
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
فى الدول التى تستقر فيها السياسات، لا يترك تغيير الوزراء أثرًا كبيرًا على مسار المؤسسات، فوزير (الثقافة) يأتى ليقود تنفيذ سياسة قائمة، لا ليبدأ سياسة جديدة، ويغادر تاركًا ما أنجزه لمن يخلفه، أما حين تصبح المؤسسة رهينة لمن يجلس على مقعد الوزير، فإن كل تغيير يفتح صفحة جديدة، وكأن ما سبقها لم يكن.
ولعل وزارة (الثقافة) تقدم، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، نموذجًا يستحق التأمل، فبعد أن ظلت لمدة 24 عاما يرأسها وزير واحد هو الفنان فاروق حسنى، فإذا بها منذ يناير 2011 وحتى يوليو 2026، يتعاقب عليها أربعة عشر وزيرًا!
لم يتكرر من بينهم سوى الدكتور (محمد صابر عرب) الذى تولى الوزارة ثلاث مرات، والدكتور (جابر عصفور) الذى تولاها مرتين، أما الباقون فقد مروا على الوزارة مرورًا قصيرًا، فى واحدة من أكثر الوزارات المصرية تغيرًا فى قيادتها السياسية.
ليس المقصود من هذه الملاحظة توجيه اللوم إلى الأشخاص، ولا التقليل من قيمة من تولوا مسؤولية وزارة (الثقافة)؛ فبينهم مفكرون كبار، وأدباء، وأكاديميون، وإداريون مشهود لهم بالكفاءة. لكن الأرقام، فى بعض الأحيان، تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
وأربعة عشر وزيرًا فى خمسة عشر عامًا ليس مجرد رقم فى سجل الحكومة، وإنما مؤشر على أن السياسة الثقافية كانت تتحرك فوق أرض لم تعرف الاستقرار الكافى لتراكم الخبرة، أو لاستكمال مشروع بدأه وزير وانتهى به من جاء بعده.
ولذا كنت أطالب – ضمن آخرين – بوجود استراتيجية لوزارة (الثقافة) لا تتأثر بتغير الوزراء ، كى لا تصبح على هوى كل وزير و تبعا لتوجهاته الخاصة أو ربما اهوائه.. غير أنى في العام الماضى اكتشفت أن هناك بالفعل استراتيجية ليست لوزارة (الثقافة) فقط ، و إنما للدولة بأسرها تحت مسمى: رؤية مصر 2030، تم إطلاقها رسميًا في فبراير 2016.

شمولية الرؤية وتكاملها
وكان هدفها جعل مصر ضمن أفضل 30 دولة عالميًا في مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجودة الحياة، مع التركيز على مكافحة الفساد وسيادة القانون (آه والله).. ثم خضعت هذه الرؤية لعملية تحديث شاملة في مطلع عام 2018 لتواكب التغيرات المحلية والإقليمية والدولية.
وجاءت النسخة المحدثة لتؤكد على شمولية الرؤية وتكاملها مع الأهداف العالمية للتنمية المستدامة مع التركيز على جودة حياة المواطن: تحسين التعليم، الصحة، الخدمات الأساسية، والحماية الاجتماعية.
لم أعلم بتفاصيل تلك الرؤية – و هذا خطأ منى و ليس قصورا من الحكومة – حتى دعانى الأستاذ الدكتور (سعيد المصري) العام الماضى للانضمام الى لجنة (الثقافة و التنمية) التي ستراجع ما تحقق من تلك الرؤية ضمن عدة لجان تعقد جلساتها بالمعهد القومى للتخطيط.
في الجلسة الأولى تفضل الدكتور سعيد و طاقم معاونيه – الذين يحملون أعلى الدرجات العلمية – بعرض لملخص الرؤية المحدثة، فأصابتنى المفاجأة ، فلقد أذهلنى ما يخص الثقافة في هذه الرؤية!
من المألوف أن تنظر الدول إلى الثقافة باعتبارها قطاعًا من قطاعات الخدمات، إلى جوار التعليم أو الصحة أو الشباب، لكن المفاجأة الكبرى أن الوثيقة المحدثة لرؤية مصر 2030 قدمت تصورًا مختلفًا تمامًا. فهى لم تضع الثقافة ضمن قائمة القطاعات، وإنما رفعتها إلى مرتبة أعلى.
حين اعتبرت أن: (توفير منظومة قيم ثقافية مساندة) واحدًا من سبعة ممكنات رئيسية لا يمكن أن تتحقق التنمية المستدامة بدونها، إلى جوار التمويل، والتقدم التكنولوجى، والتحول الرقمى، والبيانات، والبيئة التشريعية والمؤسسية، وضبط الزيادة السكانية. وهذه ليست عبارة إنشائية مرت فى وثيقة رسمية، بل إنها فلسفة كاملة، تبدو مختلفة تماما عن تصوراتنا.
طوال الوقت و نتاجا للمارسات التي نراها من الحكومات المتعاقبة صرنا نظن – وليس كل الظن إثم – أن الدولة لا تهتم بالثقافة، أو قل ليست على رأس أولوياتها!.. وإذا بالوثيقة التي أصدرتها الدولة – والتي من المفترض أن تلتزم بها كل الوزارات – لم تقل إن (الثقافة) هدف تسعى إليه، وإنما قالت إن (الثقافة) شرط لنجاح بقية الأهداف.
فلا اقتصاد معرفي قادرعلى المنافسة من دون مجتمع يؤمن بقيمة المعرفة، ولا عدالة اجتماعية تستقر إذا غاب الوعى، ولا حوكمة رشيدة إذا لم تسندها منظومة من القيم العامة، ولا جودة حياة يمكن أن تتحقق إذا تراجع الوجدان الجمعى.

إحياء العمل الثقافى
ولذلك تبدأ الرؤية – حسب الوثيقة – من الإنسان، لا من المبانى، ولا من الموازنات، ولا من المؤشرات الاقتصادية، فهى تؤكد أن (الإنسان محور التنمية)، وأن الارتقاء بجودة حياته لا يقتصر على الصحة والتعليم والسكن، وإنما يشمل أيضًا إحياء العمل الثقافى، وتعزيز المشاركة الثقافية، والارتقاء بالوعى والوجدان، ومواجهة التعصب والتطرف الفكرى، وتنمية روح التسامح والانتماء للوطن.. (و الله ما مصدق نفسي).
وسرعان ما تلقيت الصدمة، وهى أن اجتماع (لجنة الثقافة والتنمية) الذى دعيت إليه والذى ضم ممثلين عن كافة الأنشطة الثقافية (النشر، المكتبات، المسرح، التراث، الموسيقى، الجمعيات الأهلية الثقافية، الثقافة الجماهيرية، الفنون التشكيلية.. إلخ ).
كان هدفه وضع خطة مُعجلة للفترة من 2025 إلى 2030 بعد أن كشفت المتابعة عن فجوات بين ما استهدفته الدولة وما تحقق على أرض الواقع، الأمر الذى استدعى وضع خطة لتسريع التنفيذ ومعالجة ما تأخر.
إذن: ليست المشكلة أن وزارة الثقافة كانت بلا استراتيجية، بل إن الدولة نفسها كانت تمتلك استراتيجية متكاملة، شاركت الوزارات المختلفة فى إعدادها، وأصبحت – كما تصفها الوثيقة – (البوصلة) التى تسترشد بها الخطط والبرامج التنفيذي، ولكن المشكلة في إجابة السؤال: هل يتم ذلك على أرض الواقع؟
إذا كانت رؤية مصر 2030 قد اعتبرت (الثقافة مُمكِّنًا للتنمية، وإذا كانت القيادة السياسية قد وضعت بناء الوعى وتعزيز الهوية الوطنية فى صدارة التكليفات الحكومية – كما جاء في خطاب تكليف السيد الرئيس لحكومة الدكتور مصطفى مدبولى – وإذا كان معهد التخطيط القومى قد انتهى إلى ضرورة مراجعة وتسريع التنفيذ بعد سنوات من إطلاق الرؤية، فإن القضية لم تعد قضية البحث عن استراتيجية جديدة.. القضية أصبحت البحث عن أسباب تعثر تنفيذ استراتيجية موجودة بالفعل!
وإذا كانت هناك استراتيجية تعطى للثقافة هذه المكانة وتلك الأهمية، فلماذا تعثر التنفيذ؟ ومن المسئول عن هذا التعثر؟ هل كانت المشكلة فى غياب التمويل وسط أزماتنا الاقتصادية؟.. أم فى غياب التنسيق بين الوزارات؟.. أم فى تغير القيادات الكثير والمستمر؟.. أم فى أن الوزارة انشغلت بإدارة مؤسساتها أكثر من انشغالها بقيادة السياسة الثقافية للدولة؟
ويفرض السؤال نفسه اذا كانت الدولة – في وثيقتها – اعتبرت أن وزارة (الثقافة) هى المسئولة عن بناء الإنسان، فهل سألت من تولوا قيادتها من 2018 وحتى الآن ما هى خطتكم لتنفيذ تلك المهمة؟ بل هل سألتهم اذا كانوا قد قرأوا الوثيقة ؟ و هل تستقيم هذه المهمة مع ما نسمعه يتردد في جنبات الوزارة من احاديث عن تحويلها الى جهة (ربح).
مئات الأسئلة التي تحتاج الى إجابات.. و لهذا حديث آخر