


بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
لم تعد معركة التأثير في الرأي العام تدور فقط داخل صفحات الصحف وشاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، بل انتقلت إلى مساحة أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً: الإجابات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي بدعم من (معهد هانوفر للسياسات العامة).
فمع التحول المتسارع في سلوك الجمهور، واعتماد ملايين المستخدمين على روبوتات الدردشة للحصول على الأخبار والمعلومات والتفسيرات السياسية، أصبح التأثير في مصادر هذه الأنظمة ومخرجاتها هدفاً بالغ الأهمية في الصراع على الرواية.
في هذا السياق، تستحق التحركات الإسرائيلية الرامية إلى تطوير أدوات جديدة للتأثير في البيئة المعلوماتية اهتماماً خاصاً، ولا سيما بعدما كشفت تقارير ووثائق أمريكية عن مشاريع لا تستهدف المستخدم البشري بصورة مباشرة، وإنما تسعى إلى الوصول إلى الآلة نفسها، عبر إنتاج محتوى يمكن لمحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي العثور عليه وفهرسته والاستناد إليه لاحقاً.
من أحدث هذه المشاريع ما ارتبط بـ (معهد هانوفر للسياسات العامة)، الذي قُدم في صورة مركز أبحاث مستقل، بينما تشير وثائق الإفصاح الأمريكية إلى ارتباط مواده بحملة ممولة من الجانب الإسرائيلي.
تكشف الوثائق المقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي (FARA) عن قيام شركة العلاقات العامة الفرنسية (هافاس ميديا)، عبر متعاقدين معها، بإنتاج ونشر محتوى يتعلق بإسرائيل والقضايا المرتبطة بها.
وفي إحدى حلقات هذه العملية ظهر (معهد هانوفر للسياسات العامة)، الذي نشر أكثر من 12 مقالاً ضمن حملة بلغت قيمتها 100 ألف دولار، تحت عنوان إنتاج مواد معلوماتية موصوفة بأنها واقعية وموثقة بالمصادر وموجهة إلى الجمهور الأمريكي.
ويضم الموقع عشرات المواد التي لا تحمل أسماء مؤلفين، وتتناول بصورة مباشرة قضايا شديدة الحساسية في الحرب على غزة، من بينها التساؤل عما إذا كان الجيش الإسرائيلي (أكثر جيوش العالم أخلاقية)، وما إذا كانت هناك سياسة تجويع في غزة.


عملية صناعة الرواية
وهنا لا تكمن المسألة فقط في مضمون هذه المواد، وإنما في طبيعة الأسئلة وطريقة صياغتها وانتظامها وإتاحتها على شبكة الإنترنت، بما يثير تساؤلات جدية حول إمكانية إعدادها بحيث تكون قابلة للاكتشاف والفهرسة والاستدعاء من جانب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
المثير في هذا النوع من الحملات أنه لا يشترط أن يقرأ الإنسان المادة المنشورة حتى تحقق غايتها، فالهدف الأبعد هو أن تجدها محركات البحث وأدوات استرجاع المعلومات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ثم تظهر في إجاباتها عندما يطرح المستخدم سؤالاً يتعلق بغزة أو إسرائيل أو الجيش الإسرائيلي أو الصهيونية أو معاداة السامية.
وبهذا تنتقل عملية صناعة الرواية من مخاطبة الجمهور مباشرة إلى محاولة التأثير في (المكتبة الرقمية) التي تستقي منها الآلات إجاباتها، وتشير اختبارات أوردتها تقارير بشأن المشروع إلى أن روبوتات مثل (شات جي بي تي، وبيربلكسيتي) استشهدت بمواد مرتبطة بمعهد هانوفر عند الإجابة عن أسئلة تتصل بغزة ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية.
كما يكشف إشعار منشور على الموقع عن توزيع المحتوى بواسطة شركة (بيرو) نيابة عن (هافاس ميديا ألمانيا) ولصالح وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية (لا بام)، وتظهر مؤشرات تقنية، بحسب التقارير، ارتباط الموقع بشركة متخصصة في مساعدة العلامات التجارية على الظهور داخل توصيات وإجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ولا يبدو (معهد هانوفر للسياسات العامة) حالة منفردة أو مشروعاً معزولاً، بل يأتي في سياق أوسع من تطوير أدوات التأثير الإسرائيلي في المجال الرقمي. فقد كشفت إفصاحات أمريكية وتقارير أخرى عن حملة تبلغ قيمتها 46.5 مليون دولار مرتبطة بشركة (Clock Tower X).
تضمنت إنشاء شبكة من المواقع الإلكترونية وإنتاج مئات المواد التي تتناول إسرائيل وغزة والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، مع توجيهها بحيث تكون قابلة للفهرسة والظهور داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

أنظمة الذكاء الاصطناعي
وتكشف طبيعة هذه الشبكة عن تحول لافت في مفهوم الدعاية الرقمية؛ فالمواقع المرتبطة بالحملة لم تكن بالضرورة مصممة لجذب أعداد كبيرة من القراء، وإنما لكي تكون موجودة بكثافة على الإنترنت، وقابلة للزحف والفهرسة، وبالتالي قابلة للظهور في عمليات الاسترجاع التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وقد أظهرت تقارير أن بعض هذه المواقع ظهر بالفعل في إجابات روبوتات دردشة، بما يؤشر إلى أن المسألة لم تعد مجرد خطة نظرية، بل ترتبط بمحاولات للوصول إلى طبقة جديدة من صناعة المعلومات.
ويرى خبراء ومتخصصون أن التطور الأخطر في هذه الاستراتيجية يتمثل في انتقال إسرائيل من محاولة التأثير في الإعلام التقليدي وشبكات التواصل ومحركات البحث إلى محاولة التأثير في الإجابة النهائية التي تصل إلى المستخدم عبر الذكاء الاصطناعي.
فالمستخدم الذي يسأل روبوت دردشة عن الحرب في غزة قد لا يذهب إلى عشرات المصادر لمقارنة الروايات، وإنما يتلقى إجابة واحدة تبدو له محايدة ومختصرة وموثوقة، الأمر الذي يجعل أي انحياز في المصادر التي تستند إليها هذه الإجابة أكثر تأثيراً من مادة دعائية تقليدية يمكن للقارئ أن يميزها بسهولة.
ويؤكد متخصصون أن خطورة هذه الآلية تنبع أيضاً من قدرة المحتوى المصاغ بصورة مهنية، والمزود بالمراجع والبيانات والمكتوب بلغة تبدو موضوعية، على اكتساب وزن أكبر داخل الأنظمة التي تبحث عن مصادر متعددة للإجابة عن الأسئلة الخلافية.
فإذا جرى ضخ رواية واحدة بكميات كبيرة عبر مواقع متعددة، فإنها قد تظهر أمام المستخدم بوصفها (أحد المصادر) التي تستند إليها الإجابة، حتى إذا كان وراء إنتاجها وتمويلها طرف له مصلحة سياسية مباشرة في القضية.
وأعادت القضية إشعال النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت تقارير حول المشروع على نطاق واسع، وتجاوز أحد المنشورات التي أثارت القضية مليون مشاهدة، في مؤشر على حجم الاهتمام بفكرة انتقال الدعاية السياسية إلى داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويرى متخصصون وناشطون أن ما يحدث يمكن وصفه بأنه محاولة لـ (غسل الصورة) باستخدام الذكاء الاصطناعي، أي إنتاج محتوى منظم وإتاحته بكثافة بهدف تغيير البيئة التي تستقي منها النماذج إجاباتها.

إعادة تشكيل السردية الإعلامية
فيما تذهب تحليلات أخرى إلى أن المسألة تمثل امتداداً لمحاولات أوسع لإعادة تشكيل السردية الإعلامية بشأن الحرب على غزة، لكن الفارق هذه المرة أن الجمهور المستهدف ليس الإنسان فقط، وإنما الخوارزمية التي ستتولى لاحقاً تقديم المعلومات للإنسان.
هذه التطورات المتلاحقة تضع شركات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار بالغ الصعوبة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمنع المعلومات الكاذبة، وإنما بكيفية اكتشاف المحتوى المنسق الذي قد يكون صحيحاً في بعض تفاصيله، لكنه أُنتج ضمن حملة سياسية منظمة وبهدف التأثير في طريقة ظهور قضية معينة داخل الإجابات الآلية.
وهنا يجب الإشارة إلى أن الأمر يفرض على شركات تطوير النماذج الذكية التفكير في شفافية أكبر بشأن مصادر الإجابات، وكيفية تقييم المواقع التي تعتمد عليها أنظمة الاسترجاع، وما إذا كانت المادة ممولة أو موزعة نيابة عن حكومات وجهات سياسية.
كما يطرح تساؤلاً أوسع حول ما إذا كانت قواعد مكافحة التضليل الحالية قادرة فعلاً على التعامل مع حملات لا تعتمد على اختراق الأنظمة، وإنما على إغراق البيئة المعلوماتية بمحتوى مصمم خصيصاً لكي تجده الآلة.
وتبرز هذه المخاوف في ظل اعتبار جهات بحثية مستقلة أن استهداف بيانات التدريب والاسترجاع يمثل خطراً على الشفافية والاستقلالية التي يفترض أن تتمتع بها أدوات الذكاء الاصطناعي.
الأخطر في مشروع (معهد هانوفر للسياسات العامة) وما يرتبط به من حملات ليس الموقع ذاته، ولا عدد المقالات المنشورة فيه، وإنما المنطق الذي يقف وراء الفكرة: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي وسيطاً رئيسياً بين الإنسان والمعلومة، فإن السيطرة على البيئة التي يتعلم منها أو يسترجع منها المعلومات تتحول إلى شكل جديد من أشكال النفوذ السياسي.
وهذا يعني أن معركة الرواية لم تعد تقتصر على إقناع الصحفي أو المشاهد أو مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما أصبحت تشمل محاولة التأثير في الخوارزمية التي ستلخص له الحدث وتختار له المصادر وتحدد له، بصورة غير مباشرة، أي رواية تستحق أن تظهر في الإجابة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية إنفاق عشرات الملايين من الدولارات على إنتاج محتوى قد لا يقرأه أحد مباشرة، لكنه قد يصل إلى ملايين الأشخاص بعد أن تعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي إنتاجه في إجاباتها.

ضرورة كشف المشروع
إن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو أن الصراع على الوعي دخل مرحلة جديدة، وأن السيطرة على الإعلام لم تعد تعني امتلاك صحيفة أو قناة أو منصة جماهيرية، بل باتت تعني أيضاً القدرة على التأثير في البنية الرقمية التي تُنتج المعرفة وتعيد توزيعها.
وإذا كانت الحكومات والجهات السياسية قد اعتادت استخدام العلاقات العامة والإعلانات والتأثير الإعلامي، فإن توجيه هذه الأدوات نحو أنظمة الذكاء الاصطناعي يفتح باباً أكثر تعقيداً وأشد خطورة.
ومن ثم، فإن مشروع (معهد هانوفر للسياسات العامة) ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد موقع إلكتروني أو حملة علاقات عامة محدودة، بل باعتباره مؤشراً على اتجاه آخذ في الاتساع نحو خوض معركة الرواية داخل عالم الذكاء الاصطناعي.
والمواجهة هنا لا تكون بالدعاية المضادة، وإنما بالشفافية، وكشف الجهات الممولة، وتتبع شبكات المحتوى المنسق، وتدقيق المصادر التي تستند إليها النماذج الذكية، والتنبيه إلى المواد التي تبدو مستقلة بينما تقف وراءها جهات حكومية أو سياسية.
فترك هذه المساحة بلا رقابة أو كشف يعني السماح بتشكيل الوعي العام من خلف الستار، في وقت يزداد فيه اعتماد الجمهور على الآلة بوصفها مصدراً محايداً للمعرفة.
ولهذا فإن فضح هذه المشاريع وتوثيقها ومراقبة امتداداتها لا يمثل موقفاً من رواية سياسية بعينها فحسب، وإنما دفاعاً عن حق الجمهور في معرفة مصدر المعلومات التي تقدم إليه.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تحاول دولة الدفاع عن صورتها، وإنما في أن تتحول هذه المحاولة إلى عملية منظمة لإعادة تشكيل البيئة التي تنتج منها الآلات إجاباتها، بحيث يصبح المستخدم أمام رواية جرى إعدادها له مسبقاً، من دون أن يعرف أنها كانت هناك أصلاً، وللحديث بقية.