رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(الهضبة) في مرمى السخرية.. هل دفع (عمرو دياب) ثمن استسهال (حبيتك)؟

(الهضبة) في مرمى السخرية.. هل دفع (عمرو دياب) ثمن استسهال (حبيتك)؟
بعد (ابتدينا)، شعر الجمهور أن (الهضبة) لا يزال قادرًا على التجدد
(الهضبة) في مرمى السخرية.. هل دفع (عمرو دياب) ثمن استسهال (حبيتك)؟
أحمد السماحي

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي

لم يكن أحد يتوقع أن يتحول الإعجاب الكبير الذي أحاط بألبوم (ابتدينا) لـ (عمرو دياب) العام الماضي، إلى موجة من السخرية والنقد اللاذع مع ألبومه الجديد (حبيتك) لكن ما حدث لا يمكن اختزاله في (ترند) عابر، أو تقلب مفاجئ في مزاج الجمهور، أو مؤامرة ضد نجم بحجم (الهضبة).

الحقيقة أكثر قسوة وهي أن (عمرو دياب) نفسه هو الذي رفع سقف التوقعات، ثم جاء ألبوم (حبيتك) ليكشف الفارق بين فنان اعتاد أن يقود ذوق الجمهور، ونجم يبدو في بعض لحظات ألبومه الجديد وكأنه يكتفي بتقديم ما يعرف مسبقًا أن الجمهور سيستهلكه.

بعد (ابتدينا)، شعر الجمهور أن (الهضبة) لا يزال قادرًا على التجدد، وأن وراء الاسم الكبير فنانًا يبحث عن فكرة جديدة، ولحن مختلف، وجملة تستحق أن تعيش، لكن مع (حبيتك) تبدل الإحساس.

في عدد من أغنيات الألبوم، بدا (عمرو دياب) وكأنه اختار الطريق الأسهل والأكثر أمانًا: إيقاعات راقصة، جمل قصيرة، كلمات سهلة الحفظ، أفكار سريعة، وتوزيعات مصطعنه مصممة لكي تلتقطها الأذن من المرة الأولى.

وهنا يجب أن نفرق بين (البساطة) و(الاستسهال)، فالبساطة ليست عيبًا، بل ربما تكون أصعب أشكال الكتابة، أن تقول شيئًا عميقًا بلغة بسيطة، وأن تصنع أغنية خفيفة دون أن تكون خفيفة القيمة، تلك معادلة نجح (عمرو دياب) نفسه في تحقيقها مرات عديدة.

أما أن تصبح البساطة غطاءً لغياب الفكرة، وأن يتحول اللحن والإيقاع إلى ستار يخفي كلمات لا تملك الكثير لتقوله، فهذه قصة أخرى، وهنا تبدأ أزمة ألبوم (حبيتك).

فرغم جاذبية وجمال بعض الألحان والتوزيع، وعذوبة أغنيات مثل (أنا معاك، سلام كبير، بحاول، جيتلك) إلا أن باقي أغنيات الألبوم تتميز بالتفاهة والسطحية، وبعضها يتكون من عدد قليل من الكلمات يتم تكرارها بكثرة لكي تحفظ بسرعة، ويرقص عليها المراهقين اليوم، وينسونها بكره!

(الهضبة) في مرمى السخرية.. هل دفع (عمرو دياب) ثمن استسهال (حبيتك)؟
(عمرو دياب) قرر في (حبيتك) أن يقدم فن تجريبي، يخاطب به جمهوره، والـ (فانز) الخاص به

قرر أن يقدم فن تجريبي

يبدو أن (عمرو دياب) قرر في (حبيتك) أن يقدم فن تجريبي، يخاطب به جمهوره، والـ (فانز) الخاص به، وكثير من السذج، طالما سيصفقون له مهما قدم من تفاهات فنية، من نوعية (يا فراولة أنا نفسي أشربها عصير!)، و(مش باخد يدوب غلوة)، و(أي اتنين حبوا بعض محدش فيهم حب أوي)، و(حلو الفستان أخر جمدان).

ربما لم يكن (عمرو دياب) يتوقع أن تتحول بعض الجمل التي يغنيها إلى مادة جاهزة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الجمهور فعلها، فعندما يسمع عبارات مثل: (يا فراولة أنا نفسي أشربها عصير)، أو (حلو الفستان آخر جمدان)، أو (قبل 12 بالليل أنا ببقى بفكر فيك، بعد 12 بالليل أنا برضه بفكر فيك).

فمن حقه أن يتساءل: هل نحن أمام كتابة غنائية حقيقية، أم أمام جمل مصممة لكي تنتشر سريعًا على منصات التواصل الإجتماعي والتيك توك؟!

السؤال ليس ساخرًا بقدر ما هو مشروع، فالأغنية ليست مجرد كلمات سهلة الحفظ، وليست مسابقة في الوصول إلى (الترند).

الأغنية الحقيقية تمنحك إحساسًا بالجمال والعذوبة، أوتذكرك بشخص، أوتعيدك إلى مكان، أوتوقظ داخلك ذكرى، أما الأغنية التي تنتهي مهمتها بانتهاء (الترند)، فهي في النهاية منتج استهلاكي سريع، مهما بلغت أرقام مشاهداته.

وتأتي أغنية (المفضل) التى يقول مطلعها (إنت لوني المفضل، وإنت يومي المفضل، وإنت رقمي المفضل، ومكاني المفضل) فهي تحتاج أشهر وأهم قواميس ومعاجم اللغة العربية التاريخية والحديثة مثل المعجم الوسيط!، لكي نفهم ماذا يريد أن يقول هذا المغني الفذ! أوماذا تريد ننوسة عين مامتها الشاعرة (منة القيعي) كاتبة الأغنية أن تقوله!.

وهذه الأغنية وغيرها من التفاهات التى قدمها (الهضبة) تضع الأزمة في صورة أوضح، فالتكرار يمكن أن يكون اختيارًا فنيًا ناجحًا إذا كان جزءًا من بناء موسيقي متماسك، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التكرار هو الفكرة نفسها، وهنا يطرح (حبيتك) سؤالًا مهمًا، هل تكفي سهولة الجملة حتى تصبح أغنية جيدة؟

بالطبع لا، فالأغنية الجماهيرية ليست بالضرورة سطحية، والأغنية البسيطة ليست بالضرورة فقيرة، والدليل موجود في تاريخ (عمرو دياب) نفسه؛ فقد غنى أغنيات سهلة وبسيطة، لكنها تركت أثرًا عميقًا وتحولت إلى جزء من الذاكرة.

الفارق أن البساطة في الأغنية الجيدة نتيجة ذكاء، بينما الاستسهال نتيجة غياب الفكرة.

(الهضبة) في مرمى السخرية.. هل دفع (عمرو دياب) ثمن استسهال (حبيتك)؟
الجمهور الذي سخر من (حبيتك) هو نفسه الذي احتفى بـ (ابتدينا)

هل الجمهور أصبح ضد الهضبة؟

هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية: (عمرو دياب) أصبح، مع مرور السنوات، أكبر من النقد في نظر قطاع من جمهوره، فهناك من يتعامل مع أي أغنية جديدة له باعتبارها تحفة فنية، فقط لأنها تحمل اسمه، وهنا يتحول الحب إلى خطر!.

الفنان الكبير لا يحتاج إلى جمهور يصفق له في كل الأحوال، وإنما يحتاج إلى جمهور يستطيع أن يقول له بصدق: (هذه الأغنية لم تكن في مستواك).

الجمهور الذي سخر من (حبيتك) هو نفسه الذي احتفى بـ (ابتدينا)، وهذه نقطة مهمة، لأنها تعني أن المشكلة ليست في أن الجمهور أصبح ضد الهضبة، وإنما في أنه شعر بأن الفنان الذي اعتاد أن يفاجئه لم يفعل ذلك هذه المرة.

الجمهور لا يعاقب النجم الكبير لأنه فشل مرة، لكنه يغضب عندما يشعر أن النجم الكبير لم يعد يحاول يرضيه بالقدر نفسه.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أين ذهبت الكتابة الغنائية التي صنعت جزءًا من أسطورة (عمرو دياب)؟ على مدار مشواره الطويل، تعاون الهضبة مع شعراء وكتاب قدموا له مفردات مختلفة، ومنحوا صوته جملًا تحمل معنى وإحساسًا، حتى عندما كانت الأغنية خفيفة وراقصة.

أسماء مثل (مدحت العدل، ومجدي النجار، بهاء الدين محمد، نادر عبدالله، خالد تاج الدين، هاني عبدالكريم)، وغيرهم، أدركوا المعادلة الصعبة: أغنية سهلة، لكنها ليست ساذجة، بسيطة، لكنها ليست فقيرة، جماهيرية، لكنها ليست مبتذلة، خفيفة، لكنها لا تخلو من روح.

 وهذه المعادلة أفتقدتها أغنيات (حبيتك)، فعمرو دياب لم يعد بحاجة إلى أغنية (تنجح) فقط، هو بحاجة إلى أغنية (تضيف) لمشواره، القيمة.

الفارق الحقيقي بين الألبومين، في رأيي، أن (ابتدينا) منح الجمهور إحساسًا بأن (عمرو دياب) لا يزال يبحث عن الجديد والمختلف، بينما يوحي (حبيتك) في بعض لحظاته بأنه اكتفى بما يعرف أن الجمهور سيحبه، وهنا يكمن الخطر.

أخطر ما يمكن أن يحدث لنجم كبير هو أن يتحول نجاحه السابق إلى قيد، وأن يصبح أسيرًا للمعادلة التي نجحت بالأمس، فيعيد إنتاجها اليوم.

(عمرو دياب) لا يحتاج إلى أن يثبت أنه قادر على صناعة أغنية ترقص عليها الناس، لقد أثبت ذلك عشرات المرات، ولا يحتاج إلى إثبات قدرته على صناعة (ترند)، فهو أحد أكثر النجوم العرب قدرة على صناعة الترند.

(الهضبة) في مرمى السخرية.. هل دفع (عمرو دياب) ثمن استسهال (حبيتك)؟
ما يحتاجه الآن هو الأغنية التي لا تشبه ما سبقها، ولا تنتهي صلاحيتها بانتهاء موسم الصيف

الهضبة اعتاد أن يقود الجمهور

ما يحتاجه الآن شيء أصعب، أغنية تجعل الناس تشعر، وتفكر، وتتذكر، فالرقص ينتهي بانتهاء الأغنية، والترند يموت بعد أيام، أما الجملة الجميلة، فتعيش، إذن الهضبة لا يحتاج إلى أغنية أسهل، بل إلى أغنية أفضل تعيش.

السخرية التي طالت بعض أغنيات (حبيتك) ليست حكمًا نهائيًا على تجربة (عمرو دياب)، لكنها قد تكون إنذارًا مبكرًا، فالخطر يبدأ عندما تصبح الأغنية مصممة من أجل (الترند) قبل أن تكون مصممة من أجل الذاكرة، وعندما يصبح السؤال (هل ستنتشر؟)، أهم من (هل ستبقى؟).

 (عمرو دياب).. لم يصنع اسمه لأنه كان يلاحق الموضة، بل لأنه كان في مراحل كثيرة هو من يصنعها.. وهذه هى المفارقة: الهضبة الذي اعتاد أن يقود الجمهور إلى الجديد، يبدو في بعض لحظات (حبيتك) وكأنه يطارد ما يعرف أن الجمهور سيستهلكه سريعًا.

المشكلة ليست أن (عمرو دياب) قدم ألبومًا خفيفًا، ولا أن الجمهور يريد منه العودة إلى الماضي، وإنما أن بعض أغنيات (حبيتك) تبدو أخف وأكثر ركاكة من أن تحمل اسم نجم قضى عقودًا في صناعة واحدة من أهم التجارب الغنائية العربية الحديثة، فالجمهور لا يسخر عادة ممن لا ينتظر منه شيئًا.. الجمهور يسخر ممن كان ينتظر منه الكثير.

وربما تكون الرسالة الأهم التي يوجهها (حبيتك) إلى عمرو دياب أنه لم يعد بحاجة إلى أغنية (أسهل) تصل إلى الجمهور بسرعة.. لقد وصل بالفعل.. ولم يعد بحاجة إلى إثبات أنه قادر على النجاح.. لقد نجح بالفعل.

ما يحتاجه الآن هو الأغنية التي لا تشبه ما سبقها، ولا تنتهي صلاحيتها بانتهاء موسم الصيف، ولا تحتاج إلى (ترند) كي تعيش.. فالنجم الذي قضى عقودًا في القمة لا يُقاس بما ينجح معه اليوم، وإنما بما يبقى منه غدًا.

والسؤال الأكثر قسوة الذي يجب أن يواجهه (عمرو دياب) الآن ليس: هل نجح (حبيتك)؟.. بل: هل ما يقدمه اليوم سيظل جديرًا بأن يُسمى بإسم (عمرو دياب) بعد عشرين عامًا؟.. فالهضبة لا يحتاج إلى أغنية أسهل.. الهضبة يحتاج إلى أغنية أفضل تحفظ تاريخه في التجديد ومواكبة الموضة بعد أن تكسرت حجارة الهضبة على صخرة (حبيتك).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.