
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
إذا كانت الدولة قد قالت، في رؤيتها لمصر 2030، إن الإنسان محور التنمية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا أمامنا هو: كيف نبني هذا الإنسان؟ وبأي أدوات؟ وأي مؤسسات؟ وأي بيئة تشريعية ومالية تستطيع أن تحمل هذا المشروع من الورق إلى الحياة؟ في مجالات (الثقافة).
فبناء الإنسان ليس قرارًا يصدر، ولا شعارًا يُرفع، ولا مؤتمرًا يُعقد ثم ينتهي بانتهاء جلساته.. بناء الإنسان عملية طويلة، تتداخل فيها المدرسة والأسرة والإعلام والدين و(الثقافة) والفن والاقتصاد والبيئة الاجتماعية، وتعمل جميعها في اتجاه واحد حتى يصبح الإنسان نفسه قادرًا على أن يكون شريكًا في التنمية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.
فالاقتصاد نفسه يحتاج إلى ثقافة، والسوق يحتاج إلى مجتمع يعرف قيمة العمل والإبداع والابتكار. والسياحة لا تعيش على الفنادق وحدها، وإنما على الذاكرة والتراث والحكاية والصورة. والمدينة لا تصبح صالحة للحياة بمجرد أن تكتمل طرقها ومبانيها، وإنما حين يجد سكانها ما يصنع الصلة بينهم وبين المكان.
وحتى مواجهة التطرف لا يمكن أن تكون أمنية فقط؛ لأن الفكرة لا تُهزم بالقوة وحدها، وإنما بفكرة أخرى أكثر قدرة على الإقناع، وبثقافة تمنح الإنسان مساحة للاختلاف، وتعلمه أن الآخر ليس عدوًا لمجرد أنه مختلف.
هكذا إذن رسمت الدولة الصورة، ولكن الصورة لا تكتمل بالرسم.. فبين الرؤية وبين الحياة اليومية مسافة اسمها التنفيذ، وهذه المسافة هي التي يبدو أن علينا أن نتوقف أمامها طويلًا.

حق الدولة في تحصيل الضرائب
المشكلة ليست أن لدينا استراتيجية ناقصة، وإنما أن بعض الأدوات التي يفترض أن تحمل هذه الاستراتيجية إلى الواقع تعمل في اتجاه آخر.. وهنا نصل إلى واحد من أكثر الأمثلة دلالة: المعاملة الضريبية للعمل الفني.
كما قلنا سابقًا، لا أحد يعترض على حق الدولة في تحصيل الضرائب.. فالضريبة ليست عقوبة، وإنما مورد من موارد الدولة، لكن العدالة الضريبية لا تعني فقط أن يدفع المواطن ما عليه؛ وإنما تعني أيضًا أن تكون طريقة التحصيل منطقية، وأن يكون المكلف الحقيقي هو الذي يستطيع، قانونًا وواقعًا، تنفيذ الالتزام.
وضريبة القيمة المضافة في الأعمال الفنية تقدم نموذجًا يستحق التأمل؛ فمصلحة الضرائب نفسها تؤكد خضوع الفنانين لأحكام قانون القيمة المضافة، وتقر بأن الإقرار يكون، في الأصل، شهريًا، مع وجود آليات للتيسير في بعض الحالات التي يؤدي فيها المهنيون الخدمة مرة أو مرتين في السنة.
لكن المشكلة التي أثارها الفنان الكبير الدكتور يحيى الفخراني أمام مجلس الشيوخ، عندما كان عضوًا فيه، كانت أكثر تحديدًا: لماذا يُطلب من الفنان أن يتولى تحصيل الضريبة من المنتج ثم توريدها إلى مصلحة الضرائب، بينما المنتج هو الطرف الذي يملك الشركة والمحاسب والدفاتر والحسابات والقدرة الفعلية على تنفيذ هذا الالتزام؟
وقد تقدم الفخراني بالفعل باقتراح برغبة لتحصيل ضريبة القيمة المضافة على الأعمال الفنية من المنتجين مباشرة، وناقش مجلس الشيوخ هذا الموضوع، كما أوصت اللجنة الاقتصادية بحضور وزير المالية لمناقشته.
والفكرة هنا ليست البحث عن إعفاء للفنان، بل العكس تمامًا؛ إنها البحث عن الطريقة الأكثر عقلانية لتحصيل الضريبة.. فالمنتج لديه شركة، ولديه محاسب، ولديه دفاتر، ولديه حسابات، وهو المكلف بسداد هذه الضريبة، أما الفنان، ففي كثير من الحالات، فهو فرد يعمل بعقد، وقد يعمل مرة أو مرتين في العام، وليس لديه الجهاز المحاسبي الذي تستطيع شركة إنتاج أن توفره.
فلماذا لا تُحصَّل الضريبة ممن يملك أدوات تحصيلها؟ هذا هو السؤال، وقد كانت المفارقة واضحة إلى الحد الذي جعل الفخراني يطرح المسألة من هذا المنظور تحديدًا، مؤكدًا أن المشكلة ليست طلب استثناء للفنانين، وإنما إعادة التحصيل إلى الطرف الملزم بها والقادر على توريدها. وبهذا المعنى تصبح القضية أكبر من ضريبة؛ إنها مثال على ما يمكن أن نسميه غياب ملاءمة التشريع لطبيعة النشاط.
فالقانون قد يكون صحيحًا في فلسفته العامة، لكن تطبيقه على كل الأنشطة بالطريقة نفسها قد ينتج نتائج عكسية.. و(الثقافة)، مثل الزراعة أو الصناعة أو السياحة، لها طبيعتها الاقتصادية الخاصة، ولا يمكن أن تنجح الدولة في تنميتها إذا تعاملت معها كما لو كانت مجرد نشاط إداري آخر.

الدعاية للنشاط الثقافي
وهنا تظهر مفارقة أشد قسوة: الدولة تقول إن الصناعات الثقافية مصدر من مصادر القوة الاقتصادية، والرؤية تدعو إلى دعم الصناعات الثقافية.. ثم نجد المبدع الذي يفترض أن يكون نواة هذه الصناعة يواجه منظومة من الإجراءات تجعل التعامل مع الإنتاج الرسمي أكثر تعقيدًا وتكلفة.
فكيف نريد أن تنمو الصناعة إذا كان صاحب الموهبة يجد أن أسهل طريق أمامه هو أن يبتعد عن المؤسسة الرسمية؟.. ليس هذا هو المثال الوحيد. هناك مثال يبدو في ظاهره صغيرًا، لكنه يكشف شيئًا أكبر: الدعاية للنشاط الثقافي.
في قواعد ترشيد الإنفاق، قد تبدو نفقات الدعاية بندًا يمكن تقليصه حين تتعامل الدولة مع الإنفاق باعتباره إنفاقًا استهلاكيًا.. لكن الثقافة ليست كذلك؛ فالدعاية للمسرح ليست زينة حول العمل المسرحي، إنها جزء من العمل نفسه.
فالمسرح الذي لا يعرف الجمهور بوجوده قد يكون قد أنفق المال على الإنتاج، ودفع أجور الفنانين، وأعد الديكور، وأضاء الخشبة، ثم ترك المقعد خاليًا. والمقعد الخالي هنا ليس مجرد مقعد؛ إنه مال عام لم يصل إلى غايته؛ لأن الدولة لم تنفق على المسرح كي تعرضه على جدران مغلقة، وإنما أنفقته كي يصل إلى المواطن.
ومن هنا تصبح الدعاية في العمل الثقافي أقرب إلى التوزيع في الصناعة؛ لا يكفي أن تنتج السلعة، لابد أن تصل إلى المستهلك.. وإذا كان هدف الدولة هو توسيع المشاركة الثقافية، فإن حجب الإعلان عن النشاط يناقض الهدف من جذوره.
قد يكون الحل أبسط مما نتصور؛ فالدولة تمتلك مؤسسات إعلامية، وقنوات تليفزيونية، وإذاعات ومنصات رقمية. ويمكن أن يكون هناك تنسيق مؤسسي يجعل الإعلان عن النشاط الثقافي جزءًا من الخدمة الإعلامية العامة.
فلماذا لا تُخصص مساحة ثابتة للتعريف بمسرح الدولة؟ ولماذا لا يصبح الإعلان عن أجندة قصور (الثقافة) جزءًا من الرسالة الإعلامية؟ ولماذا لا تتحول المؤسسات الإعلامية إلى شريك في نشر المنتج الثقافي، بدلًا من أن يظل كل جهاز يعمل داخل حدوده؟
إنها ليست بالضرورة مسألة أموال.. إنها مسألة تنسيق. والرؤية نفسها تؤكد أهمية الحوكمة والشراكات والمسؤولية المشتركة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن فاعلية المؤسسات وكفاءتها.
وهنا نصل إلى الطرف الآخر من المعادلة: القطاع الخاص، ولهذا حديث آخر…