محمود عطية يكتب: إعادة تدوير الفشل في (ماسبيرو)

بقلم المستشار: محمود عطية *
يبدو أن الإعلام المصري ما زال يعيش حالة من الدوران في الحلقة نفسها رغم كل المحاولات المعلنة للعودة إلى مكانته وتأثيره اللذين افتقدهما خلال السنوات الأخيرة من خلال (ماسبيرو) وغيره.
فبين الحين والآخر نسمع عن خطط للتطوير وإعادة الهيكلة وضخ استثمارات جديدة وإطلاق برامج وقنوات بمسميات مختلفة وشعارات براقة توحي بأن هناك تغييرًا حقيقيًا يلوح في الأفق، لكن ما إن تبدأ المشاهدة حتى يكتشف المتابع أن ما يحدث في كثير من الأحيان ليس أكثر من إعادة تدوير للمشهد ذاته وإعادة توزيع للأدوار نفسها وكأننا أمام لعبة كراسٍ موسيقية لا تنتهي.
المشكلة الأساسية التي يعاني منها الإعلام المصري اليوم خاصة (ماسبيرو)، ليست في نقص الإمكانات ولا في غياب الكفاءات الشابة ولا حتى في ضعف الموارد البشرية القادرة على صناعة محتوى محترم وجذاب.
المشكلة الحقيقية تكمن في الإصرار الغريب على الاعتماد على الوجوه نفسها التي ملها المشاهد وسئم متابعتها بعد سنوات طويلة من الحضور المتكرر والإخفاقات المتتالية. وكأن هناك قناعة راسخة لدى بعض القائمين على الصناعة بأن الجمهور لا بد أن يشاهد هذه المجموعة بعينها مهما كانت النتائج ومهما كانت ردود الأفعال ومهما بلغت حالة النفور التي أصابت قطاعات واسعة من المشاهدين.
وعلى رأي المثل الشعبي الشهير فإن المطلوب ليس مجرد (تغيير العتبة) بينما يبقى البيت على حاله في (ماسبيرو)، فما الفائدة من تغيير اسم القناة أو شكل الاستوديو، أو الديكورات والإعلانات إذا كانت الوجوه نفسها ما زالت تتصدر المشهد وتنتقل من قناة إلى أخرى بعد سلسلة طويلة من التجارب غير الناجحة؟
إن إعادة تدوير الأشخاص في (ماسبيرو) لا تعني تطويرًا ولا إصلاحًا، بل تعني في كثير من الأحيان الاعتراف الضمني بالعجز عن اكتشاف بدائل جديدة قادرة على مخاطبة الجمهور بلغة مختلفة وأفكار أكثر حداثة.

حملة دعائية ضخمة
المتابع للمشهد الإعلامي يلاحظ بسهولة أن كثيرًا من البرامج الجديدة لا تحمل في جوهرها أي جديد حقيقي.. فالوجوه ذاتها تنتقل من منصة إلى أخرى وكأن المشكلة كانت في المكان لا في الأداء، وعندما يفشل برنامج يتم نقل مقدمه إلى برنامج آخر. وعندما تتراجع نسب المشاهدة في قناة ما ينتقل المذيع نفسه إلى قناة أخرى مع حملة دعائية ضخمة توحي بأنه المنقذ المنتظر، ثم تتكرر النتيجة نفسها ويستمر مسلسل الإخفاق وكأن أحدًا لا يريد الاعتراف بأن الجمهور قد قال كلمته منذ سنوات.
ولعل ما يزيد من حالة الإحباط أن بعض المشاريع الإعلامية التي يُفترض أنها تمثل بداية جديدة ما زالت تعتمد على أدوات قديمة للغاية في التسويق والترويج، فقد شاهدت بالمصادفة افتتاح أحد البرامج التي تعول عليه الشركة المنتجة كثيرًا ضمن مشروعها الجديد المرتبط بـ (ماسبيرو).
وكان من اللافت أن البرنامج استند بشكل كبير إلى الوجوه القديمة في محاولة للترويج لنفسه وكسب ثقة الجمهور، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يمكن الحديث عن انطلاقة جديدة بينما يتم استدعاء الماضي بكل تفاصيله باعتباره الحل؟ وإذا كانت هذه الوجوه قد نجحت بالفعل في استعادة الجمهور فلماذا تراجع الإعلام من الأساس؟
إن الاعتماد المفرط على الحنين لا يصنع مستقبلًا.. صحيح أن هناك أسماء إعلامية محترمة لها تاريخها وقيمتها المهنية ولا أحد ينكر دورها أو تأثيرها في فترات سابقة لكن تحويل الماضي إلى وسيلة دائمة للهروب من الحاضر لا يمكن أن يكون استراتيجية ناجحة.
فالإعلام الناجح لا يعيش على الذكريات بل يصنع نجومه باستمرار ويقدم أفكارًا جديدة ويمنح الفرصة للأجيال القادمة لكي تثبت نفسها وتنافس وتبدع.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الوجوه فقط بل تمتد إلى المحتوى نفسه، فمن سوء الحظ أنني شاهدت أيضًا فقرة استضافت مجموعة ممن يطلق عليهن لقب مذيعات أو إعلاميات، وكانت النتيجة نموذجًا صارخًا لما يمكن وصفه بقمة السطحية والسخافة.
فالمشاهد الذي يجلس أمام الشاشة يبحث عن معلومة أو فكرة أو حوار يضيف إلى ثقافته شيئًا جديدًا لا يجد في كثير من الأحيان، سوى أحاديث عابرة وضحكات مفتعلة وتعليقات لا قيمة لها ونقاشات تدور حول أمور لا تشغل الجمهور ولا تمس اهتماماته الحقيقية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ماذا يستفيد المشاهد من كل هذا؟ أين الإعداد الجيد؟ أين البحث؟ أين اختيار الضيوف القادرين على تقديم قيمة حقيقية؟ أين الحوارات التي تفتح آفاقًا جديدة للفكر والمعرفة؟ أين المعلومة التي تحترم عقل الجمهور؟ للأسف أصبح جزء من المشهد الإعلامي قائمًا على الكلام من أجل الكلام.

تلك الحالة المستمرة من الثرثرة
ساعات طويلة من البث لا ينتج عنها أي محتوى حقيقي يمكن أن يتذكره المشاهد بعد انتهاء الحلقة بدقائق قليلة.. ومن أكثر الظواهر السلبية التي أصبحت سمة واضحة في عدد من البرامج المصرية تلك الحالة المستمرة من الثرثرة التي يمارسها بعض المذيعين والمذيعات، ففي الإعلام المحترف يكون المذيع وسيطًا ذكيًا بين الضيف والجمهور. يطرح السؤال ثم يمنح الضيف فرصة كاملة للإجابة. يصغي أكثر مما يتحدث. يدير الحوار ولا يحتكره.
أما في كثير من البرامج الحالية فإن المذيع يتحول إلى المتحدث الرئيسي والضيف يصبح مجرد ديكور أو وسيلة تمنح البرنامج شكل الحوار ليس أكثر.
كم مرة شاهدنا ضيفًا يحاول شرح فكرة أو تقديم معلومة مهمة فيتم مقاطعته قبل أن يكمل جملته؟.. وكم مرة رأينا مذيعًا يطرح سؤالًا ثم يبدأ بنفسه في الإجابة عنه قبل أن يتحدث الضيف؟
وكم مرة تحول الحوار إلى سباق كلامي بين مقدم البرنامج وضيوفه بحيث تضيع الفكرة الأساسية وسط الضجيج؟ هذه الممارسات لا تعكس احترافية إعلامية بل تعكس خللًا واضحًا في فهم طبيعة العمل الإعلامي ووظيفة مقدم البرامج.
بل إن الأمر وصل أحيانًا إلى درجة تجعل المشاهد يشعر وكأن الميكروفون ملتصق بفم المذيع أو المذيعة طوال مدة البرنامج. لا مساحة للضيف ولا فرصة للرأي الآخر ولا قدرة على الاستماع. مجرد تدفق مستمر للكلمات والتعليقات والانطباعات الشخصية التي تطغى على كل شيء. والنتيجة النهائية هي فقدان عنصر الحوار نفسه وتحول البرنامج إلى منصة أحادية الصوت مهما تعدد عدد الضيوف الجالسين أمام الكاميرات.
وفي المقابل نجد أن الجمهور لم يعد مضطرًا لتحمل هذا المستوى من الأداء كما كان الحال في الماضي. فالمنافسة أصبحت مفتوحة على مصراعيها.. المشاهد اليوم يمتلك عشرات البدائل بل مئاتها. يستطيع بضغطة زر أن ينتقل إلى قناة عربية أو منصة رقمية أو برنامج عبر الإنترنت يقدم محتوى أكثر جودة واحترامًا لعقله.
ولذلك فإن استمرار بعض المؤسسات الإعلامية في التعامل مع الجمهور بعقلية الاحتكار القديمة يعد خطأ فادحًا لا يمكن تبريره.

تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية
لقد تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية بالكامل بينما لا يزال بعض المسؤولين يتصرفون وكأن الزمن توقف قبل عشرين عامًا، لم يعد يكفي أن يظهر المذيع المعروف أو أن يتم إنفاق الأموال على الديكورات والإضاءة.. النجاح الحقيقي أصبح مرتبطًا بالمحتوى وبالقدرة على تقديم قيمة مضافة للمشاهد.. والجمهور أثبت مرارًا أنه مستعد لمتابعة أي تجربة جديدة إذا وجد فيها الجدية والاحترام والمهنية.
إن أزمة الإعلام المصري ليست أزمة جمهور كما يحاول البعض تصويرها.. الجمهور موجود ويتابع ويبحث عن المحتوى الجيد. لكنه فقد الثقة في كثير من البرامج التي تكرر نفسها وتعيد إنتاج أخطائها عامًا بعد عام.. كما أن الأزمة ليست في غياب المواهب لأن مصر مليئة بالشباب القادر على تقديم نماذج إعلامية مختلفة ومبتكرة. لكن المشكلة تكمن في غياب الجرأة على منح هؤلاء الفرصة الحقيقية وفي التمسك المستمر بأسماء استهلكت كل ما لديها ولم تعد قادرة على تقديم الجديد.
لقد مل الناس هذه الوجوه التي ظلت تتصدر الشاشات رغم تراجع تأثيرها وفقدانها القدرة على الإقناع، وابتعد كثير من المشاهدين عن القنوات المصرية والبرامج التقليدية لأنهم لم يجدوا فيها ما يستحق المتابعة، أما (ماسبيرو) الذي كان يومًا ما مدرسة إعلامية عظيمة ومصدر فخر لكل المصريين والعرب فإنه لن يستعيد مكانته بمجرد تغيير الشعارات أو إطلاق البرامج الجديدة.
العودة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالأخطاء ثم فتح الباب أمام أفكار جديدة ووجوه جديدة وعقول جديدة تعرف كيف تتحدث إلى جمهور تغير كثيرًا، ولم يعد يقبل بما كان يقبله في الماضي.
فإذا كان الهدف بالفعل هو استعادة ثقة المشاهد وإنقاذ الإعلام المصري من أزمته المزمنة فإن البداية يجب أن تكون بالتخلي عن سياسة تدوير الوجوه وإعادة إنتاج الفشل.. فالمستقبل لا يصنعه من استنفد كل فرصه بل يصنعه من يملك القدرة على تقديم رؤية مختلفة تحترم عقل الجمهور وتعيد إليه الرغبة في المشاهدة من جديد.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع