(مصطفى قمر) يفتح بوابة الزمن.. (قمر قمرين) فيلم غنائي من 13 دقيقة!


كتبت: سما أحمد
ماذا لو استيقظت ذات يوم لتجد نفسك في القرن السادس عشر؟.. وماذا لو انفجرت أمامك بلورة سحرية، فدفعتك إلى زمن غامض تحكمه حكايات الساحرات ومحاكماتهن؟.. وماذا لو كانت النهاية أن تتحول أنت نفسك إلى (مستئذب)؟.. لا.. هذه ليست بداية فيلم فانتازيا جديد في دور العرض، وإنما هي المغامرة التي قرر النجم (مصطفى قمر) أن يخوضها في أحدث كليباته الغنائية (قمر قمرين).
يبدو منذ الوهلة الأولى أنه قرر أن يهدم كل القواعد المعتادة للفيديو كليب، فمصطفى قمر، أحد أشهر نجوم الكليبات في جيله، لم يكتفِ هذه المرة بأن يصور أغنية ويضعها في قالب بصري جذاب، وإنما قرر أن يحول الأغنية إلى فيلم غنائي قصير يمتد لنحو 13 دقيقة، ويحكي قصة كاملة مليئة بالفانتازيا والمغامرات والتنقل بين الأزمنة.
بمعنى آخر: (مصطفى قمر) لا يقدم لنا (كليبًا) بالمعنى التقليدي، وإنما يرفع السقف ويقول للجمهور: تعالوا نشاهد حكاية!.. اللافت أن هذه المغامرة ليست غريبة على مصطفى قمر، الذي ارتبط اسمه منذ سنوات طويلة بابتكار الأفكار المختلفة في تصوير أغنياته.
فهو واحد من أبناء جيل نجح في تحويل الكليب من مجرد مساحة لعرض المطرب وهو يغني إلى عالم له شخصيات وحكايات وملابس وديكورات وحلول بصرية.. لكن (قمر قمرين) يبدو كأنه محاولة لإعادة اكتشاف هذا الدور من جديد، مستفيدًا من التطور الهائل في تقنيات الصورة والذكاء الاصطناعي والجرافيك.
الأغنية تنتمي إلى اللون الإسباني (سبانيش)، وهو لون سبق لمصطفى قمر أن قدمه وحقق من خلاله نجاحًا، لكن العودة هذه المرة لا تأتي بتكرار التجربة القديمة، وإنما برؤية موسيقية وبصرية أكثر طموحًا.
الأغنية من ألحان فارس فهمي، بينما تولى توزيعها الموسيقي كريم عبد الوهاب، الذي يبدو أنه لم يتعامل مع المشروع باعتباره أغنية عادية، وإنما دخل إلى تفاصيله منذ وقت مبكر، حيث استغرق العمل على الموسيقى ودراسة طبيعتها أكثر من عام، بحثًا عن صيغة تخدم القصة والشكل البصري.


بلورة سحرية تفتح باب الزمن
أما الحكاية نفسها، فهي الجزء الأكثر إثارة، تبدأ رحلة (مصطفى قمر) من خلال بلورة تنفجر بشكل مفاجئ، لتفتح له بوابة إلى زمن آخر، فيجد نفسه وسط عالم مختلف تمامًا عن عالمه.. عالم تحكمه أجواء القرن السادس عشر، بما تحمله هذه الحقبة من حكايات الساحرات ومحاكماتهن والحرق والخوف والأساطير.
ومن هنا تبدأ رحلة التنقل بين الأزمنة، في أجواء تجمع بين الفانتازيا والمغامرة والغموض.. لكن المفاجأة الأكبر تأتي عندما يتحول بطل الحكاية إلى مستئذب، لتنتقل القصة إلى مستوى آخر من الخيال، وتصبح الأغنية نفسها جزءًا من عالم درامي كامل.
وهنا يبدو أن (مصطفى قمر) لم يسأل نفسه: (كيف أصور الأغنية؟.. بل سأل سؤالًا أكبر: ماذا لو عشنا الأغنية؟.. 13 دقيقة ليست مدة معتادة في عالم الكليب، خصوصًا في زمن يتعامل فيه الجمهور مع الأغنية على طريقة (الثواني الأولى تحسم كل شيء).. لكن (مصطفى قم)ر يغامر بعكس التيار.
ثلاثة عشر دقيقة تعني أن هناك قصة وتطورًا وشخصيات وأجواء وتحولات، وليس مجرد مقدمة موسيقية ومشاهد متتابعة.. ولذلك استغرق تنفيذ (قمر قمرين) نحو ثلاثة أشهر من التصوير والمونتاج، إلى جانب الوقت الطويل الذي سبق ذلك في التحضير للموسيقى والفكرة.
فالتحدي هنا ليس فقط أن تبدو الصورة جميلة، وإنما أن تكون الصورة قادرة على خدمة الحكاية.. وهذه هي النقطة التي يمكن أن تجعل التجربة أكثر أهمية من مجرد (كليب غريب).
صناع العمل استعانوا بتقنيات الذكاء الاصطناعي والجرافيك لصناعة العوالم البصرية المختلفة، وهو ما منح (قمر قمرين) مساحة كبيرة من اللعب في الأزمنة والأماكن والشخصيات.. لكن استخدام الـAI هنا ليس لمجرد الاستعراض التقني.
الفكرة أن التقنية تصبح جزءًا من الخيال الذي يحاول الكليب أن يصنعه، خاصة مع الانتقالات بين العصور المختلفة، وتكوين عالم لا يمكن تحقيقه بسهولة بالوسائل التقليدية وحدها.


(نجم الكليبات) يعود إلى ملعبه
وهنا يطرح العمل سؤالًا مهمًا حول مستقبل الكليب العربي: هل نحن أمام بداية مرحلة يتحول فيها الفيديو كليب تدريجيًا إلى فيلم موسيقي قصير؟.. ولأن العمل قرر أن يقترب من السينما، كان لا بد أن يكون فيه راوٍ.. ومن هنا جاءت مشاركة الفنان الكبير صلاح عبد الله، الذي يتولى مهمة رواية أحداث القصة، ليضيف بصوته وحضوره بعدًا دراميًا واضحًا.
اختيار صلاح عبد الله تحديدًا يبدو ذكيًا؛ فصوته قادر على منح الحكاية روحًا خاصة، ويجعل المشاهد يشعر أنه أمام قصة تُروى، وليس مجرد أغنية مصورة.. لكن المفاجأة لا تتوقف هنا.. فالسيناريست والشاعر الدكتور مدحت العدل يشارك أيضًا من خلال كتابة التعليق على القصة، ليجتمع في العمل الموسيقي مع السرد الدرامي واللغة، وتصبح التجربة أقرب إلى عمل فني متكامل متعدد العناصر.
ربما تكون أكثر كلمة مناسبة لوصف (قمر قمرين) هى: عودة.. ليس لأن مصطفى قمر غاب، وإنما لأنه يعود إلى المنطقة التي صنع فيها جزءًا مهمًا من تاريخه؛ منطقة الكليب الذي يحمل فكرة ويصنع صورة ويقدم مفاجأة.. فهذا الفنان لم يكن يومًا من الذين يكتفون بوضع الكاميرا أمامهم والغناء.. دائمًا كانت لديه رغبة في أن تكون الأغنية مصحوبة بعالم بصري يجعل الجمهور يتذكرها.
ولهذا أطلق عليه أبناء جيله لقب (نجم الكليبات).. والآن، بعد سنوات طويلة، يبدو أنه يريد أن يثبت أن هذا اللقب لم يصبح مجرد ذكرى من زمن الفضائيات، بل يمكن إعادة تعريفه في عصر المنصات والـ AI.
هل ينجح الرهان؟: هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل فكرة (قمر قمرين) غريبة؟
بالطبع هي غريبة، ولكن السؤال الأهم: هل الغرابة وحدها تكفي؟
الإجابة ستأتي من الجمهور، فالفكرة الكبيرة تحتاج في النهاية إلى أغنية جيدة، والحكاية تحتاج إلى إيقاع درامي، والتقنية تحتاج إلى قصة تستخدمها بذكاء حتى لا تتحول إلى مجرد ألعاب بصرية.. ومع ذلك، يحسب لمصطفى قمر أنه لم يختر الطريق السهل.
ففي وقت يتسابق فيه كثيرون على تقديم كليب قصير يمكن اقتطاع منه ثوانٍ لتصبح ترندًا، اختار هو أن يصنع 13 دقيقة من الحكاية.. ربما ينجح الرهان، وربما يختلف الجمهور حول التجربة، لكن المؤكد أن (مصطفى قمر) استطاع أن يفعل الشيء الأصعب في صناعة الترفيه: أن يجعل الناس تتساءل: ماذا فعل مصطفى هذه المرة؟
وغدًا، عندما تفتح البلورة السحرية بوابتها، وتبدأ مطاردة الساحرات، ويظهر (المستئذب) لن يكون الاختبار فقط للأغنية.. سيكون الاختبار لفكرة كاملة:
هل يستطيع نجم الكليبات أن يعيد اختراع الكليب العربي في زمن الذكاء الاصطناعي؟: مصطفى قمر قرر أن يخوض التجربة.. والحكم.. للجمهور.