(نور، ونهار) يشعلان ثورة في الإعلام العربي.. مذيعة ومراسل بـ (الذكاء الاصطناعي)!

كتبت: سما أحمد
في عالم يتغير كل يوم، يبدو أن (الذكاء الاصطناعي) لم يعد ضيفًا على مائدة الإعلام، بل بدأ يجلس على مقعد المذيع، ويحمل ميكروفون المراسل، ويقتحم غرفة الأخبار من بابها الكبير!
والحكاية هذه المرة جاءت من لبنان، حيث صنعت مجموعة (النهار) الإعلامية لحظة إعلامية لافتة، بعدما أعلنت عن إطلاق نشرة أخبار تُقدَّم بالكامل باستخدام تقنيات (الذكاء الاصطناعي)، في تجربة تُعد الأولى من نوعها في لبنان والعالم العربي، والثانية عالميًا، بحسب ما أعلنته المؤسسة.
لكن المفاجأة لم تكن فقط في ظهور مذيعة رقمية أو مراسل افتراضي، وإنما في أن الجمهور شاهد للمرة الأولى تفاعلًا مباشرًا بين الاثنين!
المذيعة الرقمية (نور) جلست أمام الجمهور لتقدم النشرة، لكن هذه المرة لم تكن وحدها في المشهد، إذ دخل على الخط المراسل الرقمي (نهار)، لتبدأ تجربة جديدة في تقديم الخبر، نقل خلالها (نهار) الأحداث المتعلقة بالجيش اللبناني من جنوب لبنان، بينما تولت (نور) إدارة الحوار والتفاعل معه.
وهنا، بدا المشهد وكأنه يفتح صفحة جديدة في تاريخ الإعلام العربي.. مذيعة ومراسل، لكن لا أحد منهما يجلس فعليًا داخل الاستوديو!
النشرة التي بُثت أمس عند الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت بيروت، حملت معها سؤالًا أكبر من مجرد تجربة تقنية جديدة: هل نحن أمام مستقبل الإعلام، أم أمام اختبار مبكر لحدود العلاقة بين الصحفي والآلة؟

أول مراسل صحفي رقمي
الحكاية بدأت قبل ذلك بأسبوع واحد فقط، عندما أطلقت (النهار) أول مراسل صحفي رقمي في لبنان، ضمن استراتيجية للتحول الرقمي، لتأتي الخطوة التالية سريعًا بإطلاق نشرة تجمع بين مذيعة ومراسل رقميين في تجربة تفاعلية هي الأولى عربيًا، وفق إعلان المؤسسة.
وتبدو (نور، ونهار) وكأنهما نجما جيل جديد من الإعلام.. جيل لا يحتاج إلى كاميرا تقليدية، ولا إلى استوديو بالمعنى المعروف، لكنه يحتاج إلى شيء أكثر أهمية: صحافة حقيقية تقف خلف هذه التكنولوجيا.
وهنا تكمن النقطة الأهم في التجربة، فـ (الذكاء الاصطناعي)، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع وحده أن يقرر ما هو الخبر، وما الذي يستحق النشر، وكيف يتم التعامل مع المعلومات الحساسة، ولذلك تؤكد (النهار) أن التجربة الجديدة لا تعني إلغاء دور الصحفي، وإنما تسعى إلى الجمع بين التكنولوجيا والخبرة التحريرية البشرية.
وفي هذا السياق، أوضح بلال كساسير، خبير (الذكاء الاصطناعي) والتحول الرقمي، أن النشرة الجديدة تعتمد على فريق تحريري يتولى إعداد الأخبار والتحقق منها وفق المعايير المهنية، بينما تُستخدم تقنيات (الذكاء الاصطناعي) في تقديم المحتوى بصريًا وصوتيًا، بما يساهم في تسريع عملية الإنتاج ورفع كفاءة النشر، مع الحفاظ على الدقة والمصداقية.
ويؤكد كساسير أن العنصر البشري سيظل الركيزة الأساسية في صناعة القرار التحريري، وأن (الذكاء الاصطناعي) لن يكون بديلًا عن الصحفي، وإنما أداة داعمة تساعد على تطوير العمل الإعلامي وتقديم محتوى أكثر تفاعلاً.

صحفي لا يملك جسدًا
وبين (نور، ونهار) بدأت الحكاية.. حكاية قد تبدو اليوم غريبة ومثيرة للدهشة، لكنها ربما تصبح بعد سنوات قليلة مشهدًا عاديًا في نشرات الأخبار حول العالم.
فإذا كان المذيع التقليدي قد اعتاد أن يقول: (ومن موقع الحدث ينضم إلينا مراسلنا)، فقد يأتي يوم قريب يقول فيه المذيع الرقمي: (والآن ينضم إلينا مراسلنا الافتراضي!).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع الجمهور أن يثق في صحفي لا يملك جسدًا؟ وهل يمكن لشخصية رقمية أن تنقل مشاعر الحدث كما يفعل الصحفي الموجود في الميدان؟ وهل ستبقى الشاشة مجرد نافذة على الحقيقة، أم ستصبح الحقيقة نفسها مصنوعة بالكامل بواسطة الخوارزميات؟
أسئلة كثيرة ستجيب عنها الأيام المقبلة.. أما المؤكد، فهو أن (النهار) اختارت أن تدخل سباق المستقبل مبكرًا، وأن (نور، ونهار) قد لا يكونان مجرد تجربتين تقنيتين عابرتين، بل ربما يكونان بداية قصة طويلة عن شكل الإعلام العربي في السنوات القادمة.
والأجمل في الحكاية أن الستار لم يُسدل بعد.. فالنشرة الجديدة ستبث بصورة دورية عبر المنصات الرقمية التابعة للمؤسسة، مع خطط لتوسيع استخدام تطبيقات (الذكاء الاصطناعي) في إنتاج برامج وتقارير إخبارية متنوعة.
وهكذا، يبدو أن (نور، ونهار) لم يقولا كلمتهما الأخيرة بعد.. ففي زمن تتغير فيه التكنولوجيا أسرع من قدرتنا على تخيل المستقبل، ربما تكون المفاجأة القادمة أكبر بكثير.. وربما يأتي اليوم الذي نجد فيه غرفة أخبار كاملة من (النجوم الرقميين!).
لكن يبقى السؤال الأهم: هل سيظل الإنسان هو من يصنع الخبر.. أم سيأتي يوم يصبح فيه الخبر نفسه من صناعة الآلة؟