
* عن حكمة امرأة اختارت أن تكون ممتلئة بالحنان بعيدًا عن الأضواء

بقلم الكاتبة الصحفية: ولاء جمال
هناك، في محل قديم يحمل عبق التاريخ بوسط البلد، دخلتُ لأصلح ساعتي التي تلازمني وأفضلها دوماً على غيرها من الساعات الحديثة. وبين تكتكات العقارب البطيئة، لم أكن أتخيل أنني سأسمع ما يُصلح أيضاً الصورة الذهنية لامرأة ظلمتها الشاشات: (إيمان ذو الفقار).
تلك المرأة التي اختزلتها أمها، الفنانة مريم فخر الدين، بكلمة عابرة وساخرة في لقاء تلفزيوني قديم – تأكّدتُ أن إيمان لم تحبه أبداً – حين قالت بتلقائيتها الناقدة: (إيمان ولا عايزة تشتغل ولا حاجة!).
لكن، وفي غمرة الدردشة مع ذلك الرجل الذي أصلح لي ساعتي، كشف لي عن وجه آخر تماماً.. حكى لي ببساطة كيف كانت (إيمان ذو الفقار) تُدرّس له في صغره، ثم باغتني بجملة وقعت عليّ في محيط من الدهشة والفرح: (كنت بحب صوت زعيقها!).
توقفتُ بذهول وأعدتُ سماع الجملة في عقلي مراراً.. كيف لطفل أن يحب صوت (زعيق) مُعلمته لهذه الدرجة؟.. أي دفء وحنان كانت تحمله (إيمان ذو الفقار) ليفرغ هذا الانفعال من قسوته ويحوله إلى ذكرى دافئة؟

السعي خلف النجومية
في تلك اللحظة، أدركتُ كم ظلمت الأضواء واللقاءات العابرة هذه الإنسانة.. مريم فخر الدين، بنرجسية الفن أحياناً أو بقلة دراية، تقيّمت بنتها بمعاييرها الخاصة؛ ورأت في عدم رغبة (إيمان ذو الفقار) في السعي خلف النجومية (قلة شغف).. بينما كانت (إيمان ذو الفقار) تختار بدلاً من ذلك شغفاً أنبل وأهدأ: أن تكون إنسانة (مؤلفة من الحنان)، تصنع أثراً حقيقياً ومباشراً في حياة من حولها.
هنا يكمن التباين البديع والعميق: أمّ عاشت تحت صخب الأضواء، تقيس النجاح بمعايير الاستعراض والظهور وحجم الضجيج، وابنة أدركت بحكمة صامتة أن الشغف الحقيقي لا يحتاج لكاميرات..
الشغف قد يكون (فلسفة حنان)، أن يكرس الإنسان نفسه ليكون ملاذاً لغيره، يُعلّم ويوجّه ويهتم بالتفاصيل الصغيرة في حياة ناس عاديين، بصرامة المحب التي جعلت رجلاً يستعيد (زعيقها) بعد كل هذه السنوات وكأنه معزوفة شجية.
اختارت (إيمان ذو الفقار) الجمال غير المشروط بالأضواء.. لم تكن بحاجة لإثبات أي شيء للشاشة، وظهرت حكمتها البالغة في أنها لم تتأثر بتسفيه أمها لها على الملأ، ولم تنجرف لصراع إعلامي، بل عاشت بسلام في المساحات الصغرى، متذكرة أن العمق الحقيقي يتشكل في الهدوء لا تحت أضواء الفلاشات.
وهنا يتملكني التساؤل: كيف لقلبٍ مرّ بالوحدة والافتراق المبكر في المدارس الداخلية، وسط ضجيج زواج وانفصال الوالدين، أن يخرج بكل هذا النقاء والدفء؟

صنعت التجربة العكس تماماً
المعتاد إنسانياً أن القسوة أو (الجفاء البيئي) يخلقان رد فعل دفاعي، إما قسوة مقابلة أو انغلاقاً وجفافاً.. لكن مع (إيمان ذو الفقار)، صنعت التجربة العكس تماماً.. قررت (إيمان ذو الفقار) أن تُعطي العالم كل ما قسا به العالم عليها؛ اختارت أن تكون هي (الملاذ) الذي احتاجه طفلها الداخلي يوماً ما.
حنان (إيمان ذو الفقار) لم يكن ضعفاً، بل كان (حنان المعاناة الناضجة؛ الحنان الذي صقلته صرامة المدارس الداخلية، فخرج مزيجاً فريداً من الانضباط والحب الصادق.
لم تكن (إيمان ذو الفقار) كما رُسمت على الشاشات؛ كانت أعمق بكثير وأشد حكمة.. كانت تدرك أن الأثر الحقيقي لا يُصنع أمام كاميرات السينما، بل في القلوب التي نلمسها ونغيرها.. وها هو (أثرها الحي) يخرج من دكان ساعاتي قديم بوسط البلد، ليرد لها اعتبارها الإنساني بعد سنوات طويلة، بكلمة واحدة اختصرت كل شيء: (كنت بحب صوت زعيقها).