في ذكراه الـ 33: أين كنز (بليغ حمدي) المدفون والمبعثر في الإذاعات العربية؟


بقلم الكاتب الصحفي : أحمد السماحي
في 12 سبتمبر 1993، رحل جسد الموسيقار العبقري (بليغ حمدي) في باريس، لكن المفارقة أن جزءًا من إرثه ربما رحل معه إلى النسيان، بينما بقي جزء آخر مبعثرًا بين أرشيفات الإذاعات العربية، والأشرطة القديمة، والتسجيلات التي لم تجد طريقها يومًا إلى المستمع المصري.
نحن نعرف (بليغ حمدي) الذي غنّت له أم كلثوم وعبدالحليم ونجاة ووردة وميادة الحناوي، ونحفظ عشرات ألحانه التي أصبحت علامات في تاريخ الموسيقى العربية.. لكن ماذا عن بليغ الآخر؟.. ذلك الموسيقار الذي جاب العواصم العربية، وكتب لأصوات ربما يعرفها جمهور بلادها جيدًا، بينما لا يعرف المصريون أن وراء بعض أعمالها بصمة ذلك العبقري القادم من شبرا؟
هنا تصبح ذكرى بليغ حمدي هذا العام ليست مناسبة لاستعادة الأغنيات المحفوظة، وإنما مناسبة لفتح ملف مسكوت عنه: أين ذهب باقي تراث بليغ؟ وكم لحنًا لا يزال حبيس الأدراج والأرشيفات؟ وكم أغنية كان يمكن أن تصبح كلاسيكية لو وصلت إلى القاهرة في الوقت المناسب؟.. ربما نكون قد أمضينا 33 عامًا في الاحتفال ببليغ الذي نعرفه.. بينما الكنز الحقيقي قد يكون في بليغ الذي لم نسمعه بعد!
في مثل هذا الأيام، قبل 33 عامًا، انطفأ جسد (بليغ حمدي) في باريس، لكن الرجل الذي رحل عن 62 عامًا لم يرحل معه اللحن، فالألحان التي تركها (بليغ) وراءه تبدو اليوم كأنها شظايا مرآة ضخمة تناثرت في أرجاء العالم العربي، قطعة في مصر، وأخرى في الجزائر، وثالثة في المغرب، ورابعة في تونس، وخامسة في الخليج.
وأجزاء أخرى تحمل أصوات مطربين عرب ربما لا يعرف الجمهور المصري أن وراء بعض أشهر أعمالهم اسم ذلك المصري القادم من شبرا.


1300 لحن
الموسيقار الذي يقدر إنتاجه الغنائي بنحو 1300 أغنية، تعاون مع أصوات من معظم أنحاء الوطن العربي، ولم تكن علاقته بالمطربين العرب مجرد تجارب عابرة، وإنما كان في أحيان كثيرة يكتشف الصوت ويعيد تشكيله موسيقيًا ويمنحه شخصية جديدة.
فـ (بليغ حمدي) لم يكن موسيقارًا مصريًا يغني له العرب، بل موسيقارًا عربيًا خرج من مصر، ربما تكون هذه هي الجملة التي ظلمنا بها (بليغ) حين لم نضعها في مقدمة الحديث عنه.
فرغم أن (بليغ حمدي) مصري حتى النخاع، لكن مشروعه الموسيقي لم يتوقف عند حدود القاهرة، منذ بداياته، كانت المنطقة العربية مسرحًا مهمًا لاكتشافاته، ففي عام 1955، سافر إلى بيروت، ثم طلبته الإذاعة السورية ليسجل خلال فترة قصيرة عشرات الألحان لمطربين ومطربات هناك، وهو ما يكشف مبكرًا عن حجم الانفتاح العربي في تجربته.
وهناك سجل مجموعة كبيرة من الألحان لعدة أصوات سورية كانت تغني في هذه الفترة، وهكذا بدأ اسم (بليغ) يتحرك خارج القاهرة، قبل أن يشتهر في القاهرة، ويتحول مع مرور السنوات إلى أحد أكثر الملحنين المصريين حضورًا في الغناء العربي.
كان (بلبل الألحان) يعرف أن اللحن الجيد يستطيع عبور الحدود من دون جواز سفر، ولذلك لم يكن يتعامل مع الصوت العربي باعتباره صوتًا أجنبيًا عن المدرسة المصرية، وإنما كان يبحث عن المنطقة المشتركة بين اللهجات والمقامات والإيقاعات، وهذه تحديدًا إحدى عبقرياته.




الجزائر والمغرب وتونس والخليج
من يقرأ قائمة الأصوات التي مرّت على خريطة (بليغ حمدي)، اللحنية، يجد أنها كانت طويلة، وجمعت أصوات عديدة بعضها من نجوم القمة، وبعضها من نجوم لم يحققوا الشهرة العريضة.
بداية من المصرية (فايدة كامل) التى وضع لها أول الحانه (ليه فاتني ليه)، مرورا بـ (شادية، ونجاة، وعبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، ومها صبري، وشريفة فاضل، ومحمد قنديل، ومحرم فؤاد، ومحمد عبدالمطلب، ومحمد رشدي، وماهر العطار، وعايدة الشاعر، وليلى نظمي، وسوزان عطية، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، ومحمد ثروت).
فضلا عن مجموعة كبيرة من مطربات غير شهيرات مثل (مديحة عبدالحليم، عصمت عبدالعليم، نجوى الموجي، إلهام بديع، محمد فتحي، سماح، فاتن فريد) وغيرهم الكثير.
وفي العالم العربي تعاون مع كثير من الأصوات العربية المهمة مثل (سميرة سعيد، نعيمة سميح، عبدالهادي بلخياط، عايشة الوعد، سمية قيصر) من المغرب، ومن لبنان مع (نور الهدى، نازك، صباح، موفق بهجت، أحمد دوغان، وليد توفيق، نهاد طربيه).
ومن تونس مع (عليا، لطيفة، زينة، ذكرى) ومن السعودية مع (طلال مداح)، ومن الإمارات (عبدالله بو الخير، وميحد حمد)، ومن فلسطين (سلمى)، ومن الجزائر مع (وردة) و(مهدية)، ومن سوريا (ميادة الحناوي) و(صباح فخري)، و(عصمت رشيد)، ومن العراق مع (سعدون جابر).
هذه بعض الأسماء التى تعاون معها عبقري مصر، وليس كلها، وهنا نصل إلى السؤال المؤلم كم أغنية لـ (بليغ حمدي) ضاعت من الذاكرة المصرية لأنها لم تدخل سوق الكاسيت المصري؟!
وكم لحنًا كان يمكن أن يصبح من كلاسيكيات الغناء لو وجد طريقه إلى إذاعات وتليفزيونات القاهرة في التوقيت المناسب؟.. في الوقت الذي يعرف فيه المستمع المصري (بليغ حمدي) من خلال قائمة محددة من الروائع، هناك أجيال عربية تعرفه من خلال مطربيها هي.
فالمغربي يتذكره مع عزيزة جلال وسميرة سعيد، والجزائري يتذكره مع (وردة)، والسوري يستعيده مع (ميادة الحناوي)، والتونسي يلتقي معه في تجربة (لطيفة).
وهكذا يصبح (بليغ) في الذاكرة العربية أكثر من مجرد ملحن مصري، إنه واحد من صناع الوجدان العربي الحديث.




أسئلة مهمة
السؤال المهم، لماذا لم نسمع كل ما لحنه (بليغ حمدي) في مصر؟! هنا لا بد من توجيه أصابع الاتهام إلى الأرشيف والإعلام وسوق الأغنية، فالجزء الأكبر من تراث (بليغ حمدي) العربي لم يكن متاحًا دائمًا في صورة تسجيلات مصرية متداولة.
بعض الأغنيات صدرت في أسواق عربية، وبعضها بقي في أرشيف الإذاعات، وبعضها لم يطرح تجاريًا بالشكل الذي يسمح للأجيال الجديدة بالوصول إليه.
بل إن تجربة (سميرة سعيد) مع أغنية (واقفين على المحطة) تقدم نموذجًا واضحًا لأغنية سجلت بالفعل، لكنها لم تطرح في مصر، فاختفت تقريبًا من الذاكرة الجماهيرية المصرية، باستثناء الكوبليه الأول الذي تغنيه مطربتنا الرقيقة (نجاة) وطرحته على شريط كاسيت، وبذلك لم تعد المشكلة في وجود التراث، وإنما في إتاحته، فالتراث موجود، لكن الطريق إليه ليس سهلًا.
ربما يكون أكبر ظلم وقع على (بليغ حمدي) بعد رحيله، هو وغيره من كبار نجومنا، أننا اختزلنا إرثهم الفني في الأغاني الشهيرة، وهو ظلم شائع في حق كبار المبدعين، فالناس تتذكر (حب إيه) و(أنساك) و(حكم علينا الهوى)، و(العيون السود) و(يا أهل الهوى) و(تخونوه) و(عدى النهار) و(على الربابة)، و(مولاى)، لكن خلف هذه الأغنيات جبال من الأعمال الأقل شهرة.
وهناك في مكان ما، في أرشيف إذاعة عربية، أو شريط قديم، أو أسطوانة لم يعد أحد يبحث عنها، أو تسجيل منزلي، أو نسخة إذاعية، (بليغ) آخر ينتظر أن نكتشفه.
ولعل أهم ما يمكن أن يفعله الإعلام المصري في ذكرى رحيله ليس إعادة الأغنيات التي نعرفها للمرة الألف، بل أن يسأل أين بقية ألحان (بليغ حمدي)؟ أين ألحانه لنجوم المغرب والجزائر وتونس وسوريا والخليج؟ أين التسجيلات التي لم تصل إلى السوق المصرية؟
وأين الأغنيات التي غناها مطربون عرب ولم يعد أحد يتذكر أنها من ألحان بليغ؟ وأين الألحان التي بقيت حبيسة الأدراج ولم يسمعها الجمهور أصلًا؟

لا نحتاج تمثال عن بليغ حمدي!
في الذكرى الـ33، لا نحتاج إلى تمثال لـ (بليغ حمدي)، فتمثاله في القلوب، ولا إلى حفلة أخرى تكرر نفس القائمة المحفوظة من الأغنيات!.. ولكن حان وقت إعادة جمع تراث (بليغ حمدي) نحتاج إلى مشروع أرشيفي حقيقي، مشروع يجمع ألحانه من الإذاعات العربية، ويفهرسها، ويحدد أسماء الشعراء والمطربين والموزعين، ويوثق التسجيلات النادرة، ويعيد نشر ما يمكن إعادة نشره.
وذلك لأن (بليغ حمدي) لم يترك تراثًا مصريًا فقط، ترك ذاكرة عربية كاملة، والمفارقة أن هذه الذاكرة لا تزال موزعة بين العواصم العربية، بينما تنتظر القاهرة أن تجمعها من جديد.
لقد رحل بليغ في 12 سبتمبر 1993، لكن بعد 33 عامًا يبدو أن الرجل لا يزال يملك مفاجآت موسيقية لم نسمعها، مثل ألحانه مع المطربة المعتزله (إيمان الطوخي)، ومع إكتشافه (عفاف راضي)، وغيرها من الألحان المجهولة والمنسية والتى لم يرى بعضها النور بعد.
وربما تكون أجمل طريقة للاحتفال بذكراه أن نبحث عنها، فـ (بليغ حمدي) الذي نعرفه عظيم، لكن (بليغ حمدي) الذي لم نعرفه بعد، ربما يكون أعظم.
رحل بليغ حمدي منذ 33 عامًا، لكن حكايته لم تنتهِ.. فما نعرفه من ألحانه ليس إلا جزءًا من كنزه الكبير، فهل نملك الشجاعة لنبحث عن بليغ الذي لم نسمعه بعد؟.. فربما يكون أعظم ما تركه لنا.. هو ذلك اللحن الذي ما زال ينتظر من يعثر عليه.