
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
أعلن الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء أن الحكومة ستسعى الى سداد ديون (ماسبيرو) التي بلغت حوالى سبعة مليارات جنيه عن طريق إعادة هيكلة هذه الديون وسدادها عبر مجموعة من الإجراءات المالية، كمحاولة التفاوض مع البنوك الدائنة لشراء بعض الأصول!
لكن ما تغافلت عنه الحكومة أن السؤال الحقيقى ليس كيف نسدد الديون، بل كيف وصلنا إليها أصلًا؟ وكيف تحولت المؤسسة التى كانت يومًا أحد أهم أدوات الدولة المصرية إلى كيان ينتظر الإنقاذ بصورة متكررة؟
حين انطلق التليفزيون المصرى عام 1960 لم يكن مجرد محطة جديدة على خريطة البث، بل كان امتدادًا لحلم أكبر، فثورة يوليو أدركت أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أحد أهم أدوات القوى الناعمة وصناعة النفوذ، ومع هذا الإدراك تحول (ماسبيرو) إلى مشروع متكامل.
فخلال سنوات قليلة أصبح أحد أهم المؤسسات الإعلامية فى المنطقة، ينتج الدراما والبرامج والعروض المسرحية، ويستضيف نجوم العالم، ويؤسس لما عرف لاحقًا بالقوة الناعمة المصرية، وفي الحقيقة لم يكن مبنى ماسبيرو مجرد مقر إدارى، بل كان مصنعًا للوعى والفن والثقافة.
وفى العقود التالية توسعت المنظومة الإعلامية المصرية حتى امتلكت عشرات القنوات، وشركات إنتاج وإعلان، وأقمارًا صناعية، ومدينة إعلامية تعد من الأكبر فى المنطقة. ومن داخل هذا الصرح خرجت أعمال صنعت وجدان أجيال كاملة وبلغت الدراما المصرية عصرها الذهبى، حين أصبحت المسلسلات التى ينتجها التليفزيون المصرى حدثًا ينتظره الملايين فى كل بيت عربى.

تضخم الجهاز الوظيفى
لكن المؤسسات الكبرى لا تسقط فجأة، وإنما تتآكل ببطء.. فعلى مدار سنوات طويلة تراكمت المشكلات الإدارية والمالية، وتضخم الجهاز الوظيفى، وتراجع الاستثمار فى المحتوى، بينما كانت المنافسة الإقليمية تتطور بوتيرة أسرع.
وجاءت ثورة يناير لتكشف حجم الأزمة الحقيقى.. لحظتها لم يكن التليفزيون المصرى يواجه فقط تحديًا سياسيًا أو مهنيًا، بل كان يحمل على كتفيه جبلًا من الديون والالتزامات الإدارية التى تجاوزت قدرته على الاحتمال.
أذكر أننى قبل شهور دخلت مبنى (ماسبيرو) بعد سنوات طويلة من الغياب.. دخلته وأنا أحمل ذكريات زمن آخر، حين كنت أتردد عليه فى سنوات ازدهاره، أقدم أعمالًا مسرحية وبرامج واحتفاليات كبرى، وأشاهد مؤسسة تنبض بالحياة والحركة والإنتاج، لكن ما رأيته هذه المرة كان مؤلمًا إلى حد يصعب وصفه.
أرضيات متهالكة، وأثاث أنهكته السنوات، وردهات غارقة فى الظلام، وأجهزة تجاوزها الزمن، وستوديوهات تعكس حالة من الفقر البصرى لا تليق بتاريخ المكان.. لم يكن المشهد مجرد تراجع فى الإمكانات، بل كان أشبه بصورة رمزية لانحدار مؤسسة كانت يومًا أحد أهم أدوات الدولة المصرية فى تشكيل الوعى والثقافة.
ثم وجدت نفسى، بالصدفة، أعبر إلى مساحة أخرى داخل مبنى (ماسبيرو).. ديكورات أحدث، وأجهزة أكثر تطورًا، وبيئة عمل مختلفة.. وهناك أدركت أننى دخلت إلى إحدى المناطق التى تتبع الشركة المتحدة داخل المبنى نفسه.. فجأة بدا المكان وكأنه عالم آخر منفصل عن محيطه، جزيرة حديثة وسط بحر من الإهمال.
ادركت لحظتها أن (ماسبيرو) ما زال غارقًا فى أزماته.. والحديث عن التطوير يتكرر منذ سنوات طويلة دون أن ينعكس بصورة واضحة على المحتوى أو نسب المشاهدة، فالمؤسسة التى كانت تمتلك ذات يوم القدرة على صناعة نجومها وبرامجها ومسلسلاتها، قد تحولت إلى متفرج على سوق إعلامية كانت هى نفسها من صنعها.
فالتطوير الحقيقى لا يقاس بعدد الديكورات الجديدة ولا بحجم الإنفاق على الاستوديوهات، بل بقدرة المؤسسة على استعادة دورها وتأثيرها وجمهورها.. وإذا كانت المليارات قد أُنفقت تحت شعار التطوير، فمن حق الرأى العام أن يعرف ماذا كانت النتائج؟

انشاء كيانات إعلامية جديدة
وهنا يبرز سؤال آخر لم أجد له إجابة حتى الآن: هل كان الهدف تطوير (ماسبيرو) أم استبداله؟
كان من الممكن أن تقوم الحكومات المتعاقبة بإصلاح المؤسسة نفسها، وإعادة هيكلتها، واستثمار أصولها وخبراتها البشرية الهائلة.. لكن الدولة اختارت طريقًا آخر، فتركت (ماسبيرو) ليأكله الأهمال وسارعت الى انشاء كيانات إعلامية جديدة، انتهت إلى تجميع جانب كبير من السوق الإعلامية والإعلانية والإنتاجية داخل مظلة واحدة، على أمل خلق نموذج أكثر قدرة على المنافسة وأكثر كفاءة فى الإدارة.
غير أن السنوات التى تلت هذا التحول لم تقدم الإجابة الحاسمة التى كان الجميع ينتظرها.. ولعل أبلغ ما يكشف عمق الأزمة أن الكيان الذى قيل إنه جاء لإنقاذ الإعلام تحول هو الآخر إلى نموذج للأزمة نفسها.. فالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التى تأسست عام 2016 لتصبح اللاعب الأكبر فى سوق الدراما والقنوات والإعلانات، تكبدت خسائر ضخمة منذ سنواتها الأولى، وصلت فى بعض المواسم إلى نحو نصف مليار جنيه.
بينما ارتفعت ديونها لمدينة الإنتاج الإعلامى بنسبة قاربت 550% بين عامى 2020 و2024، وفق تقارير صحفية متداولة.. كما شهدت الشركة تغييرات متلاحقة فى قيادتها، فخلال عشر سنوات تعاقب على رئاستها 5 اشخاص، لم يفلح أيا منهم في سداد ديونها هي الأخرى!
هذه التقارير المتداولة لا تعنى فقط تعثر شركة بعينها، بل تطرح سؤالًا أكثر خطورة: كيف يمكن لكيان يسيطر على جزء كبير من سوق الإعلام والإعلان والإنتاج أن يظل يعانى هذا القدر من الاضطراب المالى والإدارى؟.. وإذا كان الاحتكار يبرر نفسه عادة بتحقيق الكفاءة الاقتصادية، فأين هذه الكفاءة فى ظل خسائر متكررة وتغيير دائم للقيادات؟
الأخطر من ذلك أن (ماسبيرو) نفسه لم يستفد من هذا التركّز الإعلامى كما كان يُفترض.. فلم يحصل التليفزيون المصرى على دفعة حقيقية فى الإنتاج أو الإعلانات أو المحتوى الحصرى، فتارة تستولى الشركة المتحدة على بعض القنوات من (ماسبيرو) كالقناة الأولى والفضائية، و تارة تتركها فيما يشبه التخلص من حمامك القديم ، بينما يظل المشاهد يتجه إلى منصات أخرى بحثًا عن التنوع والمنافسة.

مؤسسة قديمة تغرق فى الديون
وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مفارقة قاسية: مؤسسة قديمة تغرق فى الديون، ومنظومة جديدة تمتلك معظم الأدوات لكنها ما زالت تبحث عن معادلة النجاح.
لقد نجحت مصر فى الماضى حين تعاملت مع الإعلام باعتباره مشروعًا وطنيًا متكاملًا، وليس مجرد نشاط اقتصادى مقياسه المكسب و الخسارة أو أنه أداة إدارية لتنظيم الإعلام والسيطرة على رسائله الموجهة للجمهور.
أما اليوم فنبدو وكأننا نمتلك الأبنية والخبرات والتاريخ، بينما نفتقد الخطة التى تحول كل ذلك إلى قوة حقيقية برغم اللجان الكثيرة و التوصيات المتعددة لأننا فقدنا البوصلة و تراوحنا بين تحقيق نجاح على مستوى (القوى الناعمة) أو الخضوع (لمتطلبات السوق).
وإذا كان ملايين المشاهدين يقبلون اليوم على متابعة تراث التليفزيون المصرى عبر قناة (ماسبيرو زمان)، فهذه ليست فقط حالة حنين إلى الماضى، بل شهادة حية على قيمة ما تم بناؤه ذات يوم.. وهى فى الوقت نفسه تذكير مؤلم بحجم ما تم فقدانه.
فماسبيرو لم يمت بعد، لكنه يقف على مفترق طرق.. إما أن يُنظر إليه باعتباره عبئًا يجب التخلص منه تدريجيًا، أو باعتباره أصلًا استراتيجيًا يستحق الإنقاذ والاستثمار.. وبين الخيارين تتحدد ليس فقط مصير مؤسسة إعلامية عريقة، بل مصير جزء مهم من القوة الناعمة المصرية نفسها.