

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
(عمرو دياب)، نجم كبير بنى اسمه وشيّد صرحه بالموهبة والإبداع والتجديد والبحث والتنقيب عن كل ما يجذب الناس في الموسيقى العالمية والشعبية، وقدم مزيجاً أمتع الأذن وأطرب الوجدان ونال التقدير ليعتلي قمة الغناء العربي على مدى أربعة عقود، ولكن يبدو أن القمة أفقدته وقاره وأوهمته أن الكبار لا يخطئون.
وكأنه لا يدرك أن محكمة الجمهور تكون أشد قسوة مع الكبار عندما يختارون السقوط من عليائهم باستهتارهم في حق موهبتهم واستهانتهم بجمهورهم، ليقدم خطيئته الغنائية من خلال ألبومه الجديد (حبيتك) والذي كان بمثابة صدمة لقطاع لا يستهان به من محبيه.
وهي الخطيئة التي سبقتها أخطاء تراكمت خلال السنوات الأخيرة وكأنه كان يصر من ذي قبل على سلوك طريق الهاوية وجاء هذا الألبوم ليكون القاضية على محبة بعض من جمهوره.
من حق أي فنان أن يجدد، ومن حقه أن يغيّر شكله، وأن يغامر في موسيقاه، وأن يبحث عن جمهور جديد، لكن ليس من حقه أن يهدم ما بناه بيديه طوال أربعين عاماً، أو أن يستبدل القيمة بالضجيج، والهوية بالموضة، والخلود بـ (الترند).
هذا تحديداً ما يفعله (عمرو دياب) في السنوات الأخيرة.
لم يعد الحديث عن أغنية جميلة أو لحن مختلف أو تجربة موسيقية جديدة، بل أصبح الحديث يدور حول (الحلق) الذي يرتديه، و(التاتو) الذي يغطي جسده، والملابس التي يتعمد أن يبدو بها أصغر بعقود من عمره الحقيقي، وكأن الزمن أصبح عدوه الأول، بينما كان ينبغي أن يكون رفيق رحلته الفنية.
الفنان الحقيقي كلما تقدم به العمر ازداد هيبة ووقاراً، واتسعت رؤيته، وازدادت أعماله عمقاً.. أما أن يتحول صاحب أكبر تاريخ غنائي في العالم العربي إلى مشروع دائم لإثارة الجدل حول مظهره، فهذه ليست شجاعة فنية، وإنما أزمة هوية.

خاب أمل قطاع عريض
ولأن الشكل لا يكفي وحده لإثارة الجدل، جاء ألبوم (حبيتك) ليضيف سبباً آخر للانقسام بين جمهوره الذي وضعه على القمة وخاب أمل قطاع عريض منه ليشعل معركة من التلاسن بشأن هذا الألبوم ركيك الكلمات وفارغ القيمة.
للمرة الأولى ربما منذ سنوات طويلة، لم ينشغل الجمهور بالألحان بقدر انشغاله بالكلمات:
متدلعين متعطرين وحنينين متبخرين
عملوا الحرير يا ولا، شبه البنات
لولا البنات يا ولا لولا البنات
كان بار الورد يا ولا في الدكانات
غزل البنات يا ولا، طعم البنات
الفل طالل يا ولا م البلكونات
سكر نبات يا ولا، دول كحكايات يا ولا
وغريبات يا ولا، طعم الشربات يا ولا
سكر نبات يا ولا، دول كحكايات يا ولا
وغريبات يا ولا، طعم الشربات يا ولا
عشرات التعليقات تساءلت: هل هذه هى اللغة التي وصلت إليها أغاني (عمرو دياب)؟ وهل أصبح يكفي أن تتجاور كلمات متشابهة في الوزن والقافية حتى تتحول إلى أغنية؟ وهل اختفت الصورة الشعرية، والمجاز، والدهشة، لتحل محلها عبارات سريعة الاستهلاك لا تعيش أكثر من عمر (الريل) الذي تُنشر عليه؟
المشكلة ليست في العامية، فـ (عمرو دياب) صنع مجده بالعامية المصرية، وليست في مخاطبة الشباب، فقد كان أول من فهم لغة كل جيل؛ المشكلة أن مخاطبة الشباب شيء، ومجاراة التفاهة شيء آخر.
كان (عمرو دياب) هو من يقود الذوق العام، فإذا به اليوم يبدو وكأنه يسير خلف أغاني المهرجانات والمغنيين الشعبيين.. كان يصنع الموضة الفنية، فإذا به يلهث وراء موضة مواقع التواصل. كان يفرض على السوق ما يغنيه، فإذا به يقدم أحياناً ما تفرضه خوارزميات المنصات الرقمية.
إنه انتقال مؤسف لفنان كان يصنع المستقبل، فأصبح يخشى أن يسبقه الآخرون إلى (الترند).


الإصرار على أن يبدو أصغر سناً
الأكثر إزعاجاً أن كل عمل جديد لـ (عمرو دياب) يتحول إلى معركة أهلية بين جمهوره.. فريق يعتبره فوق النقد، وفريق يرى أن تاريخه لم يعد يشفع لحاضره.. وبين هؤلاء وأولئك تضيع الحقيقة، ولم يعد مسموحاً أن تقول إن بعض الأغنيات ضعيفة، أو إن بعض الكلمات فقيرة، أو إن المظهر أصبح مبالغاً فيه، إلا وتُتهم بأنك تحارب النجاح أو تغار من الأسطورة.
الأسطورة الحقيقية لا تخاف من النقد، بل إن كبار الفنانين كانوا يعتبرون النقد وقوداً لتجاربهم الجديدة، لأنهم كانوا يدركون أن الجمهور الذي منحهم المجد من حقه أن يحاسبهم عندما يشعر أنهم ابتعدوا عن أنفسهم.
(عمرو دياب) لا يعاني من أزمة صوت، ولا من أزمة حضور، ولا من أزمة جماهيرية.. إنه يملك كل أدوات العودة إلى القمة التي لم يغادرها فعلياً؛ لكنه يعاني من أزمة أخطر: الإصرار على أن يبدو أصغر سناً بدلاً من أن يبدو أكبر قيمة.
هناك فارق هائل بين الشباب والنضج، الشباب مرحلة عمرية تنتهي، أما النضج فهو قيمة تتراكم.
وكان المنتظر من فنان تجاوز الستين أن يمنح الأغنية العربية طبقة جديدة من العمق، وأن يقدم خبرته الطويلة للأجيال، لا أن يدخل سباقاً مع مطربي العشرينات في الملابس والإكسسوارات والصور الدعائية.
لقد صنع (عمرو دياب) مدرسة كاملة في الغناء العربي، لكنه اليوم يبدو وكأنه يتخلى عن كثير من ملامحها طواعية.. والأخطر أنه يدفع جمهوره إلى الانقسام مع كل ألبوم جديد، حتى أصبح اسمه يثير الجدل أكثر مما يثير الإجماع.
الفن لم نعرفه أداة لتقسيم الناس وخلق فتنة بينهم، الفن الحقيقي يجمع المختلفين على الجمال، ويمنحهم لحظة اتفاق نادرة في عالم يمتلئ بالخلافات.. أما عندما يصبح الفنان نفسه سبباً في انقسام محبيه بين مدافع يرفض مجرد النقاش، وناقد يرى أن التاريخ يُهدَر أمام عينيه، فلابد أن يتوقف الجميع أمام هذه الظاهرة.
عرفنا (عمرو دياب) واحداً من أهم نجوم الغناء العربي، ولا يستطيع أحد أن يمحو تاريخه أو يقلل من تأثيره، لكن التاريخ ليس شهادة إعفاء من النقد، والنجومية ليست حصانة ضد المراجعة،
وربما تكون أعظم خدمة يمكن أن يقدمها محبوه له اليوم، ليس التصفيق لكل ما يقدمه، بل أن يذكّروه بأن (الهضبة) لم تصبح هضبة (بالحلَق، ولا بالتاتو، ولا بالملابس المثيرة للجدل)، وإنما بالأغنية التي تعيش في الوجدان سنوات لا أسابيع قليلة على قوائم الأكثر استماعاً، ولا ينبغي أن ينسى النجم التائه أن الهضبة يمكن أن تتحول إلى وادٍ سحيق بفعل زلزال وهو ما أحدثه بزلزال (حبيتك).