

بقلم: الباحث السياسي العراقي: علاء القيسي
في زمنٍ لم يكن فيه سوى قناة واحدة، كان العراق كله يجلس في نفس اللحظة ليشاهد (ذئاب الليل، وعالم الست وهيبة) كانت (الدراما) فقيرة بالإمكانيات، غنية بالحكاية، واليوم، لدينا أكثر من ثلاثين فضائية عراقية، وميزانيات إعلانية بملايين الدولارات، ومنصات تبث 24 ساعة، ومع ذلك لا أحد يجلس.. الجمهور العراقي هرب إلى التركي المدبلج والكوري المترجم، وترك دراماه وحيدة على الرف.
السؤال لم يعد نقداً فنياً، بل سؤال وجود: هل أنقذتنا الفضائيات فعلاً، أم أنها أكملت ما بدأه الحصار والحروب؟
1- قبل الفضائيات: دراما من طينٍ وذهب
قبل 2003، كانت (الدراما) العراقية تصنع بلا مال.. ستوديو واحد، كاميرا واحدة، ووجوه نحفظها عن ظهر قلب، لكن كان هناك شيء لا يشترى: الكاتب.. كان هناك نص.. كانت هناك قصة عراقية حقيقية، بلهجة عراقية صافية، بهموم الناس لا بهموم الأحزاب.
كانت الرقابة السياسية تخنق، نعم، لكنها لم تقتل الذائقة. كنا ننتج عملاً واحداً في السنة، فيبقى عشرين سنة في الذاكرة.

جاء زمن الفرص
2- بعد 2003: وهم الإنقاذ الكبير
جاء الانفجار(الشرقية، العراقية، السومرية، ثم UTV وmbc العراق ودجلة والرابعة) وغيرها.. قلنا: انتهى زمن القناة الواحدة، جاء زمن الفرص.. سيتنافس المنتجون، سيظهر كتاب جدد، سيعود الممثل المهاجر، وستُفتح خزائن الإعلان.
وفعلاً، في البداية أنقذت الفضائيات (الدراما) من الموت السريري.. أعادت الرواتب للممثلين، وأعادت الكاميرا للعمل.. لولا الفضائيات الخاصة لما رأينا (بيت الطين، والحب والسلام، وأبو طبر) في سنواتها الأولى، لكن الإنقاذ كان إسعافاً أولياً، لا علاجاً.
3- كيف تحول الإنقاذ إلى جريمة قتل؟
قتلت كثرة الفضائيات (الدراما) العراقية بأربع أدوات ناعمة:
أولاً: منطق الإعلان لا منطق الفن.
الفضائية لا تريد عملاً جيداً، تريد عملاً رخيصاً يملأ 30 حلقة في رمضان ليباع الإعلان بين فواصله، فأصبح النص يُكتب في 20 يوماً، ويُصور في 15 يوماً، ويُمنتج في 5 أيام.. هذه ليست دراما، هذه وجبات سريعة فاسدة.
ثانياً: النجم المستهلك والكاتب المنسي.
أصبحت الفضائية تتعاقد مع نفس الوجوه الخمسة كل عام لأنها (تبيع).. نفس الممثل يبكي ويضحك ويصبح ضابطاً ومختاراً في نفس الموسم، بينما الكاتب الحقيقي، صاحب الحكاية، مهمش، أجره هو الأقل، ورأيه هو الأخير. بلا كتابة لا توجد دراما، ولو جئت بكل نجوم هوليوود.
ثالثاً: دراما الموسم الواحد.
حولت الفضائيات الدراما إلى طقوس رمضانية فقط.. 11 شهراً من البطالة الفنية، وشهر واحد من السباق المحموم لإنتاج أي شيء. كيف تتطور صناعة تعمل شهراً واحداً في السنة؟.. الدراما السورية والمصرية تعمل طوال العام، لذلك بقيت.
رابعاً: فقدان الهوية.
من أجل إرضاء المعلن الخليجي أو المنافسة مع التركي، بدأنا نسمع لهجة بيضاء هجينة، وقصصاً لا تشبه الشارع العراقي.. بيت بغدادي يشبه فيلا في اسطنبول، وامرأة موصلية تتحدث كأنها من بيروت.. الجمهور العراقي ذكي، يعرف متى تكذب عليه، فغيّر القناة.
والأخطر، أن أغلب الفضائيات مملوكة لجهات سياسية.. فأصبحت (الدراما) إما تلميعاً، أو تخويفاً، أو تجنباً كاملاً لكل ما يمس الواقع.. فماتت الجرأة.

صندوق وطني مستقل للدراما
4- الحقيقة المرة
كثرة الفضائيات لم تقتل الدراما وحدها.. نحن قتلناها معها.. قتلناها عندما صفقنا للكوميديا المبتذلة التي تسخر من لهجاتنا بدلاً من أن تعالج همومنا.. قتلناها عندما قبل الممثل أن يصور 20 مشهداً في اليوم من أجل أجره.. وقتلتها الدولة عندما تركت الدراما سوقاً حرة بلا دعم ولا قانون ولا أكاديمية ولا مدينة إنتاج حقيقية.
الفضائيات أنقذت (الدراما) من القبر، صحيح، لكنها تركتها في غرفة الإنعاش بلا أوكسجين، وفتحت الشباك للآخرين ليأخذوا مكانها.
ما الحل؟ هل يمكن أن تعود؟
نعم، لكن ليس بكثرة القنوات، بل بكثرة الاحترام.
1- صندوق وطني مستقل للدراما لا تملكه فضائية ولا حزب، يدعم 10 نصوص حقيقية في السنة بدلاً من 30 مسلسلاً مستعجلاً.
2- ورش كتابة حقيقية، نذهب فيها إلى الناصرية والموصل والبصرة لنكتشف كتاباً، لا ننتظر أن يأتوا إلى مكتب في الكرادة.
3- موسم خارج رمضان.. مسلسل عراقي من 8 حلقات فقط، بجودة عالية، يُعرض في أكتوبر أو يناير، سيكون أقوى من 30 حلقة محشوة.
4- العودة للهجة العراقية بفخر، فالتركي نجح لأنه تركي، والكوري نجح لأنه كوري. لن يرانا العالم حتى نرى أنفسنا أولاً.
(الدراما) العراقية لا تحتاج إلى من ينقذها، هي تحتاج إلى من يتركها تتنفس.. كانت تمتلك أهم عنصرين: الحكاية والناس، والفضائيات تمتلك المال والشاشة.. عندما التقى الاثنان بلا خطة، كان المال هو من ابتلع الحكاية.
اليوم، الشاشات كثيرة، والحكاية مفقودة.. وإذا استمررنا بهذه الطريقة، سنحتاج قريباً إلى فضائية جديدة لتبث جنازة الدراما العراقية على الهواء مباشرة.