

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
لم يعد (محمد رمضان) مجرد فنان يختلف الناس حول موهبته أو يختلفون مع بعض اختياراته الفنية، وإنما أصبح أداة لهدم المجتمع ونموذج لتحول خطير في مفهوم الفن ودوره، بعدما انتقل من تقديم أعمال تثير الجدل إلى تكريس حالة من الفوضى والاستعراض، وكأن الفن لم يعد بالنسبة إليه رسالة أو قيمة أو حتى وسيلة للترفيه الراقي، وإنما ساحة لاستفزاز الجمهور وجذب الانتباه بأي وسيلة.
مثلما انحرف (محمد رمضان) بالفن في بعض أعماله الدرامية عن طبيعته، عندما جعل البلطجة والعنف واستعراض القوة عناصر أساسية في صناعة البطولة، فإنه ينقل النهج نفسه إلى حفلاته الغنائية، ولكن بصورة أكثر مباشرة، حيث يصبح الاستعراض الجسدي والمبالغة في الخروج عن المقبول بشأن الملابس والحركات والأجواء الصاخبة هو البطل الحقيقي، بينما تتراجع الأغنية نفسها إلى الخلف.
المشكلة هنا ليست في شخص (محمد رمضان) وحده، ولا في حقه في تقديم الفن بالشكل الذي يراه مناسبًا، وإنما في تأثير النموذج الذي يقدمه، خصوصًا عندما يتحول ما كان يفترض أن يكون استثناءً إلى ظاهرة، وما كان يفترض أن يثير الدهشة إلى أمر عادي، ثم يصبح تقليده هدفًا لدى آخرين.
ظهر (محمد رمضان) في حفله الأخير بالساحل عاري الصدر والبطن، بينما راحت إحدى الراقصات من فرقته تلاحقه لتلبسه فانلة داخلية، في مشهد بدا أقرب إلى مطاردة مربية لطفل مشاغب لتلبسه ملابسه وهو يجري أمامها رافضاً ومتمرداً. وقد يكون من السهل اعتبار المشهد مجرد دعابة أو استعراض، لكن تكرار هذه النوعية من التصرفات يجعل من الصعب فصلها عن رغبة في صناعة اللقطة وإثارة الجدل.
ليس هذا المشهد جديداً.. فقد سبق أن توقف (محمد رمضان) خلال حفل سابق عن الغناء، ورفع قدمه فوق إحدى السماعات الضخمة على المسرح، ثم أخذ يسأل عبر الميكروفون: (أين حذائي الأبيض؟)، قبل أن يعلن أن الـ (ستايلست) أخطأ في اختيار الحذاء، قائلاً إن الحذاء الذي يرتديه هو (حذاء أخته).. ثم دخلت مساعدته إلى المسرح حاملة الحذاء الأبيض وساعدته على تبديله أمام الجمهور.

صراخ واستغاثات من فتيات
لم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد شهد الحفل الأخير صراخاً واستغاثات من فتيات، وسط حالات من التدافع ومحاولات التحرش ومحاصرة بعضهن في الزحام، وهذه ليست (ترينداً) ولا مشهداً تمثيلياً يمكن استخدامه لصناعة الشهرة.
وإنما واقع مؤلم يكشف أن فوضى بعض الحفلات قد تتحول من مشكلة تنظيمية إلى خطر حقيقي على القيم المجتمعية وعلى سلامة الجمهور، والمريب هو غياب الرقابة بشكل كامل عن هذه الحفلات وما يحدث فيها من تجاوزات!.
الحفل أثار الكثير من الصخب الذي يشبه صخب فن (محمد رمضان) الخاوي والهادم، فقد قدم خلال سنوات عددًا من الشخصيات التي ارتبطت بالقوة والعنف والبلطجة، وفي بعض أعماله بدا البطل وكأن طريقه إلى النجاح لا يمر بالقانون أو العمل أو الأخلاق، وإنما بالقدرة على فرض نفسه بالقوة وترهيب الآخرين.
ومع تكرار هذه الصورة، لم تعد القضية مجرد شخصية درامية شريرة أو مضطربة، وإنما أصبح هناك خلط بين البطولة والبلطجة، وبين القوة والخروج على القانون.
الفن يستطيع أن يقدم الشر، لكنه لا ينبغي أن يحوله إلى نموذج يحتذى. يستطيع أن يجسد البلطجي، لكنه يصبح شريكًا في المشكلة عندما يجعل البلطجي بطلًا جذابًا، ويمنحه الهيبة والانتصار والمال والحضور، ثم يترك المشاهد الصغير أمام صورة مغرية بلا مساحة كافية للتفكير في عواقبها.
إذا كانت الدراما قد قدمت هذه الصورة من خلال الشخصيات والحكايات، فإن الحفلات أصبحت تقدمها بصورة أكثر صراحة، فلا شخصيات ولا أحداث ولا سياق درامي يمكن أن يقال إنه يبرر المشهد. هناك فنان على المسرح، وجمهور يتلقى ما يقدمه، وأجيال صغيرة تراقب وتتعلم وتقلد.
وهنا يصبح السؤال أكبر من (محمد رمضان) نفسه: ماذا نريد من الفن؟.. وهل المطلوب أن يظل مساحة للبهجة والجمال والإبداع، أم أن يتحول إلى سباق محموم نحو الأكثر إثارة والأكثر غرابة والأكثر قدرة على صناعة (الترند).
في حفلات محمد رمضان، كثيرًا ما يبدو أن الأغنية لم تعد هي محور الحفل، وإنما أصبح الفنان نفسه هو العرض.. الملابس، والحركات، وطريقة الدخول إلى المسرح، والاستعراض، وإثارة الجدل، كلها أصبحت جزءًا من المنتَج الذي يتم تسويقه للجمهور. وهنا تتغير المعادلة؛ فبدلًا من أن يكون الاستعراض خادمًا للفن، يصبح الفن أحيانًا مجرد ذريعة للاستعراض.

كسر المألوف هو الأكثر نجاحًا
والأخطر أن حالة (الاستظراف) التي يتم تقديمها باعتبارها حرية شخصية أو أسلوبًا مختلفًا، قد تتحول مع الوقت إلى معيار جديد لدى بعض الفنانين، فيصبح الأكثر جرأة في كسر المألوف هو الأكثر نجاحًا، ويصبح الأكثر التزامًا بالذوق العام وكأنه أقل قدرة على جذب الجمهور!
ليس المطلوب أن يتسم الفن بالجمود أو أن يصبح كل فنان نسخة من غيره، فالتجديد ضرورة، والاختلاف حق، والحرية شرط أساسي للإبداع، لكن الحرية الفنية لا تعني إلغاء الذوق، والتجديد لا يعني الهدم، والجرأة لا تعني الابتذال وما يكرره الفنان أمام الجمهور قد يتحول بمرور الوقت إلى ذوق جديد.
وما يقدمه باعتباره عاديًا قد يصبح بالفعل عاديًا في عيون الأجيال التالية؛ وهنا تكمن خطورة محمد رمضان ومن شابهه ممن يمتلكون جماهيرية واسعة.. فالفنان لا يصنع نفسه فقط، وإنما يشارك ـ بقصد أو من دون قصد ـ في صناعة صورة المجتمع عن النجاح والقوة والتميز.
كان الفن المصري، في أفضل لحظاته، قادرًا على أن يصنع البهجة دون ابتذال، وأن يقدم الجرأة دون إسفاف، وأن يناقش الجريمة والبلطجة دون أن يحوّ ل المجرم إلى قدوة، وأن يمنح الجمهور المتعة دون أن يتنازل عن احترامه لعقله وذوقه.
أما أن يصبح الهدف هو (أن يتحدث الناس عني) بأي طريقة وعن أي شيء، فهذه ليست بالضرورة صناعة فن، وإنما صناعة ضجة، والضجة تنتهي سريعًا، بينما يبقى أثر الفن طويلًا.
حين يتخلى الفن عن مهمته في الارتقاء بالذوق، لا يعود مجرد ترفيه فقد طريقه، وإنما يصبح أداة لهدم المجتمع وتدمير القيم والاعتداء على الإرث الحضاري الذي تركته أجيال سابقة ليضئ الطريق أمام أجيال لاحقة.