رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: الدولة والحكومة و(الثقافة)!

عصام السيد يكتب: الدولة والحكومة و(الثقافة)!
رغم اختلاف طبيعة عمل وزارة (الثقافة) عن باقى الوزارات، فأصرت على تطبيق ما اسمته (العقد الموحد)

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

في نفس العام الذى أصدرت فيه الدولة وثيقة (رؤية مصر 2020 / 2030) المحدثة و التي اعتبرتها خريطة طريق و دستور عمل جاءت أولى حكومات الدكتور مصطفى مدبولى ، و كان من المقترض حسب خطاب السيد الرئيس بتكليف الحكومة أن تسعى لتنفيذ ما جاء بالوثيقة، فماذا فعلت ؟

لقد أصرت الحكومة على ان تخضع وزراة الثقافة لنفس غابة القوانين التي أصدرتها لجميع الوزارات برغم اختلاف طبيعة عمل وزارة (الثقافة) عن باقى الوزارات، فأصرت على تطبيق ما اسمته (العقد الموحد) الذى تم وضعه وفقا لأحكام القانون 182 لعام 2018 على وزارة (الثقافة)!.. فماذا جاء في هذا العقد الذى لابد ان يوقعه اى متعامل مع الوزارة؟

ينص العقد الموحد على ما يلي:

أن (لجنة البت في المناقصات) قد وافقت على التعاقد وفقا لما تضمنته كراسة الشروط!.. فهل معنى هذا أن كل دور مسرحى أو تليفزيونى في عمل تنتجه الدولة ستطرح له كراسة شروط، وعلي ممثلي مصر التقدم بعطاءاتهم لتختار اللجنة الأقل سعرا والأفضل شروطا ؟ وبالطبع – وفقا لهذا العقد – علينا استبعاد حسين فهمى ويحيى الفخرانى وسميحة أيوب و أمثالهم من النجوم من أعمالنا المسرحية في مسرح الدولة ، فهم لن يكونوا الأقل سعرا ولا الأفضل شروطا.

ينص العقد في بنده السابع على أن الطرف الثانى (الفنان سواء كان ممثلا أو مخرجا أو مغنيا أو عازفا أو مؤلفا.. الخ ) يسدد نسبة 5% من إجمالى ما سيتقاضاه كتأمين نهائي ويظل هذا التأمين ساريا طوال مدة العقد، و لن يتقاضى الفنان جنيها واحدا ما لم يسدد التأمين فهو شرط لصرف مستحقاته!

عصام السيد يكتب: الدولة والحكومة و(الثقافة)!
قرار الدكتور رئيس مجلس الوزراء ومنشور وزير المالية الذى على أن يلزم الجهاز الإدارى للدولة بالفاتورة الإلكترونية

تلك هى الحسنة الوحيدة

يضمن الطرف الثانى (الفنان) بقاء جميع الأعمال سليمة خلال مدة الضمان فإذا ظهر بها أي خلل أو عيب أن يقوم بإصلاح الأعمال أو استبدالها على نفقته كما ينص البند الثالث عشر.. ويقر الطرف الثانى أنه يقبل تفويض الطرف الأول لمن يراه مناسبا لأعمال التفتيش دون إخطار الطرف الثانى بموعد التفتيش.

تعهد الطرف الأول بتسديد ما يستحقه الطرف الثانى في مواعيد محددة وإذا تأخر عن ذلك يلتزم بسداد غرامة تأخير (وفقا لسعر الإئتمان والخصم المعلن من البنك المركزي).. وتلك هى الحسنة الوحيدة في العقد فدائما وأبدا ما تتأخر المستحقات في دولاب الحكومة و بين مكاتبها الكثيرة.. فهل ستسدد الغرامات أم أننا سنلجأ الى المحاكم؟

ينص البند السادس عشر على حق الطرف الثانى في الحصول على نسبة لا تزيد عن 15% إذا عدّل الطرف الأول كميات أو حجم التعاقد، و هذا يعنى أن إضافة مشهد للممثل في عمل ما، لم يأت ذكره في كراسة الشروط فمن حقه تقاضى أجر إضافى بشرط وجود الإعتماد المالى اللازم حسب العقد!.. ولن أعلق .

يشكك في دستورية هذا العقد أنه يخالف قانون حقوق الملكية الفكرية، فالبند السابع عشر ينص على أن جميع ما ينتج عنه يصبح ملكا خالصا للطرف الأول بما في ذلك كافة الحقوق بأنواعها المختلفة دون تحديد المدة، وهو ما يخالف القانون الذى يقول ان انتاج المبدع هو ملك له ولا يجوز التنازل عنه بالبيع و انما يتقاضى حق استغلال لمصنفه لمدة محددة.

ولم تكتف حكومة الدكتور مصطفى متولى بهذا، بل طبقت على وزارة (الثقافة) – برغم كل الاعتراضات و المناشدات – الفاتورة الالكترونية و تلك مصيبة أخرى.

فقرار الدكتور رئيس مجلس الوزراء ومنشور وزير المالية الذى على أن (يلتزم الجهاز الإدارى للدولة بالتعامل بالفاتورة الإلكترونية، وأنه يحظر التعاقد مع أي من الموردين أو المقاولين أو مقدمى الخدمات أيا كان نوعها إلا إذا كان مسجلا فى منظومة الفاتورة الالكترونية).

وهو قرار تطبقه حاليا الجهات الانتاجية الحكومية على المهن الحرة من الفنانين والكتاب والموسيقيين وغيرهم، برغم أنهم ليسوا موردين ولا مقاولين ولا مقدمي خدمات، بل هم مبدعون يخضعون لضرائب المهن الحرة غير التجارية، ولا يملكون شركات لها أختام و توقيع رسمى إليكترونى حتى يمكنهم التسجيل فى نظام الفاتورة الاليكترونية! 

كما أن وجود بطاقة ضريبية للمهن الحرة شرط للتعاقد مع أى فنان، فلماذا المزيد من القيود والهدف من الفاتورة متحقق؟

عصام السيد يكتب: الدولة والحكومة و(الثقافة)!
حكومتنا الرشيدة لم تلاحظ كل هذا، واعتقدت أن مبلغ الضرائب الذى ستحصل عليه أهم من أمننا القومي

أصحاب المهن المؤقتة

هل تخيل صاحب القرار عاملا زراعيا – من أصحاب المهن المؤقتة – يهوى أيا من الفنون ( تمثيل/ غناء/ فنون شعبية) ويمارسه في قصر (الثقافة) منذ طفولته، أن يصبح مطالبا بدفع 1600 جنية كل عام تكاليف التسجيل الضريبى، من أجل ممارسة هوايته والتي لا يتقاضى عنها طوال العام سوى أقل من نصف هذا المبلغ مخصوما منه الضرائب و الدمغات؟

وأن يسدد عن هذا المبلغ الزهيد ضريبة قيمة مضافة، يكتب بها إقرارا شهريا، إلى جانب أن عليه كتابة إقرارا ضريبيا إلكترونيا كل عام!

هل يتخيل مصدر هذا القرار مصير كل فرق الأطفال في جميع ربوع مصر التي تمارس نشاطها من خلال قصور (الثقافة)، والتي يتقاضى أهليهم ما لا يغطى حتى ثمن المواصلات؟.. كيف سيتم التعامل مع أهل هذه الأطفال؟.. هل مطالب من كل أب أن يسجل ابنه في المنظومة الضريبية ويتحمل مسئولية إدارة أعماله كقاصر؟.. أم سيفضل في تلك الحالة أن يبقيه في منزله ويبتعد عن وجع الدماغ، ونترك الأطفال نهبا للتيك توك واليوتيوب وقنوات بير السلم؟

ولكن حكومتنا الرشيدة لم تلاحظ كل هذا، واعتقدت أن مبلغ الضرائب الذى ستحصل عليه أهم من أمننا القومي، ولهذا ضربت عرض الحائط بما تقوله الدولة في وثيقتها واستمرت في أفعالها التي نظن أنها يوما ما ستقوض أركان وزارة (الثقافة).

ولم تكتف بهذا.. و لهذا حيث آخر..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.