رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!

(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!

(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!
لم يكتف (وحيد حامد) بإعدام القضاء، بل أعدم النيابة معه
(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

لم يكن (وحيد حامد) كاتباً يكتب أفلاماً، بل كان معولاً يحفر في جدار الدولة.. وإذا كان فيلم (البريء) قد سوّل للعسكري أن يوجه بندقيته إلى صدر المؤسسة العسكرية، فإن (الغول) سبقه بعامين ليسوّل للمواطن أن يوجه ساطوره إلى صدر المجتمع.. اختلف الضحايا، لكن القاتل واحد: اليأس الذي كتبه وحيد حامد بحبر شرعيته الفنية.

في عام 1983، كانت البلاد لا تزال تحت صدمة اغتيال رئيس الدولة عام 1981. كان منطق الجماعات التي ارتكبت الجريمة واضحاً: (إذا كان الحاكم فاسداً والقانون عاجزاً، فالحل هو الرصاص).. في تلك اللحظة الفارقة، لحظة الارتباك الوطني، كان الوطن يحتاج إلى من يرمم هيبة القانون ويعيد للقلم قداسته.

فماذا فعل (وحيد حامد)؟.. لم يرمم، بل هدم. لم يقدس القلم، بل أعدمه.. أخرج للناس (الغول)، ولم يكن فيلماً، بل كان فتوى فنية بالقتل.

الكاتب الذي يدّعي محاربة الإرهاب بنى فيلمه على إعدام كل أدوات الدولة المدنية.. عادل عيسى، الصحفي، يشهد جريمة قتل، ويقاتل لإدانة القاتل نشأت الكاشف، لكنه يرى النفوذ وهو يسحق الأدلة ويشتري الذمم، حتى ينتهي الأمر ببراءة القاتل في قاعة المحكمة. هنا يصرخ عادل عيسى معترضاً على الحكم، فيكون جزاؤه أن يُلقى به في الحجز أربعاً وعشرين ساعة.

(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!
هذه لم تعد دراما، هذه دعوة صريحة للفوضى

رسالة (وحيد حامد) واضحة

الرسالة التي كتبها (وحيد حامد) واضحة: القلم كتب وشهد، والقضاء سجنه.. العدالة لم تمت فقط، بل سجنت من يطالب بها.. أي دراما هذه التي تجعل من اليأس عقيدة؟ وحيد حامد لم يترك للمشاهد باباً واحداً للأمل. أغلق عليه غرفة العدالة، وسلّمه المفتاح الوحيد: الساطور.

ولم يكتف (وحيد حامد) بإعدام القضاء، بل أعدم النيابة معه.. جعل وكيل النيابة، الذي جسده صلاح السعدني، صديقاً قديماً للصحفي عادل عيسى.. الرجل الذي يمثل سلطة الاتهام، ويمثل ضمير القانون، ويمثل الشعب.. لكنه في النهاية يقف عاجزاً أمام نفوذ فهمي الكاشف.. والكارثة الكبرى ليست في عجزه فقط، بل في تعاطفه.

حين يقف عادل عيسى أمامه بعد أن قتل فهمي الكاشف بالساطور، لا يواجهه صديقه وكيل النيابة بصرامة القانون، بل بعيون تفيض تفهماً. هذه هي رصاصة الرحمة التي أطلقها وحيد حامد على ما تبقى من الدولة: إذا كان وكيل النيابة نفسه متعاطفاً مع القاتل، فمن الذي سيطبق القانون؟

هذه لم تعد دراما، هذه دعوة صريحة للفوضى.. إذا سقط القاضي، وسقط وكيل النيابة، فلم يبق إلا أن يحمل كل مواطن ساطوره.

وبمنطق الفوضى هذا، كتب (وحيد حامد) مشهد النهاية بمداد من نار.. عادل عيسى لا يلجأ إلى نقابة، ولا يشكو إلى الرأي العام، ولا ينتظر عدالة السماء.. يخرج من حجز المحكمة مباشرة، يحمل ساطوراً، ويهوي به على رأس فهمي الكاشف.. هذا ليس مشهد جريمة في عرف وحيد حامد، هذا مشهد عدالة. لم يقدم لنا قاتلاً تطارده الشرطة، بل قدم بطلاً يأخذ حقه.

إن المنطق هنا مرعب في تطابقه مع منطق الجماعات: المبرر واحد وهو فساد القانون، والأداة واحدة وهي التصفية الجسدية.. اختلف المقتول، لكن القاتل الحقيقي واحد، وهو الفكرة التي كتبها وحيد حامد: إذا مات القانون، فاحمل الساطور.

(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!

(الغول) عند (وحيد حامد).. ساطور في صدر المجتمع!
هذا ليس تحذيراً من العنف، هذا كتالوج لاستخدامه.. هذا ليس رفضاً للإرهاب، هذا شرح منهجي لأركانه

ليس تحذيراً من العنف

والكارثة الأكبر ليست في تبرير القتل، بل في تسويقه بلا ثمن. وحيد حامد لم يضع لبطله عقاباً.. لم يجلده الضمير، ولم ينتحر ندماً. تركه يغادر المشهد منتصراً والساطور يقطر دماً، وأمام وكيل نيابة متعاطف.. هذه هي الرسالة التي تسللت إلى وجدان الملايين: (اذبح الفاسد، حتى النيابة ستتفهم دوافعك).

هذا ليس تحذيراً من العنف، هذا كتالوج لاستخدامه.. هذا ليس رفضاً للإرهاب، هذا شرح منهجي لأركانه، فالقتل يظل جريمة، حتى لو كان الضحية يستحق العقاب، لأن المواطن ليس قاضياً، ولا يجوز له أن ينصب نفسه جلاداً، وإلا تحول الوطن إلى غابة يحمي فيها وكيل النيابة القاتل بدلاً من الضحية.

وهنا يسقط القناع عن التناقض الذي عاش به الرجل أربعين عاماً.. يطل على الشاشات وفي الندوات صارخاً: (أنا عدو الإرهاب الأول).. فكيف تعادي الإرهاب ويدك هي التي كتبت بيانه التأسيسي؟ إن دستور أي جماعة إرهابية يقوم على ثلاثة أركان: أولاً، تشويه الحاكم وتقديمه كفاسد.

ثانياً، إعلان وفاة القانون وعجزه.. ثالثاً، فرض القتل كحل أوحد.. افتح سيناريو (الغول) الآن، ستجد هذه الأركان الثلاثة هي الهيكل العظمي للفيلم.. وزاد عليها وحيد حامد ركناً رابعاً أخطر: تواطؤ سلطة الاتهام نفسها مع القاتل. لم يكن عدواً للإرهاب. كان كاتب خطاباته المفوه.

لهذا السبب وحده فهمت الدولة خطورة النص.. لهذا السبب وحده منعت الرقابة (الغول) عام 1983.. كان رجال الدولة آنذاك يدركون أن هذا الفيلم ليس فناً، بل قنبلة موقوتة زُرعت في الذاكرة بعد عامين من اغتيال رئيس الدولة.

سؤال يحرق الضمير الوطني

والسؤال الذي يحرق الضمير الوطني اليوم: كيف لمن فهمت خطورة القنبلة أن تكرم صانعها بعد أربعين عاماً؟ كيف لذراع الدولة الإعلامي أن ينتج فيلماً وثائقياً لتمجيد من هدم الثقة في القضاء والنيابة والاقتصاد وشرعية الدولة؟

الحقيقة التي يجب أن تُقال هى أن (الغول) لم يمت.. (الغول) الذي قتله عادل عيسى كان مجرد رجل.؟.. (الغول) الحقيقي الذي أطلقه (وحيد حامد) هو الفكرة.. فكرة أنك إذا يئست العدالة، فاحمل ساطورك.. هذه الفكرة لم تُدفن مع تتر النهاية، بل خرجت إلى الشوارع.

هذه الفكرة هى التي قتلت بعد (الغول) ضباطاً في كمائنهم، وجنوداً في ثكناتهم، وقضاة في محاكمهم.. (وحيد حامد) لم يكن مفكراً، كان مورداً للأفكار المسمومة.. والتكريم في الأوطان التي تحترم نفسها هو حق لمن يبني جداراً، لا لمن يصنع ساطوراً.

إن التحريض على القتل ليس وجهة نظر قابلة للنقاش.. والفن الذي يبرر إراقة الدم ليس فناً، بل هو شريك في الجريمة.. والتاريخ لا يرحم، والمحاسبة لا تسقط بالتقادم. وقد آن للوطن أن يفرق بين من ضمّد جراحه، ومن كتب عليها بالساطور: (العدل مات.. فاذبح).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.