رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: الثقافة بين الدولة و(الحكومة)

عصام السيد يكتب: الثقافة بين الدولة و(الحكومة)
أطلقت الدولة رؤية مصر 2030، لم تضع الثقافة فى هامش المشروع الوطنى

*  حين تعجز أدوات التنفيذ عن حمل الاستراتيجية

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

هناك خلط يقع فيه كثيرون حين يتحدثون عن الشأن العام، فيستخدمون كلمتى الدولة و(الحكومة) وكأنهما مترادفتان، بينما الفارق بينهما هو الفارق بين من يرسم الطريق ومن يسير عليه. فالدولة هى التى تضع المشروع الوطنى، وترسم الرؤية بعيدة المدى، وتصوغ أهدافها الكبرى التى تتجاوز عمر الحكومات والوزراء.

أما (الحكومة) فليست سوى الجهاز التنفيذى الذى يُكلف بتحويل هذه الرؤية إلى سياسات، وإلى برامج، ثم إلى نتائج يلمسها المواطن فى حياته اليومية.

ولهذا، فإن نجاح الدولة يقاس بجودة رؤيتها، أما نجاح (الحكومة) فيقاس بقدرتها على تنفيذ هذه الرؤية.. وإذا تعثر التنفيذ، فلا يعنى ذلك بالضرورة غياب الاستراتيجية، وإنما قد يعنى أن أدوات التنفيذ لم تكن على مستوى الطموح الذى رسمته الدولة، ولعل ملف الثقافة يقدم اليوم أوضح مثال على هذه المفارقة.

فعندما أطلقت الدولة رؤية مصر 2030، لم تضع الثقافة فى هامش المشروع الوطنى، ولم تنظر إليها باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا أو خدمة تقدمها وزارة من الوزارات، وإنما رفعتها إلى مرتبة أعلى، فجعلت (توفير منظومة قيم ثقافية مساندة) أحد الممكنات الرئيسية اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة، ولم يكن اختيار هذا التعبير مصادفة لغوية، وإنما إعلانًا واضحًا بأن الثقافة ليست نتيجة للتنمية، بل أحد شروطها الأساسية.

ولم تقف الرؤية عند هذا الحد، بل انطلقت من مبدأ أكثر عمقًا، هو أن الإنسان محور التنمية، وأن الارتقاء بجودة حياته لا يتحقق ببناء الطرق والكبارى والمدن الجديدة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى إحياء العمل الثقافى، وتعزيز المشاركة الثقافية، وتنمية الوعى، وترسيخ قيم التسامح والانتماء، ومواجهة التعصب والتطرف الفكرى.

فالثقافة، وفق فلسفة الرؤية، ليست نشاطًا يستهلك الموازنة العامة، وإنما استثمار طويل الأجل فى الإنسان المصرى، وفى استقرار المجتمع، وفى مستقبل الدولة نفسها.

هذه هى رؤية الدولة.. أما (الحكومة)، فقد كان مطلوبًا منها أن تحول هذه الفلسفة إلى سياسات تنفيذية، وأن تجعل كل تشريع، وكل قرار مالى، وكل لائحة إدارية، خادمًا لهذا الهدف، لا معوقًا له.

عصام السيد يكتب: الثقافة بين الدولة و(الحكومة)
لابد أن يكون هناك دور القوى الناعمة فى بناء الوعى الوطنى

الثقافة قاطرة للتنمية

وهنا تبدأ المفارقة.. ففى الوقت الذى كانت فيه وثيقة الدولة تعتبر الثقافة قاطرة للتنمية، كانت بعض السياسات التنفيذية تتعامل معها باعتبارها مجرد بند من بنود الإنفاق، يخضع للقواعد نفسها التى تخضع لها باقى الأجهزة الإدارية، دون تمييز لطبيعة الرسالة الثقافية، أو لخصوصية العمل الفنى، أو لدور القوى الناعمة فى بناء الوعى الوطنى.

وأول مظاهر هذا التناقض يظهر فى السياسة الضريبية.. فليس من حق أحد أن يعترض على حق الدولة فى تحصيل الضرائب، فهى عصب المالية العامة وأداة تمويل الخدمات. لكن من حق الجميع أن يتساءلوا: هل جاءت أدوات التحصيل متوافقة مع طبيعة العمل الثقافى؟

لقد حمَّل قانون ضريبة القيمة المضافة الفنان، وهو الحلقة الأضعف فى منظومة الإنتاج، مسؤولية تحصيل الضريبة من جهة الإنتاج، ثم توريدها شهريًا إلى مصلحة الضرائب، مع تحميله المسؤولية القانونية إذا لم يتم السداد، حتى لو كانت جهة الإنتاج هى التى امتنعت عن دفع قيمة الضريبة إليه.

وهكذا وجد المبدع نفسه، قبل أن يكون ممثلًا أو مخرجًا أو موسيقيًا، مطالبًا بأن يتحول إلى محاسب قانونى، ومدير حسابات، ومتابع لإقرارات شهرية، لا يملك سجلاتها، ولا أدواتها، ولا وسائل إلزام المنتج بها.

وتزداد المفارقة غرابة حين تكون جهة الإنتاج هى إحدى مؤسسات الدولة نفسها. فعندما يتعاقد الفنان مع إحدى الجهات الثقافية الحكومية، تُخصم معظم الضرائب المستحقة من المنبع، بينما تبقى ضريبة القيمة المضافة خارج هذه المنظومة، فيتحمل الفنان عبء سدادها من ماله الخاص إذا لم يحصل عليها، ليصل إجمالى ما يتحمله من استقطاعات إلى نسب مرتفعة.

فضلًا عن الدمغات والرسوم الأخرى. ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا يعزف كثير من الفنانين عن العمل مع مسارح الدولة؟

إن المشكلة هنا ليست فى الضريبة، وإنما فى التناقض بين الهدف والوسيلة، فالدولة تقول إن الثقافة استثمار فى بناء الإنسان، بينما تؤدى بعض الإجراءات التنفيذية إلى زيادة تكلفة هذا الاستثمار على المبدع نفسه، حتى يصبح العمل مع مؤسسات الدولة أقل جاذبية من العمل خارجها.

عصام السيد يكتب: الثقافة بين الدولة و(الحكومة)
كانت رؤية الدولة تدعو إلى توسيع المشاركة الثقافية

توسيع المشاركة الثقافية

ثم تأتى المفارقة الثانية.. فإذا كانت رؤية الدولة تدعو إلى توسيع المشاركة الثقافية، فإن بعض قواعد ترشيد الإنفاق تضع الدعاية والإعلان ضمن بنود الحظر أو التقليص. وقد يبدو القرار منطقيًا إذا تعلق بشراء سلعة أو تنفيذ مشروع خدمى، لكنه يفقد منطقه تمامًا عندما يطبق على النشاط الثقافى.

فالعمل الفنى الذى لا يعرف الناس بوجوده، يشبه كتابًا حُبس فى مخزن، أو مصباحًا أُضىء فى صحراء خالية.. ليست الدعاية فى الثقافة ترفًا، بل جزءًا من العمل الثقافى ذاته، لأنها الوسيلة التى تصل بها الرسالة إلى جمهورها.. فما قيمة عرض مسرحى أُنفقت عليه الأموال والجهود، إذا لم يعلم الجمهور بموعده؟ وما جدوى فرقة تجوب المحافظات إذا لم تعرف القرى أنها قادمة إليها؟

والأكثر إثارة للتساؤل أن الدولة تمتلك أدوات إعلامية هائلة، كان يمكن أن تتحول إلى شريك طبيعى فى تحقيق أهدافها الثقافية.. فما الذى يمنع أن تخصص وسائل الإعلام الوطنية مساحات يومية للتعريف بمسرح الدولة، أو بمعارض الكتب، أو بأنشطة قصور الثقافة؟ إن تحقيق هذا الهدف لا يحتاج إلى موازنات جديدة، بقدر ما يحتاج إلى تنسيق بين مؤسسات تعمل جميعها تحت راية الدولة نفسها.

ومن هنا، فإن القضية لم تعد قضية وزارة ثقافة، ولا قضية وزير، ولا حتى قضية موازنة.

إنها قضية اتساق السياسات العامة.. فالاستراتيجية لا تُقاس بما كُتب فى وثيقة، وإنما بقدرة التشريعات، واللوائح، والقرارات المالية، والإجراءات الإدارية، على العمل فى الاتجاه نفسه.. فإذا قالت الدولة إن الثقافة ركيزة للتنمية، ثم جاءت الأدوات التنفيذية لتعاملها بوصفها عبئًا ماليًا، فإن الخلل لا يكون فى الاستراتيجية، بل فى الجسر الذى يربطها بالتنفيذ.

ولذلك، فإن السؤال الذى ينبغى أن يطرح اليوم ليس: هل نحتاج إلى استراتيجية ثقافية جديدة؟.. فالاستراتيجية موجودة، وقد صاغتها الدولة بوضوح، وربطت فيها الثقافة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وجعلتها جزءًا من مشروع بناء الإنسان.

السؤال الحقيقى هو: هل نجحت الحكومة فى مواءمة أدواتها التشريعية والمالية والإدارية مع هذه الاستراتيجية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى خطابات جديدة، ولا إلى وثائق إضافية، وإنما تحتاج إلى مراجعة شاملة لكل سياسة تنفيذية تمس العمل الثقافى من جانب (الحكومة)، بحيث يصبح القانون خادمًا للاستراتيجية، لا عائقًا أمامها، وتصبح الموازنة وسيلة لتحقيق الرسالة، لا قيدًا عليها، ويصبح التنفيذ امتدادًا للرؤية، لا خروجًا عليها.

فالدول تُبنى بالرؤى، لكن الرؤى لا تعيش إلا إذا وجدت حكومة تجعل كل قرار، مهما بدا صغيرًا، يسير فى الاتجاه نفسه الذى اختارته الدولة لمستقبلها.. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للثقافة فى مصر، لا باعتبارها شأنًا يخص الفنانين وحدهم، بل باعتبارها إحدى معارك الدولة فى بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

ونستكمل المقال الأسبوع القادم حول (قانون القيمة المضافة) وأثره على الإبداع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.