رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

حسين نوح يكتب: فيلم (المعلمة).. عبقرية المفردات

حسين نوح يكتب: فيلم (المعلمة).. عبقرية المفردات
توحة مع عباس
حسين نوح يكتب: فيلم (المعلمة).. عبقرية المفردات
توجة مع حافظ

بقلم الفنان التشكيلي: حسين نوح

لمحبي السينما، شاهدت فيلم (المعلمة) من إنتاج 1958، إنتاج المبدعة تحية كاريوكا، الراقصة التي عشقت الفن فعشقها الجمهور، وأنتجت أعمالًا تؤكد أن الفنان الحقيقي من يأخذ النجومية ويعطي الجهد والإخلاص، فيبقى في الذاكرة، وهو ما حدث مع النجوم الكبار، وعيًا وعشقًا للإبداع.

إن أردنا أن نُبحر في تلابيب فيلم (المعلمة) ونسبر أغواره المثيرة، والمأخوذة عن إحدى عبقريات شكسبير (عطيل)، ففي بداية الفيلم يقدم المخرج والمؤلف حسن رضا براعة الاستهلال مع السيناريست المعجون بالواقع المصري سيد بدير.

فعند خروج المعلم عباس، زوج المعلمة (توحة) تحية كاريوكا، من السجن، تظهر عظمة السيناريو. فعند بداية انفراد عباس بزوجته واستقبالها له بشوق، وبمجرد الاقتراب من غرفة النوم، يدخل المعلم حافظ (محمود المليجي) للتهنئة، وهنا يقدمه السيناريو كأنه القاطع للوصال وبث الفرقة بين الزوجين، وهو دوره الشيطاني الخبيث، الطامع في زوجة صديقه.

فالغيرة والطمع في زوجة عباس (يحيى شاهين) لحافظ، تاجر المخدرات المستتر بالمظهر الديني، وأنه رجل الخير، وهو المخادع الغيور، الذي يعلن داخل البار لصديقه أنه لا يقرب الخمر إلا بعد صلاة العشاء، ويبدأ في البار بث سمومه للوقيعة، طمعًا في زوجة عباس (توحة) بخباثة التحفت بأداء عبقري ماتع للعملاق محمود المليجي، أحد أهم نجوم السينما تمثيلًا وتقمصًا واعيًا.

يأتي بعد هذا المشهد عبقرية السيناريو للقدير سيد بدير، حين يعود عباس إلى المنزل، فيقابل المحاسب فتحي (عمر الحريري)، ويبدأ الشك، وهو أحد أعمدة البناء الدرامي للفيلم الرائع.

حسين نوح يكتب: فيلم (المعلمة).. عبقرية المفردات
يتابع الشيطان (حافظ) الوقيعة من خلف الشباك، في مشهد استخدم فيه المخرج الإضاءة للعبقري وحيد فريد

الإضاءة للعبقري وحيد فريد

وتتحدث المعلمة عن زيارتها لأم فتحي المريضة، فتشتعل الغيرة والشك في قلب عباس، ويتابع الشيطان (حافظ) الوقيعة من خلف الشباك، في مشهد استخدم فيه المخرج الإضاءة للعبقري مدير التصوير وحيد فريد، لتضيف للمشهد خباثة التلصص وتأكيدًا للشر، فهو يتابع في لهفة، منتظرًا سقوط الضحية، مستخدمًا لمدمن الأفيون والكيف (مدبولي).

والأداء العبقري الواعي بلا مبالغات للكبير إبداعًا، والمتعدد المواهب، القدير محمد توفيق، نجح المخرج في استغلاله.

وأظهر المخرج الأداء العبقري لمحمود المليجي، وهو يتابع المعلمة كثعلب يتابع أرنبًا ليقتنصه ليشبع جوعه.

وتظهر عبقرية المخرج والمبدع محمود المليجي، حين يظهره ممسكًا بالقطة يداعبها، وكأنه يحاول إقناع ذاته بأنه الإنسان الرحيم.. أتذكر نفس المشهد في فيلم (الأب الروحي) لمارلون براندو، الأب الروحي للعصابة الدموية، من إخراج العبقري فرانسيس فورد كوبولا، إنتاج 1972.

كان اختيار الكاستينج شديد الإدراك المهني، فالتوظيف عبقري من المبدع يحيى شاهين (عباس)، وصولًا لدور الخادمة (وداد حمدي)، فكان موفقًا بشكل أضاف مصداقية للأحداث، بجانب الموسيقى للمبدع فؤاد الظاهري، مستخدمًا تيمات من بطن الحارة المصرية، والديكور الذي أكد صفات الحارة المصرية العريقة والمميزة في زمن الأحداث.

برع المخرج المبدع في تقديم الحارة المصرية، فكانت حركة المجاميع رائعة، وتعدد الشخصيات بحرفية مخرج مبدع في استخدام الإضاءة وزوايا الكاميرا ودلالات الصورة.

تبدأ رحلة البحث عن المتعة بخباثة للثعلب حافظ، في قيادة وسحب عباس لماخور المتعة والسهر والرقص، لتكتمل خطة حافظ الثعلب ليفوز بالمعلمة (توحة) التي يتمناها ولا تستجيب له، وتعرف أنه كاذب أفاق، وتبدأ المعلمة في الشك بعد غياب عباس ليلًا، وتحاول أن تعرف ماذا يحدث، وينهار عباس غاضبًا.

يمارس حافظ دس سمومه ويكمل محاولاته لتشتعل غيرة عباس، ويستخدم مدبولي المدمن، حين يبلغ فتحي تليفونيًا أن أمه المريضة في حالة خطرة، فيذهب لخال المعلمة، وتزداد النار اشتعالًا في قلب المعلم عباس.

حسين نوح يكتب: فيلم (المعلمة).. عبقرية المفردات

حسين نوح يكتب: فيلم (المعلمة).. عبقرية المفردات
يظهر الأداء العبقري للعظيم محمود المليجي في أكثر من موقف

أداء عبقري لمحمود المليجي

وتظهر براعة الحوار بين المعلم و(المعلمة) في ثقة المعلمة في نفسها، وضياع المعلم في وهم الشك والعبث وقلة اليقين، في حبكة درامية شديدة الرقي والمهنية، وتتطور الأحداث حين يذهب فتحي ليشتكي للمعلمة، ويعود المعلم ويعتدي عليه أمام المعلمة، وتعتلي وجهها الدهشة والغضب، وتموت أم فتحي، ويكمل عباس في ماخور الدعارة بصحبة الثعلب المعلم حافظ.

وتدخل (المعلمة) عن طريق المدمن مدبولي، فقد أرشدها لمنزل نرجس، صاحبة ماخور السهر، وتنعت عباس بـ (الشوال)، ويطلقها، ويبتهج حافظ، فقد نجح في أداء عبقري، قائلًا: (لا حول الله)، ويأخذه حافظ لينام في ضيافته.

يقدم حافظ نفسه للمعلمة، فترفض، وتظهر بقعة الضوء في شخصية البارمان الخواجة في البار، فيخبر حافظ أن كلام الناس كان سببًا لترك (ماريكا) زوجته.

ويفكر عباس ويقترب أن يستيقظ ويستفيق من غفلته، ولكن حافظ يقرر أن يتخلص منه برجاله، فيحاولون الاعتداء عليه، وتنزل (المعلمة) لتدافع عنه، ويضمد الشيطان حافظ جروح المعلم عباس، ويأتي حافظ بمدبولي المدمن ليكذب مقابل الأفيون، وهو المعادل للشابو وملحقاته الآن، في مشهد عبقري يؤكد عار الإدمان.

يسقط مدبولي من جرعة الأفيون الكبيرة في الحارة، وسط الكلاب وهي تنبح عليه كأنه أحدهم، ويحمله أهل الحارة لمنزل المعلمة، وتحاول إنقاذه، ويدخل عباس محاولًا قتل المعلمة، ويستمع إلى اعتراف مدبولي أنه هو سبب كل الأحداث، ويقرر الانتقام من حافظ.

ويذهب ويتشاجر مع حافظ وأنصاره في معركة تم تصويرها ببراعة، مع نباح الكلاب، ويأتي مدبولي ليقتل حافظ بوحشية في الحارة، ويردد: (قتلته.. قتلته)، ويعود المعلم للمعلمة، وينال الشيطان والثعلب حافظ ما يستحق.. يلتقي في النهاية عباس و(المعلمة) وفتحي وكيداهم، ويأكلون معًا، وكلمة النهاية.

ألا يشاهد نجوم هذا الزمن فيلمًا أنتجته المبدعة تحية كاريوكا عام 1958، ويقدم أحد روائع أعمال شكسبير لتوعية الشباب، وعدم الشك والبحث عن اليقين، مطلب كل رجال التنوير!.. مصر تنطلق وتستحق.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.