
* زلزال في ماسبيرو: عندما اهتز عرش صفوت الشريف وجاء البلتاجي لترميم الإمبراطورية
* صفوت بك جلس على مقعد الشورى وعينيه على وزارة الاعلام .. !!
بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري
في يوليو من عام 2004، لم يكن الطقس في القاهرة وحده القاهر والملتهب؛ بل كانت الأروقة السياسية داخل صالونات الحكم تغلي بقرارات غير متوقعة.. صدر التشكيل الوزاري الجديد.. حمل معه مفاجأة هزت أركان مبنى (ماسبيرو) العتيق: رحيل الرجل القوي (صفوت الشريف)، عن مقعد وزير الإعلام بعد نحو عقدين من الهيمنة المطلقة، ليتحول إلى مقعد رئيس مجلس الشورى، تاركاً خلفه إمبراطورية إعلامية ضخمة صاغ تفاصيلها بنفسه.
لم يكن المقعد الشاغر مجرد منصب وزاري، بل كان (كرسي جمر) لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منه، لافـ (صفوت الشريف) لم يترك مجرد مكتب، بل ترك شبكة معقدة من النفوذ، وإمكانات هائلة، وعلاقة وثيقة وراسخة بالرئيس حسني مبارك شكلت جداراً عازلاً يصعب اختراقه.
كان البلتاجي يدرك جيداً حجم التحدي؛ فهو لا ينافس شخصاً غائباً، بل ينافس (ظل) الرجل الذي لا يزال ممتداً في كل ركن من أركان التلفزيون المصري.
لم يكن يمتلك ذات الروابط التاريخية التي جمعت سلفه بمؤسسة الرئاسة، لكنه كان يمتلك سلاحاً آخر: خلفية قانونية ودبلوماسية رفيعة، وعقليّة تسويقية نجحت سابقاً في وضع مصر على خريطة السياحة العالمية.
بدأت معركة البلتاجي الصامتة مع (صفوت الشريف) لإثبات الذات وتثبيت أقدامه على ذلك الكرسي الساخن، لم يستسلم لضخامة الإرث أو قلة الروابط الشخصية المقارنة؛ بل شمر عن ساعديه مستغلاً المتاح من الإمكانات، ومحاولاً بجهد جهيد صياغة رؤية جديدة تخرج بالمنظومة الإعلامية من أسر (النمط القديم) إلى آفاق العصر الرقمي الجديد وضخ دماء استثمارية في عروق المبنى.

رحلة شاقة لصاحب طموح
لقد كانت فترة ولايته بمثابة رحلة شاقة لصاحب طموح، حاول بكل ما أوتي من قوة وجدارة وثقافة أن يملأ فراغاً ظن الكثيرون أنه لا يُملأ، ليثبت أن الإرادة والكفاءة يمكنهما أحياناً صياغة معادلة جديدة للنفوذ.
لإنصاف التاريخ، لم يكن ممدوح البلتاجي مجرد موظف بدرجة وزير جاء لملء فراغ تركه سلفه القوي (صفوت الشريف)، بل دخل مبنى (ماسبيرو) حاملاً عقلية (المُهندس والمُسوق) الذي يرفض الركود، وبجهد يوصف بالخرافي، خاض البلتاجي معركة ضد الزمن لتغيير وجه الإعلام الرسمي، تاركاً بصمات هندسية وبرامجية لا تزال شواهدها باقية حتى اليوم.
على المستوى الهندسي والتقني، أدرك البلتاجي أن الصورة هى واجهة الدولة، فبدأ ثورة صامتة لتحديث البنية التحتية للتلفزيون المصري. قاد عملية التحول التاريخي من البث التماثلي (الأنالوغ) إلى البث الرقمي (الديجيتال)، وأدخل أحدث تقنيات التصوير والإخراج لشبكة القنوات الأرضية والفضائية، معيداً صياغة الهوية البصرية للشاشات المصرية لتواكب الثورة التكنولوجية التي كانت تشهدها المنطقة.
أما على المستوى البرامجي والملامح الإعلامية، فقد نجح البلتاجي في كسر النمط التقليدي والجامد للإعلام الحكومي، باثّاً فيه روحاً جديدة تتسم بالجرأة والحيوية. وكان الإنجاز الأبرز الذي يحسب له حتى الآن هو تبنيه وتدشينه لبرنامج التوك شو الأضخم (البيت بيتك)، هذا البرنامج الذي غير مفهوم السهرات التلفزيونية في مصر، وجمع لأول مرة بين السقف المرتفع من الحرية، والتنوع البرامجي، والجذب الجماهيري والإعلاني غير المسبوق، ليصبح المنصة الأولى التي تخاطب الشارع المصري بلسانه.
لقد استطاع ممدوح البلتاجي، برغم قصر مدته، أن يثبت أن الإعلام الرسمي قادر على التجدد والمنافسة، وصنع وجهاً حديثاً لمصر يدمج بين عراقة المبنى وعصرية الرؤية.

قصة تفتت (ماسبيرو)
لم يكن التقصير يوماً في قاموس الدكتور ممدوح البلتاجي، ولم تكن الكفاءة هي ما ينقصه، بل كان العدو الأول والأشرس له هو (الوقت).
فالزمن الذي مُنح للرجل على ذلك الكرسي الساخن لم يتخطَّ عتبة الأشهر السبعة؛ وهي مدة أشبه بـ (لمح البصر) في تاريخ المؤسسات العملاقة، لم تسعفه ليترك بصمته الكبرى المؤثرة، أو ليجاري إمبراطورية صفوت الشريف التي صُنعت على عينٍ هادئة وطبخت على نار النفوذ الطويل طيلة عقود.
ومع رحيل (صفوت الشريف) وتبدل الأمكنة، بدا وكأن ذلك الكيان المهيب (ماسبيرو) أخذ يتراجع خطوة تلو الأخرى، حتى تفتتت قوته لاحقاً، وتوزع دمه بين القبائل؛ ليتحول مقعد وزير الإعلام الواحد في أزمان تالية إلى أربعة وزراء ومجالس وهيئات، ناهيك عن المكاتب والمراكز الإعلامية المتناثرة التي أفقدت المبنى مركزيته وهيبته القديمة.
لكن المأساة الحقيقية للبلتاجي لم تكن في قصر المدة فحسب، بل في تلك القصة العاصفة التي كنت – كشاهد عيان – طرفاً ومتابعاً لمولدها وفصول نهايتها؛ القصة التي فجّرت لغماً تحت كرسي الوزير.
كانت البداية عندما اتخذ البلتاجي قراراً جريئاً وعاصفاً، تجاوز به الخطوط الحمر السيادية للمبنى العتيق؛ قراراً بفتح الباب على مصراعيه للقطاع الخاص، وتحديداً نحو الرغبة في (بيع) أو تفويض إدارة إحدى القنوات التلفزيونية الأرضية لشخصية عربية ذات نفوذ واهتمام واسع بالشأن الإعلامي.
هذا القرار – الذي وُلد خلف الأبواب المغلقة وعاصرت كواليسه – اعتُبر في نظر مطبخ القرار السياسي تجاوزاً لا يمكن غفرانه، وضغطاً على عصب (الأمن القومي الإعلامي)، ولم تكد العاصفة تشتد، حتى صدر القرار الحاسم باستبعاد ممدوح البلتاجي ونقله بعيداً عن مبنى التلفزيون.

عبد الرحمن حافظ
بين جدران ذلك المكتب الذي كان يدير عصب الإنتاج الدرامي والإعلامي في مصر، كنتُ جالساً في جلسة خاصة وودية مع المهندس عبد الرحمن حافظ.. كان مكتب الرجل يعكس فلسفته الفريدة في الإدارة؛ فرغم فيلق السكرتارية وأطقم مديري المكتب المحيطين به، إلا أن الأبواب كانت مشرعة دائماً للأصدقاء، والمعارف، والشخصيات المؤثرة.
كان يدخلون دون استئذان طالما أن اللقاء لا يحمل طابع السرية الرسمية.. كانت هذه (السياسة المفتوحة) والبساطة الإنسانية هي السر الخفي وراء نجاح عبد الرحمن حافظ وتفوقه على أي صاحب قرار آخر في أجهزة الإعلام؛ فقد كان يبني جسوراً من الثقة لا تقيدها البيروقراطية.
وفجأة، انقطع هدوء الجلسة.. انفتح الباب ليدخل أحد أشهر مقدمي البرامج التلفزيونية في العالم العربي.. بالنسبة لي، كان وجهاً مألوفاً للغاية عبر الشاشات العربية، لكنها كانت المرة الأولى التي أراه فيها رأي العين على الحقيقة.. هو بالطبع لم يكن يعرفني، لكنني كنت أعرفه جيداً وأتابع بريقه.
دخل المذيع بخفة ظله المعهودة وبساطته التي أسرت الملايين، ملقياً بعبارات المداعبة والتهريج، وقبل أن يلتقط أنفاسه، نظر إلى المهندس عبد الرحمن وقال بنبرة تدمج بين الذهول والسخرية: (يا عبد الرحمن. ح) أقول لك خبر يجنن.. القناة الثالثة بتباع!.. معروضة للبيع!”.
وقبل أن يستوعب عبد الرحمن حافظ أنني ما زلت جالساً على كرسيّ ولم أتحرك، وقبل أن يدرك خطورة الحديث أمام طرف ثالث، التفت نحو المذيع كالملسوع، وسأله سؤالاً مفاجئاً، حاداً ومباشراً: (من قال كده؟)، ولم يتأخر الرد الصادم الذي نطق به المذيع ببساطة: (ابن ممدوح البلتاجي!).

لغة العيون والانسحاب الهادئ
في تلك الأجزاء من الثانية التي تلت نطق المذيع باسم (ابن ممدوح البلتاجي) تجمد الهواء في الغرفة.. التفت المهندس عبد الرحمن حافظ فجأة، وكأن الصدمة أعادت إليه وعيه بوجودي؛ تذكر فجأة أن هناك طرفاً ثالثاً يجلس على الكرسي، يستمع ويستوعب تفاصيل قنبلة سياسية وإعلامية من العيار الثقيل.
ولأن خلفيات المشهد كانت معقدة للغاية، حيث لم تكن العلاقات بين وزير الإعلام ممدوح البلتاجي والمهندس عبد الرحمن حافظ في أفضل حالاتها، إذ كانت الأجواء مشحونة بالفعل وخلف كواليسها بعض الخلافات والمشاكل الحساسة المتعلقة بـ (مدينة الإنتاج الإعلامي) وإدارتها.
فقد كان هذا الخبر بمثابة عود ثقاب أُلقي في حقل من القش.. المؤشرات كلها كانت تقول إن ما يحمله المذيع ليس مجرد “خبر يجنن”، بل وراءه تفاصيل وكواليس أعمق وأخطر بكثير.
لمحتُ بعيني لغة بصرية خاطفة وصارمة؛ التقت عينا عبد الرحمن حافظ بعيني المذيع في نظرة حادة كانت تصرخ بصمت: (انتظر.. لا تتمادى في الحديث.. نحن لسنا وحدنا!).
كنتُ أتابع هذا السيناريو الصامت والارتباك المكتوم الذي حلّ على الرجلين، وبذكاء المشاهد الذي يفهم الأصول، وقبل أن يتحول الموقف إلى حرج، قررتُ أن أرفع عنهما الحرج؛ استأذنتُ بهدوء، ونهضتُ مغادراً المكتب، تاركاً عبد الرحمن والمذيع وجهاً لوجه مع تفاصيل ذلك السر الكبير.
خارج مبنى المكتب، وفي تلك اللحظة تحديداً، تملّكني شعور بأن الأمر لا يتعدى كونه (كلام مجالس) أو موضوعاً عابراً سيذوب مع الأيام ولن يترتب عليه تبعات كبرى.
لم أكن أتخيل، ولا هما أيضاً في تلك اللحظة، أن ما استمعتُ إليه كان هو حجر الأساس الذي سيهدم المعبد، والشرارة التي بدأت قصة نهاية إمبراطورية، وسيجرف في طريقه رأس الوزير نفسه بعد أشهر قليلة في واحدة من أعنف الهزات التي شهدها إعلام مبارك.

تحول (العشم) إلى وثيقة سياسية
وتمر الأيام سريعة، حبلى بالمفاجآت التي لم أكن أتوقع حجمها أو أثرها المدمر.. قادتني الأقدار لألتقي بصديقي إيهاب الشريف، نجل الإمبراطور الراحل صفوت الشريف. كانت تجمعني بإيهاب علاقة وطيدة ومساحة واسعة من (العشم) والصداقة التي تجعل الحديث ينساب دون قيود أو حسابات سياسية معقدة.
وفي لحظة صفاء وعفوية شديدة، التفتُّ إليه وطرحت عليه السؤال الذي كان لا يزال عالقاً في ذهني كحكاية عابرة: (إيهاب، هل تعلم أن القناة الثالثة تُباع؟).
ارتسمت علامات التعجب والذهول على وجه إيهاب؛ فالخبر بالنسبة له وهو ابن رجل الإعلام الأول في مصر لقرابة ربع قرن كان بمثابة صدمة غير مستوعبة، وأمام دهشته، وبحسن نية الصديق، بدأت أشرح له بالتفصيل ما دار أمامي رأي العين.
رويت له المشهد الذي عشته في مكتب عبد الرحمن حافظ، ودخول المذيع المشهور، والكلمات المباغتة، ولغة العيون المذعورة، وصولاً إلى الاسم الفجّ الذي فجّر المفاجأة: (ابن ممدوح البلتاجي).
لم يكد الحديث المسترسل بيننا ينتهي، حتى شعرت بالخط الرفيع الذي يربط الصداقة بالسياسة وهو يشتعل.. أخرج إيهاب هاتفه المحمول دون تردد، وضغط على زر الاتصال بوالده.. بـ (صفوت الشريف) شخصياً.
كانت المكالمة أمامي مباشرة، مقتضبة لكنها حاسمة ومزلزلة.
قال إيهاب بنبرة جادة: (يا والدي إبراهيم أبو ذكري بيقول إن القناة الثالثة معروضة للبيع!).
وعلى الهاتف، بدأ إيهاب ينقل لوالده كل حرف رويته له بالتفصيل الدقيق، يسرد الأسماء، والوقائع، وكواليس مكتب عبد الرحمن حافظ، والجهة التي سربت الخبر. انتهت المكالمة، وانتهت معها مقابلتنا، ومضى كل منا في حاله.. دون أن ندرك، أو ربما أدرك (صفوت الشريف) وحده في تلك اللحظة، أن هذه المكالمة كانت هي الرصاصة التي انطلقت لتستقر في صدر الطموح الوزاري لممدوح البلتاجي.