الدكتور محمد الطربيلي يكتب: (سلامة في خير).. حين كتب بديع خيري دستور الكوميديا الراقية!



بقلم الدكتور: محمد الطربيلي
ليست كل الأفلام التي نحبها تستحق أن تُوصف بأنها عظيمة، وليست كل الأعمال التي تضحكنا قادرة على أن تجعلنا نفكر بعد انتهاء العرض.. هناك فرق شاسع بين فيلم يمنح المشاهد ساعتين من التسلية، وفيلم يظل حاضرًا في وجدانه عشرات السنين لأنه استطاع أن يقرأ المجتمع بعمق، وأن يحول الضحكة إلى وسيلة للنقد والإصلاح، ومن هنا يأتي فيلم (سلامة في خير) ليحتل مكانة خاصة في تاريخ السينما المصرية.
يأتي فيلم (سلامة في خير) ليس باعتباره واحدًا من أنجح أفلام نجيب الريحاني، وإنما لأنه نموذج نادر لفن احترم عقل المشاهد، وقدم رؤية اجتماعية وفلسفية عميقة في إطار كوميدي بالغ البساطة.
أنتج الفيلم في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، وهى فترة كانت مصر تعيش فيها تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة، حيث بدأت الفوارق الطبقية تتسع، وأصبح المال والوجاهة الاجتماعية عنصرين حاكمين في نظرة الناس إلى بعضهم البعض.
وفي هذا المناخ كتب بديع خيري سيناريو فيلم (سلامة في خير)، ولم يلجأ إلى الخطابة أو الشعارات، بل اختار طريقًا أكثر ذكاءً، وهو أن يجعل المجتمع يدين نفسه بنفسه من خلال سلسلة من المواقف الكوميدية التي تبدو خفيفة على السطح، لكنها تحمل في أعماقها أسئلة مؤلمة عن العدالة والكرامة والإنسان.
من يشاهد الفيلم للمرة الأولى قد يظنه قصة طريفة عن موظف بسيط تتشابه ملامحه مع رجل ثري، فتختلط الأمور وتتعاقب المفارقات، لكن هذا الفهم يظلم الفيلم كثيرًا، فالحكاية لم تكن سوى وسيلة استخدمها بديع خيري ليكشف كيف يمكن للمظهر أن يغير معاملة الناس.
وكيف يستطيع المال أن يمنح صاحبه احترامًا لم يكن ليحصل عليه لو كان فقيرًا، حتى وإن ظل الإنسان هو الإنسان، لم تتغير أخلاقه ولا طباعه ولا جوهره.
عبقرية بديع خيري
هنا تتجلى عبقرية بديع خيري، فقد كان يدرك أن الفن الحقيقي لا يقدم الإجابات، وإنما يوقظ الأسئلة.. لذلك لم يقل للمشاهد إن المجتمع منافق، بل جعله يكتشف ذلك بنفسه.
لم يهاجم الطبقية بصورة مباشرة، وإنما جعلها تتحرك أمامنا في صورة شخصيات تتبدل مواقفها بمجرد أن تظن أن أمامها رجلًا صاحب سلطة أو ثروة، وهكذا تحولت الكوميديا إلى محكمة اجتماعية، جلس فيها المشاهد على مقعد القاضي، بينما كان المجتمع كله يقف في قفص الاتهام.
أما نجيب الريحاني، فقد قدم في هذا الفيلم واحدًا من أهم دروس التمثيل في تاريخ السينما العربية.. لم يكن يعتمد على الصراخ أو المبالغة في الأداء، ولم يبحث عن الضحكة السهلة، بل كان يؤمن أن الكوميديا الحقيقية تنبع من صدق الشخصية.
ولذلك بدا (سلامة) إنسانًا من لحم ودم، يحمل أحلام الموظف البسيط، ويخاف، ويتردد، ويحتار، ويفرح، ويتألم كما يفعل أي إنسان عادي. وربما كان هذا هو السر في أن الجمهور لم يضحك من الشخصية، بل ضحك معها وتعاطف معها في الوقت نفسه.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الريحاني لم يقدم بطلاً خارقًا ينتصر على الجميع، وإنما قدم مواطنًا بسيطًا ألقت به الظروف في عالم لا ينتمي إليه.. وبين هذا العالم وذاك، كشف الفيلم الفارق بين الاحترام الحقيقي والاحترام الزائف.. فالناس الذين كانوا يتجاهلون سلامة وهو موظف محدود الدخل، أصبحوا يتوددون إليه عندما ظنوا أنه رجل ثري.
وهنا يطرح الفيلم سؤاله الأخطر: هل نحن نحترم الإنسان لأنه إنسان، أم لأننا نعتقد أنه يملك المال أو النفوذ؟
هذا السؤال وحده يكفي ليجعل (سلامة في خير) فيلما معاصرًا حتى يومنا هذا، فما أشبه الأمس باليوم.. ما زالت مجتمعاتنا تمنح أصحاب المناصب اهتمامًا استثنائيًا، بينما تتجاهل الإنسان البسيط مهما كان نزيهًا أو مخلصًا.. وما زالت المظاهر قادرة على خداع الكثيرين، وكأن الزمن لم يغير من طبائع البشر إلا القليل.
ومن الإنصاف أن نقول إن نجاح (سلامة في خير) لم يكن مرهونًا بالريحاني أو بديع خيري وحدهما، بل كان ثمرة منظومة فنية متكاملة.. فالإخراج اتسم بالهدوء والثقة، وترك للممثلين مساحة للتعبير دون افتعال، بينما جاءت حركة الكاميرا في خدمة الحدث، لا استعراضًا لقدرات المخرج.
وفي زمن كانت الإمكانات الفنية محدودة، استطاع صناع الفيلم أن يثبتوا أن السينما العظيمة لا تصنعها الميزانيات الضخمة، وإنما يصنعها الفكر والخيال والصدق.
كما أن الشخصيات الثانوية لم تكن مجرد ديكور يملأ المشاهد، بل كانت كل شخصية تحمل دلالة اجتماعية واضحة.. الموظف، ورجل الأعمال، والخادم، والسكرتير، وكل من مر أمام الكاميرا، كان يؤدي وظيفة درامية دقيقة، حتى بدا الفيلم وكأنه لوحة فسيفساء متكاملة، إذا غابت منها قطعة واحدة اختل توازنها.
العلاقة بين الفن والأخلاق
ولعل ما يميز كتابة بديع خيري أيضًا أنه لم يكن يكتب حوارًا للضحك فقط، بل كان يكتب أدبًا. فجمله قصيرة، لكنها مليئة بالمعنى، ساخرة دون ابتذال، عميقة دون تعقيد.. كان يعرف أن الجملة الجميلة تعيش طويلًا، وأن الكلمة التي تخرج من القلب تصل إلى القلب، ولذلك بقيت حواراته حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى بعد مرور عقود طويلة.
ومن زاوية أخرى، يقدم (سلامة في خير) درسًا مهمًا في العلاقة بين الفن والأخلاق فهو لا يدعو إلى الثورة، ولا يحرض على الكراهية، وإنما يدعو ببساطة إلى إعادة الاعتبار للإنسان، وهذه الرسالة هي التي جعلت الفيلم يتجاوز حدود زمنه، لأن احترام الإنسان قيمة لا ترتبط بعصر معين، وإنما هى أساس كل مجتمع يريد أن يبني حضارته على العدل لا على المظاهر.
وإذا أردنا أن نقارن بين (سلامة في خير) وكثير من الأفلام الكوميدية الحديثة، فلن تكون المقارنة في صالح معظم ما يقدم اليوم، ليس لأن الماضي كان أجمل بالضرورة، ولكن لأن كثيرًا من الأعمال الحالية أصبحت تراهن على سرعة الضحكة، بينما كان الريحاني وبديع خيري يراهنان على بقاء الفكرة.
الإفيه قد يحقق نجاحًا لحظيًا، أما الفكرة فتصنع الخلود، ولهذا ما زلنا نعود إلى (سلامة في خير) بمحبة، بينما نسينا عشرات الأفلام التي حققت إيرادات هائلة ثم اختفت من الذاكرة.
إن قيمة هذا الفيلم لا تكمن فقط في أنه أضحك الملايين، بل في أنه احترمهم. لم يعامل الجمهور باعتباره يبحث عن التسلية وحدها، بل خاطب عقله ووجدانه معًا، وربما لهذا السبب ظل نجيب الريحاني حاضرًا في وجدان المصريين والعرب، لا بوصفه نجمًا للكوميديا فحسب، بل بوصفه فنانًا أدرك أن الضحك يمكن أن يكون رسالة، وأن الابتسامة قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من ألف خطبة.
وبعد ما يقرب من تسعين عامًا، ما زال (سلامة في خير) يثبت أن السينما ليست مجرد صورة متحركة، بل وثيقة ثقافية تحفظ روح المجتمع، وتكشف أمراضه، وتقترح علاجه دون ضجيج. لقد كتب بديع خيري دستورًا غير معلن للكوميديا الراقية، وجسده نجيب الريحاني بموهبة استثنائية، فخرج إلى الناس عمل لا يشيخ، لأن الصدق لا يشيخ، والفن الحقيقي لا يعرف تاريخ انتهاء.
وربما كانت هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نتذكرها كلما أُعيد عرض الفيلم: ليست قيمة الإنسان فيما يملك، بل فيما يحمل من أخلاق وضمير.. فإذا نجح عمل فني في ترسيخ هذه الفكرة في وجدان أجيال متعاقبة، فإنه لا يكون مجرد فيلم ناجح، بل يصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية، وشاهدًا على زمن آمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون صناعة.