(هاني شنودة) يعود من بوابة القلعة.. و10 رموز يكتبون ليلة وفاء للفن المصري
كتب: أحمد السماحي
في ليالي القاهرة التي تعرف كيف تحفظ أسرارها، هناك أماكن لا تحتاج إلى دعوة كي تتذكر تاريخها.. يكفي أن تصعد إليها، وتترك للهواء مهمة استدعاء الأصوات التي عبرت من هنا، وللجدران مهمة الاحتفاظ بحكايات العظماء الذين مروا على مسرحها مثل الموسيقار الراحل الكبير (هاني شنودة).
وهكذا بدت قلعة صلاح الدين في افتتاح الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء، مساء أمس، وكأنها لا تفتح أبوابها لدورة جديدة من مهرجان فني عريق فحسب، وإنما تفتح دفترًا قديمًا للذاكرة المصرية، وتقول لجمهورها: هنا الموسيقى لا تموت.. وهنا الذين صنعوا وجداننا لا يغيبون.
وكان لافتًا أن تأتي البداية هذه المرة من كلمة تحمل الكثير من الدلالات: (غنوا للحياة).. عنوان فقرة الـ (مابينج) التي أُهديت إلى روح الموسيقار الكبير الراحل (هاني شنودة)، في تحية تليق بفنان لم يكن مجرد ملحن أو موسيقار، وإنما كان واحدًا من أصحاب المغامرات الفنية التي غيرت شكل الموسيقى المصرية الحديثة.
وحين نتحدث عن (هاني شنودة)، فنحن لا نتحدث فقط عن اسم ارتبط بألحان وأعمال موسيقية شهيرة، وإنما أمام تجربة فنية كاملة آمنت بأن الموسيقى يمكن أن تتغير، وأن التجديد ليس خيانة للتراث، وإنما إحدى طرق الحفاظ عليه.
كان (هاني شنودة)، من أبرز الذين سعوا إلى إدخال روح جديدة إلى الموسيقى المصرية، وارتبط اسمه بتجارب موسيقية وغنائية صنعت فارقًا في تاريخ الأغنية المصرية، كما كان صاحب رؤية مختلفة في التعامل مع الأصوات الجديدة، وهو ما جعله واحدًا من الفنانين الذين تركوا بصمتهم في أجيال متعاقبة.
ومن أهم محطاته تأسيس (فرقة المصريين) في أواخر السبعينيات، وهي التجربة التي فتحت الباب أمام شكل مختلف من الأغنية الجماعية، وقدمت أسماء وأصواتًا أصبحت لاحقًا جزءًا من المشهد الغنائي المصري.

عشرة من أصحاب العطاء
ولم يكن (هاني شنودة) مجرد صاحب مشروع موسيقي؛ كان أيضًا مكتشفًا للمواهب، ومؤمنًا بأن الفنان الحقيقي لا يكتفي بأن يلمع بنفسه، وإنما يترك وراءه مواهب تستطيع أن تكمل الطريق.. ولهذا، لم يكن غريبًا أن يصبح اسمه مرتبطًا بتجارب عدد من المطربين الذين تحولوا فيما بعد إلى علامات في الغناء المصري.
والأهم أن موسيقاه لم تنفصل عن الصورة؛ فقد ارتبط اسمه أيضًا بعدد من الأعمال السينمائية والتليفزيونية، ليؤكد أن الموسيقى التصويرية ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما شخصية خفية تتحرك داخل الفيلم وتمنحه ذاكرته ومزاجه وإيقاعه.
من هنا جاءت فقرة (غنوا للحياة) في افتتاح مهرجان القلعة محملة بمشاعر الوفاء أكثر من كونها مجرد استعراض بصري.. الإسقاطات المرئية والصور والموسيقى أعادت تقديم جانب من المسيرة الفنية لهاني شنودة، في معالجة صمم جرافيكها المهندس عبد المنعم المصري، بينما تولى المكساج فراس نوح.
لم يكن المشهد مجرد (فيديو تكريمي) تقليدي، وإنما محاولة لأن تستعيد التكنولوجيا ذاكرة فنان كانت التكنولوجيا نفسها جزءًا من مشروعه للتجديد.. وهنا تكمن المفارقة الجميلة: فنان عاش يبحث عن الجديد، يعود اليوم إلى الجمهور عبر أحدث أدوات الصورة والصوت.
كأن القلعة تقول لهاني شنودة: أنت الذي آمنت بأن المستقبل يمكن أن يصنع موسيقى مختلفة.. ها نحن نستدعيك اليوم بأدوات المستقبل.
ولأن مهرجان القلعة لا يريد أن تكون ليلة الافتتاح مجرد احتفال موسيقي، جاءت لحظة التكريم لتؤكد أن وراء كل مهرجان ناجح عشرات الأسماء التي تعمل بعيدًا عن الأضواء، وكرمت إدارة المهرجان عشرة من أصحاب العطاء والإسهام في الحياة الفنية المصرية والعربية، إلى جانب شخصيات ارتبطت بنجاح دوراته السابقة.
وكان من بينهم المايسترو نادر عباسي، والمخرج والمصمم وليد عوني، وعازفة البيانو الدكتورة مارسيل متى، والسوبرانو الدكتورة نبيلة عريان، وعازف البيانو بفرقة أوبرا القاهرة جريج مارتن، والمهندس محمد أبو سعدة، وصلاح شقوير، وخالد عبد الحليم، ومهندس الديكور محمد عبد الرازق، وفارس خالد.
تكريم هؤلاء لم يكن تفصيلة هامشية في برنامج الافتتاح؛ فالجوائز والتكريمات تصبح بلا معنى إذا تذكرت النجوم فقط ونسيت الجنود الذين يقفون خلف استمرار المؤسسات والمهرجانات.


جاء دور الموسيقى لتتكلم
وبعد لحظة الوفاء، جاء دور الموسيقى لتتكلم بلغتها الخاصة، فقدمت عازفات الهارب المصريات بقيادة الدكتورة منال محيي الدين جولة موسيقية حالمة، تنقلت بين أعمال عربية وعالمية، من (كلمة حلوة) إلى (فالس شوستاكوفيتش) و(ليبر تانجو)، وميدلي لعبد الحليم حافظ، و(إسبانيا كاني)، وصولًا إلى ميدلي من أعمال عمر خيرت.
كان اختيار الهارب تحديدًا يحمل جمالًا بصريًا وصوتيًا؛ فهذه الآلة ذات الطبيعة الحالمة بدت وكأنها تتماهى مع المكان التاريخي، لتمنح القلعة لحظات من الهدوء وسط صخب المدينة.
لكن شهريار القلعة لم يكن ليترك جمهوره في حالة تأمل طويلة!.. فما إن انتهت الجولة الموسيقية حتى جاءت ريهام عبد الحكيم لتفتح بابًا آخر من أبواب الذاكرة.. بصوتها القادر على الاقتراب من روح الطرب الكلاسيكي، قدمت بمصاحبة الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو الدكتور محمد الموجي مجموعة من الأعمال التراثية والمعاصرة، إلى جانب عدد من أغنياتها الخاصة.
وجاءت (فيها حاجة حلوة، هوا يا هوا، حرمت أحبك، خاتم سليمان، على صوتك)، إلى جانب ميدلي لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، لتصبح السهرة أقرب إلى رحلة في ذاكرة الغناء المصري.
وهنا كانت المفارقة الأجمل في الافتتاح: (هاني شنودة) يمثل جانبًا من روح التجديد والمغامرة، وأم كلثوم وعبد الحليم يمثلان قمة التراث الغنائي، وريهام عبد الحكيم تقف بينهما كصوت من أصوات الجيل الجديد الذي يحمل الذاكرة إلى المستقبل.
ربما تكون أهم ميزة لمهرجان القلعة أنه استطاع عبر سنوات طويلة أن يخرج بالموسيقى من الأماكن المغلقة إلى جمهور أوسع.. فالقلعة ليست مسرحًا للنخبة فقط، وإنما مساحة يلتقي فيها جمهور متنوع، وتتحول فيها الأسرة المصرية إلى جزء من المشهد.

أهم المهرجانات الفنية
وهذا ما أكده الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، عندما تحدث عن المهرجان باعتباره أحد أهم المهرجانات الفنية في مصر والمنطقة العربية، مؤكدًا أن الفن الجاد قادر على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
كما أكد المهندس ياسر شعلان، مدير المهرجان ورئيس البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه، أن الدورة الجديدة تسعى إلى تحقيق توازن بين الأسماء صاحبة التاريخ والمواهب والتجارب الجديدة، مع الانفتاح على ألوان موسيقية وثقافية من خارج مصر.
وهى معادلة مهمة؛ لأن المهرجان الذي يعيش في الماضي فقط يتحول إلى متحف، والمهرجان الذي يقطع صلته بالماضي يفقد ذاكرته.. وفي النهاية، ربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت بها ليلة افتتاح الدورة الـ 34 هي أن الاحتفاء بالماضي لا يعني العيش فيه.
فحين تستعيد القلعة (هاني شنودة)، ثم تكرم أجيالًا من صناع الفن، ثم تستضيف عازفات الهارب، ثم تترك المسرح لريهام عبد الحكيم لتغني لأم كلثوم وعبد الحليم ولجيلها، فهي لا تقدم حفلة واحدة، وإنما ترسم خطًا ممتدًا بين أجيال الموسيقى المصرية.
وهنا يستحق عنوان الافتتاح أن يتحول من مجرد اسم لفقرة إلى رسالة كاملة: (غنوا للحياة).. غنوا لهاني شنودة الذي آمن بالمغامرة.. غنوا لمن صنعوا الموسيقى خلف الستار.. غنوا لأم كلثوم وعبد الحليم وكل الذين تركوا لنا تراثًا لا يزال قادرًا على تحريك القلب.. وغنوا للأجيال الجديدة التي تحاول أن تجد لنفسها مكانًا في المشهد.
أما (هاني شنودة)، الذي غاب جسده وبقيت موسيقاه، فقد كان حاضرًا في تلك الليلة بطريقة تليق به: لا في صورة معلقة على جدار، وإنما في موسيقى تتحرك، وصور تنبض، وجمهور يسمع، وقلعة تغني، وهكذا، قبل أن تبدأ ليالي الدورة الرابعة والثلاثين، قالت القلعة كلمتها الأولى: الفن الحقيقي قد يغيب صاحبه.. لكنه لا يرحل.