سرايا والأهرام تحصل أكثر من (مليار و800 مليون).
بحكم قربي منه كان (أسامة سرايا) مؤمنا بمقولة: أن (الأهرام صحيفة البنك نوت)، (بمعني أن القاري يساهم بإعلاناته دافعا فلوس، ثم يشتريه بفلوس لقرأته)، وربما استمد إيماته من فلسفة مؤسسيها (سليم وبشارة تقلا) عندما شرعا في تأسيسها (1875) أي قبل 151 من الآن.
كثيرا ما طلبت من (أسامة سرايا) عرض تجربته في كتاب يوثق لها على المستوى الإداري والمهني، كي تعرفها الأجيال التي عاصرته – ولم تعرفها للأسف – وكذلك الأجيال الحالية التي لاتعرف كثيرا عن مهنية (سرايا) فائقة الجودة، على مستوى الشكل والمضمون.
وضوح الحقيقة الدامغة
فعندما تولى رئاسة تحرير الأهرام، شرح لي ذات ليلة ونحن نتمشى على نيل القاهرة فلسفته في التحرير، قائلا: أنا أسعى لجعل الجريدة (يومين للشارع، يومين للدولة، يومين للمهنة)، واليوم السابع لكل هؤلاء في يوم الجمعة من خلال ملاحق تغطي كافة الأنشطة الاقتصادية والخدمية.
لم يكن كلام (أسامة سرايا) مفاجئا لي في حديثه للمناوي كثيرا، لكنه بالتأكيد يبدو مفاجئا لزملائي الذين لم يدركوا حقيقة هذا الرجل على المستوى المهني – حيث شككوا فيه طوال فترة عمله بالأهرام – فالآن اتضحت الحقيقة الدامغة التي تشهد على كفاءته ومثابرته وحبه للأهرام، ومن قبل وطنه مصر التي أخلص لها بكل جوارحه.
كم تمنيت أن يعرف زملائي قبل الشارع جهود (أسامة سرايا) في جعل العصر الذهبي للأهرام ينتهى بخروجه من المنصب، سواء على المستوى المهني أو الإداري، وها قد تحقق أملي من خلال حواره الكاشف مع (عبد اللطيف المناوي)، فقد آن الأوان لكشف حقيقية رجل تعرض للظلم في تقيم تجربته من جانب زملائه قبل المناوئين له في فترة توليه رئاسة تحرير الأهرام.
أعترف أنه قد أصابني نوع من الدهشة هذه المرة في هذا الحوار – على عكس حوارته المتناثرة من قبل – عندما تحدث بوجه بشوش وثقة مطلقة عن تجربته العريضة، وكأن حكمة السنين عبر (15 عاما) من الصمت قضاها مبتلعا مرارات كثيرة وحروب ضروس قضاها خلف الكواليس، فلم يخض رئيس تحرير مصري في تاريخ هذه المهنة مثلما لاقاه (أسامة سرايا).
تحية تقدير واحترام للإعلامي القدير (عبد اللطيف المناوي)، الذي استطاع النبش بحرفية عالية في ذاكرة (أسامة سرايا)، كاشفا عن فطرته السليمة وحسن خلقه في حوار هادئ يتسم بالعمق والمسئولة في محاورة أصحاب التجارب الصحفية والمهنية والإنسانية، بمبضع جراح ماهر استطاع رد الاعتبار لإنسان عاشرنا، فكان نعم الإنسان والصحفي القدير الذى أصبح رمزا خالدا من رموز مهنة الصحافة.