

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
هناك أغنيات تمر على الأذن ثم تختفي، وأغنيات تظل في الذاكرة لأنها كانت تقول شيئًا عن زمنها، لكن هناك نوعًا ثالثًا من الأغنيات أخطر من الاثنين؛ تلك التي لا تكتفي بأن تعكس واقعًا اجتماعيًا، بل تعيد تقديمه للجمهور في صورة مرحة ومحببة، حتى يبدو القبح جميلًا، والتناقض طبيعيًا، والانحراف في المعنى مجرد (تريند) قابل للرقص والتصفيق، على طريقة (روبي).
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تستحق تجربة (روبي) الغنائية الأخيرة وقفة نقدية حقيقية، فميني ألبوم (الحب إيه) ليس مجرد أربع أغنيات خفيفة للترفيه الصيفي، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو، من دون أن يقصد صُناعه ربما، مرآة شديدة القسوة لعصر يعاني فيه الحب نفسه من التضخم، ويبحث فيه الإنسان عن مشاعره داخل (الفيلا)، وعن أمانه في (العربية)، وعن قيمته في سعر (الشبكة)، وعن رومانسية العلاقة في كشف الحساب!
ربما (روبي) لا تتحمل وحدها مسؤولية هذه الرسائل بالطبع، لكن المشكلة أن الأغنية الشعبية واسعة الانتشار لا تعمل في فراغ.. إنها تدخل البيوت، وتصل إلى المراهقين والشباب، وتتحول كلماتها إلى عبارات تتردد على الألسنة، وربما تصبح مع الوقت جزءًا من قاموس التفكير والسلوك.. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

سؤال يحتاج إلى إجابة أخرى
ففي أغنية (الحب إيه؟)، كلمات مصطفى حدوتة، وألحان عطار، وتوزيع كولوبكس، تقدم (روبي) تعريفًا ساخرًا للحب:
(الحب إيه؟ غير ضحكة ونظرة وكم مليون جنيه
الحب إيه؟ غير فيلا، وشبكة، وعربية، وشاليه
الحب إيه؟ غير إنه يجيب كل اللي أقول عليه)
قد تكون الأغنية مجرد لعبة ساخرة، وقد يكون المقصود هو السخرية من فتاة مادية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام نقد للمادية أم أمام تزيين لها؟
المشكلة أن السخرية، حين تكون شديدة الجاذبية، قد تفقد اتجاهها، والجمهور لا يقرأ دائمًا ما بين السطور، بل قد يكتفي بما يسمعه ويكرره.
والأخطر أن الأغنية تقدم صورة للمرأة وكأنها لا تبحث عن رجل تحبه، وإنما عن (محفظة) تمشي على قدمين.
لا يهمها إن كان حنونًا أو كريم المشاعر أو صادقًا أو صاحب شخصية محترمة؛ المهم أن يحقق رغباتها، ويفتح أبواب الرفاهية أمامها.
هكذا يتحول الرجل من (حبيب) إلى (مموّل) وتتحول المرأة من شريكة في علاقة إنسانية إلى مستهلكة تنتظر خدمات عاطفية مدفوعة الأجر.
وإذا كان هذا هو المقصود بالسخرية، فالسؤال: أين المسافة النقدية التي تمنع الرسالة من أن تُفهم باعتبارها نموذجًا يحتذى؟

جيل فقد الثقة في الحب
ثم تأتي (الناس الوحشين) كلمات وألحان عزيز الشافعي، لتضعنا أمام وجه آخر أكثر قتامة.
(قلبي يا طيب يا اللي اتخميت
يخرب بيت الطيبة).
ثم:
(فرحان أوي قال علشان حبيت
حبيت إيه بلا خيبة
نصباية كبيرة وضحكوا عليك).
هنا نحن أمام قلب لم يعد يرى في الحب نجاة، بل (نصباية)، فالحب خدعة، والطيبة غباء، والنية الصافية تهمة، ومن يحب هو الشخص الذي لم يتعلم بعد كيف يحمي نفسه.
قد تكون هذه الروح الساخرة تعبيرًا عن زمن كثرت فيه الخيانات والانفصالات والعلاقات السامة، لكن الخطير أن يتحول الشك إلى فلسفة، وأن تصبح الخيانة هي القاعدة والحب هو الاستثناء.
فإذا كانت الأغنية القديمة تقول للإنسان: (ثق في الحب)، فإن جزءًا من الأغنية الجديدة يقول له: «ثق في نفسك فقط، وكل من حولك مشروع خيانة محتملة، وهنا لا نكون قد فقدنا الرومانسية فقط، بل فقدنا معها شيئًا من القدرة على الثقة بالآخر.

هل هذه ثقة بالنفس أم عبادة للذات؟
أما أغنية (مش مغرورة)، كلمات حسين خالد، وألحان وتوزيع أردني، فتدخل بنا إلى منطقة ثالثة: المرأة التي تحب نفسها إلى درجة تكاد لا ترى أحدًا سواها.
(أحلى حاجة فيّا.. كل حاجة فيّا
لا مش نرجسية.. دي مجرد حبة ثقة)
ثم:
(لو كان غيري حلو شوية
فأنا حلوة شويتين ونص)
من حق المرأة أن تحب نفسها، ومن حقها أن تثق بجمالها وقدراتها، بل إن تعزيز الثقة بالنفس ضرورة في مواجهة صور التنميط والاضطهاد التي عانت منها النساء طويلًا.. لكن هناك فارقًا شاسعًا بين الثقة بالنفس وتحويل الذات إلى مركز الكون.
الثقة تقول: أنا جميلة وأنت جميل، أما النرجسية فتقول: أنا جميلة لأنك أقل مني، وهنا كان يمكن للأغنية أن تقدم خطابًا أكثر ذكاءً عن تمكين المرأة، لكنها اختارت الطريق الأسهل: المبالغة، والغرور المحبب، والاحتفاء بالذات حتى حدود الاستغناء عن الآخرين.
وهو خطاب يتماشى تمامًا مع زمن «السيلفي»؛ زمن أصبح فيه الإنسان مشروعًا دائمًا لتسويق نفسه.

(قلب مامي) شاهدًا على الخيانة
في (قلب مامي)، كلمات وألحان وتوزيع أحمد طارق يحيى، نقترب من الواقع أكثر.
(مهما هتحلف كداب
يشهد باسورد الواتساب).
هنا تلتقط الأغنية ظاهرة حقيقية: التكنولوجيا لم تغير طريقة تواصلنا فقط، بل غيرت شكل الخيانة نفسها، لكن المفارقة أن الأغنية تقدم المرأة هذه المرة في صورة أكثر قوة.. امرأة ترفض أن تكون الضحية الأبدية، وتقول للرجل الخائن:
(سبتني زعلانة كتير
دلوقتي أهو جه دورك تتساب)
وهذه رسالة إيجابية في جوهرها، لأنها تضع حدًا لفكرة أن على المرأة أن تتحمل الخيانة إلى ما لا نهاية.. لكن حتى هنا، تبدو العلاقات وكأنها معركة انتقامية: أنت خنتني، إذن سأتركك.. أنت كسرتني.. إذن سأكسر قلبك.
وبينما كانت أغنية الأمس تبحث عن المصالحة والاحتواء، أصبحت أغنية اليوم تبحث عن (رد الضربة).

صباح



رسائل الماضي
والسؤال الآن هل الأغنية الحالية مازالت مؤثرة، ويمكن أن تُهدي وتضل إنسان؟!، وهل النماذج من الأغنيات التى قدمتها (روبي) يمكن أن تعيد تفكير البنات والستات في القضايا الخاصة بهم، أم أن الجيل الحالي تبلدت مشاعره ويكتفي فقط بالإستماع دون محاكاة أو تقليد لما يسمعه؟
هذه الأسئلة التى تحتاج أطباء نفسيين واجتماعيين ليجاوبوا عليها، تجعلنا نتذكر بعض أغنيات الماضي التى كانت تحمل رسائل تنويرية، وإجتماعية هادفة، وكانت البنت تكلم أمها عن مشكلات قلبها، وهمومها العاطفية.
وذلك لأن الأم هى الملاذ الوحيد لها، وسبق وعانت نفس المشكلات، واكتوت بنارها، لهذا سمعنا أغنية تقول: (مال الهوى يا امه، مال، أنا لا ملت إليه ولا ندهت عليه، هو اللي مال يا مه) من غناء (صباح)، وأغنية أخرى تغنيها (فايزة أحمد) تقول (يا مه القمر ع الباب، نور قناديله، يا أمه أرد الباب ولا أناديله).
وفي رحلة الأغنية لم تهمل دور الأب فتغني (أحلام): (وقفوا الخطاب سنتين ع الباب، مارضيش أبويا، بعتوا المراسيل بكتير بقليل، مارضيش أبويا، لأجل نصيبي، راح له حبيبي، وافق ابويا).
فهنا الأغنية ترسل رسالة لكل أب أن ينتقي لابنته من بين الخطاب من يوافق هواها ويميل إليه قلبها، فإن عثر عليه فلا يتردد في قبوله.
ولأن البنات في الماضي كانواعكس (روبي)، لا يهمهم المال، ويحملون البراءة والنقاء والرومانسية، فنجد (شادية) تطلب من حبيبها (اقطف لي من البستان عقدين حب الرمان، وتلات وردات أخوات أشبكهم ع الفستان).
وتتمسك (صباح) بحبيبها، غير مكترثة بما يقدمه غيره من مال وجاه ولولي و(حاجات من دي) قائلة: (جابولي حرير هندي، ولولي وحاجات من دي، قلت لهم مافيش عندي أغلى من اللي هناني، ايه يعني حرير وقصور، ودولاب بمريات بنور، إيه يعني دهب بالكيل، وجناحي يبات مكسور).
في النهاية تلعب الأغنية دوراً محورياً في تشكيل الوعي المجتمعي؛ فهي ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هى مرآة تعكس ثقافة الشعوب، وتوثق تاريخها، وتساهم في غرس القيم والمبادئ الأخلاقية، فضلاً عن كونها أداة فعالة لتحفيز التغيير والدعوة للحقوق.
لكن السؤال هل مازالت الأغنية تلعب نفس الدور؟!
المشكلة في منظومة كاملة جعلت الحب نفسه سلعة، وجعلت النجاح مرتبطًا بالمال، والجمال مرتبطًا بالاستعراض، والعلاقات مرتبطة بالشك، والثقة بالنفس تقترب أحيانًا من النرجسية.. (روب)ي هنا ليست المرض، وإنما واحدة من أعراضه.
نحن نعيش في عصر يمتلك كل وسائل الاتصال، لكننا ربما فقدنا أهم شيء كانت الأغنية القديمة تمنحه لنا: القدرة على الكلام عن مشاعرنا.. كانت الأغنية تساعد الإنسان على فهم نفسه.. أما اليوم، فكثير من الأغنيات تكتفي بأن تقول له ما يريد أن يسمعه، ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه أغنيات (الحب إيه)، ليس: هل (روبي) أخطأت؟، السؤال هو: هل أصبح الحب فعلًا (فيلا وشبكة وعربية وشاليه؟).
إذا كانت الإجابة نعم، فالمشكلة ليست في الأغنية.. المشكلة أننا وصلنا إلى زمن أصبحت فيه الأغنية تعكس مجتمعًا لم يعد يبحث عن الحب لذاته، بل يبحث عن (مواصفات الحب) وسعره ومكاسبه وعوائده.
أما إذا كانت الإجابة لا.. فربما نحن بحاجة إلى أغنية جديدة تقول للناس، ببساطة شديدة: الحب إيه؟.. الحب هو أن تجد إنسانًا لا يتركك وحدك عندما ينتهي كل شيء.. لا عندما تنتهي الفلوس.