

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
هناك أوجاع لا تُقاس بالكلمات، وأحزان لا يمكن للعمر كله أن يمحو أثرها من القلب، ولعل أصعب ما يمكن أن يمر به الإنسان هو أن يفقد ابنه، ذلك الجزء الذي يراه امتدادًا لعمره وحلمه ومستقبله، فالأب بطبيعته مثل حارس المرمى الشهير والممثل (إكرامي) ينتظر أن يكبر أبناؤه ليكونوا سندًا له في شيخوخته، لا أن يحملهم على أكتافه إلى مثواهم الأخير.
قرأت هذا البوست الحزين مؤخرا على الفيس بوك، نشره أحد المشاركين في محاولة لأن يكفكف دموع (إكرامي) التي ماتزال تجريان كنهر متدفق، كما يبدو ذلك وهو يحكي عن أكثر لحظتين قسوة في حياته، ويقول: إن ظهره انكسر مرتين، لكن المرة الأولى كانت الأقسى والأشد إيلامًا، يوم فقد ابنه أحمد بشكل مفاجئ ودون أي مقدمات.
يستطرد (إكرامي) الذي يعتصره ألم الفقد والحرمان من أعز الناس إلى قلبه: لم يكن (أحمد) مريضًا، ولم تكن هناك مؤشرات تدعو للقلق.. كان شابًا في مقتبل العمر يعيش حياته بصورة طبيعية، لذلك لم يتخيل والده أن يومًا عاديًا سيحمل له صدمة ستغيّر حياته إلى الأبد.
في ذلك اليوم، عاد (إكرامي) إلى منزله وقت الظهيرة كعادته، استعدادًا لتناول الغداء مع أسرته.. أخبرته زوجته بأن ابنه لم يستيقظ منذ الليلة السابقة، فقرر أن يذهب إلى غرفته لإيقاظه.. كانت لحظات عادية في ظاهرها، لكنها تحولت خلال ثوانٍ معدودة إلى واحدة من أكثر الذكريات إيلامًا في حياة لاعب الكرة الشهير.
فتح (إكرامي) باب الغرفة، واقترب من سرير ابنه، فوجده مستلقيًا على جانبه الأيمن بلا حركة.. لم يكن المشهد طبيعيًا.. كانت هناك علامات واضحة جعلته يدرك الحقيقة المؤلمة في لحظ قاسية على القلب ولا يستوعبها العقل.. قبل أن ينطق بها أحد.. في تلك اللحظة، عرف أن ابنه قد رحل.


ساعات من الصمت الطويل
يصف (إكرامي) تلك الثواني بأنها كانت أشبه بتوقف عجلة الزمن عن الدوران.. لم يستطع استيعاب ما يراه، وشعر بأن الكلمات اختفت من فمه، وأن جسده فقد القدرة على الحركة.. خرج من الغرفة منهارًا، واحتضن زوجته ليخبرها بالحقيقة التي لم يكن يريد تصديقها هو نفسه من فرط الصدمة التي عصفت به في ساعات من الصمت الطويل.
منذ تلك اللحظة، انقسمت حياة (إكرامي) إلى مرحلتين؛ حياة قبل وفاة (أحمد)، وحياة أخرى بعدها.. تغيرت نظرته إلى كل شيء.. الأشياء التي كانت تشغله لم تعد مهمة، والطموحات التي كان يسعى إليها فقدت بريقها أمام هول الفقد الكبير الذي أفقده التوازن بالنأكيد.. هكذا هم البشر الحقيقيون حين يتعرضون لصدمات الحياة القاسية.
ومع شدة الألم، وجد (إكرامي) نفسه يبحث عن ملاذ يخفف عنه ثقل الحزن.. لم يجد بابًا يطرقه سوى باب الله.. بدأ يقترب أكثر من العبادة والقرآن والدعاء، وأصبح يقضي ساعات طويلة في التأمل ومراجعة تفاصيل حياته السابقة على هذا الحدث الجلل الذي زلال حياته قلبها رأسا على عقب.
يقول (إكرامي) إن الحزن قاده إلى رحلة روحية عميقة، رحلة أعادت ترتيب أولوياته ومنحته فهمًا مختلفًا لمعنى الحياة.. أدرك أن الإنسان مهما امتلك من مال أو نجاح أو شهرة، فإنه يظل عاجزًا أمام قدر الله، وأن السكينة الحقيقية لا تأتي إلا من الإيمان والرضا.
وخلال تلك الرحلة، عاد (إكرامي) بذاكرته إلى حدث كان يراه غريبًا في وقته.. فبعد سنوات طويلة من إنجاب ولدين فقط، رزقه الله بابنة أسماها (حبيبة).. يومها لم يفهم لماذا جاء هذا المولود الجديد بعد كل تلك السنوات، وكان يتساءل عن الحكمة من ذلك.
لكن بعد رحيل (أحمد)، بدأت الصورة تتضح أمامه شيئًا فشيئًا.. شعر أن الله كان يهيئ له ولزوجته مصدرًا للدفء والمواساة في أصعب مراحل حياتهما.. أصبحت (حبيبة) نورًا يخفف من ظلام الحزن، وسببًا للاستمرار في رحلة الحياة رغم الألم.
لم يكن وجودها تعويضًا عن الابن الراحل، فالأبناء لا يعوض بعضهم بعضًا، لكن حضورها منح الأسرة قوة جديدة على مواجهة الحياة.. كانت ابتسامتها الصغيرة قادرة على كسر لحظات الصمت الثقيلة التي خيمت على المنزل بعد الفاجعة التي رحل على أثرها (أحمد).


الفقد الحقيقي لا يرحل من القلب
ومع مرور السنوات، لم يختف الحزن تمامًا، فالفقد الحقيقي لا يرحل من القلب، لكنه يتحول إلى ذكرى هادئة يسكنها الشوق والدعاء.. تعلم الأب أن يتعايش مع الألم، وأن يحمل ذكرى ابنه في قلبه دون أن يتوقف عن الحياة مهما كانت شواغلها.
هذه القصة ليست مجرد حكاية أب فقد ابنه، بل هى شهادة إنسانية على قدرة الإنسان على النهوض بعد السقوط، وعلى أن الإيمان يمكن أن يكون طوق النجاة في أصعب الأوقات، كما تذكرنا بأن الحياة، مهما بدت مستقرة وآمنة، قد تتغير في لحظة واحدة، وأن أثمن ما نملكه ليس المال أو المناصب، بل الأشخاص الذين نحبهم ونعيش بينهم، خاصة الأبناء.
ويبقى الدرس الأعمق في هذه الحكاية أن الألم، مهما كان قاسيًا، قد يفتح أبوابًا جديدة للفهم والنضج والقرب من الله، وأن بعض الحكم الإلهية لا ندركها إلا بعد سنوات طويلة من الصبر والتأمل.. فخلف كل ابتلاء قصة، وخلف كل قصة حكمة، وخلف كل حكمة رحمة قد لا نراها إلا عندما تهدأ العاصفة.
رغم أن القصة قديمة نوعا ما لكن تظل جرحا غائرا في الذاكرة ذكرنا بها (الفيس بوك).. ومن ثم قلبي مع نجم الكرة الشهير والممثل (إكرامي)، الذي قبل هذا الاختبار العظيم برباطة جأش وسعة صدر يحسد عليها في ابنه الأكبر (أحمد)، ولا نملك إلا ندعو له بالرحمة والغفران.. آمين يارب العالمين.
